تعريفة الكهرباء الجديدة في تونس تعمّق أزمة الفقر
tunigate post cover
لايف ستايل

تعريفة الكهرباء الجديدة في تونس تعمّق أزمة الفقر

الترفيع المفاجئ في تعريفة الكهرباء والغاز في تونس يُثقل كاهل المواطن ويُنذر بتعميق أزمة الفقر . تحقيق بوابة تونس
2022-05-17 16:20

رحمة الخنتوش

ارتفاع مفاجئ وجنوني  في تعريفتي الكهرباء والغاز بنسب تتراوح بين 12.2 و16% للحرفاء في البيوت ابتداء من شهر ماي/ مايو تزامن مع التهاب أسعار الخضر والغلال والمواد الغذائية والاستهلاكية مما زاد من تدهور المقدرة الشرائية للمواطنين، وسط تحذيرات جدية من تفاقم أزمة الفقر في تونس.

غلاء المعيشة يتزامن مع تواضع مصادر الدخل وتجميد الأجور منذ فترة طويلة، فالدولة التونسية لم تزد في الأجور لكنها لا تتوقف عن الترفيع المستمر في أسعار المواد الاستهلاكية. أجور متواضعة غير قادرة على مجابهة عبء غلاء المعيشة.

قرار الشركة التونسية للكهرباء والغاز الترفيع في تسعيرة الكهرباء، المعلن عنه قبل أسبوع، قوبل برفض وغضب كبيرين من المواطنين ومن منظمة الدفاع عن المستهلك، فقد أصبحت تعريفة الكهرباء باهظة جدا ولم تعد فئة كبيرة من المجتمع قادرة على تحمل تكلفتها خاصة بالتزامن مع حلول فصل الصيف وارتفاع الطلب على تشغيل المكيفات وما يترتب عنه من ارتفاع في استهلاك الكهرباء.

فواتير مشطة

سالم صاحب محل لبيع الأحذية في ولاية المنستير شرق تونس، قال لبوابة تونس إن الشركة التونسية للكهرباء والغاز “الستاغ” أرسلت الأحد الماضي فاتورة الاستهلاك الخاصة بمحله، وقد تضمنت التعريفة 160 دينارا أي ما يعادل 52 دولارا.

عبر سالم عن صدمته من فاتورة الكهرباء الخاصة بالمحل الذي يديره، فهو يرى أن تحديد قيمة الاستهلاك أكبر بكثير من معدل استهلاكه فهو لا يشغل سوى تلفاز صغير ومصباح كهربائي واحد عند حلول المساء فقط.

سالم أكد في حديثه لبوابة تونس أن دخله من محل بيع الأحذية لا يتجاوز شهريا 300 دينارا (100 دولار) وهو يكفل عائلة تتكون من 4 أشخاص، بالإضافة إلى مصاريف المعيشة والتنقل وفواتير الماء والغاز والإنترنت. وأكد أنه غير قادر على تسديد فاتورة الكهرباء في الوقت الحالي، فكيف سيقدر على ذلك بعد الزيادة التي أقرتها الشركة في قادم الأيام؟

الراتب يُدفع للكهرباء

عائشة ربة بيت وهي المعيلة الوحيدة لأفراد أسرتها، بعد طلاقها من زوجها منذ عشرين عاما، قالت إنها تخصص ثلثي راتبها الشهري لدفع فواتير الكهرباء والماء والإنترنت، فهي متقاعدة من مصنع خياطة وتتقاضى شهريا 390 دينارا أي ما يعادل 127 دولارا.

وتابعت قائلة إن استهلاكها للكهرباء لا يتعدى تشغيل ثلاجة وغسالة الملابس وبعض مصابيح الكهرباء التي تشغلها مساء عند عودة أ بنائها من العمل. ويقتصر استهلاك الكهرباء في منزلها على شحن بطاريات الهواتف الجوالة والحواسيب المحمولة لابنيها، مشيرة إلى أنها لا تفتح التلفاز إلا لمتابعة نشرة الأخبار على الساعة الثامنة مساء ثم لمشاهدة مسلسل “شوفلي حل”.

إملاءات صندوق النقد الدولي
عضو المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية منير حسين، أكد لبوابة تونس أن الزيادة في أسعار الطاقة هي الثالثة من نوعها في تونس منذ بداية العام الحالي، وهي تعكس توجه البلاد نحو الاستجابة لشروط صندوق النقد الدولي مقابل مساعدة تونس، وبذلك توجهت الحكومة التونسية إلى إلغاء دعم منظومة الإنتاج فانعكس مباشرة على ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن إلغاء الدعم هو تحميل المواطن تبعات الأزمة الاقتصادية، فلم ينعكس هذا الارتفاع الجنوني للأسعار فقط على أسعار الكهرباء والطاقة بل على مختلف أسعار المواد الاستهلاكية الأخرى.

وقال حسين في تصريحه لبوابة تونس الثلاثاء 17 ماي/ أيار 2022، إن الحكومة التونسية تنتهج سياسات الحكومات المتعاقبة نفسها وهي تطبيق إملاءات صندوق النقد الدولي والمؤسسات المانحة، كشرط للحصول على مساعدات مالية وقروض بنكية. هذه الشروط تتمثل في رفع الدعم وتجميد الأجور وهو ما سينعكس بطريقة سلبية على ظروف معيشة المواطنين.

ودعا محدثنا إلى تغيير هذه السياسات التي تدفع إلى التوجه نحو السوق المالية الدولية الخارجية للبحث عن تمويل الميزانيات، في حينأن تونس تمتلك موارد مالية ذاتية في حال تقوم بإصلاحات هيكلية وجوهرية تشمل المؤسسات العمومية وشركات إنتاج الفسفاط وهو ما يمكنها من تحقيق موارد مهمة للدولة.

وطالب بالإصلاح الجبائي الذي من شأنه توفير موارد مالية ضخمة، لكن الدولة تواصل إلى اليوم تحميل أعباء الجباية إلى الطبقة الشغيلة. 

إرساء سياسة واضحة لإدماج القطاع غير المنتظم في الاقتصاد لما له من قدرة على توفير موارد مالية تغني تونس عن التوجه إلى الأسواق المالية الخارجية  للحصول على مساعدات مالية وقروض، يمكن أن يكون حلا ناجعا يساعد تونس على تجاوز أزمتها المالية الخانقة والتخلص من التبعات المالية الخارجية وانعكاساتها الوخيمة. 

دوامة التضخم المالي
الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان، نفى أن يكون ترفيع الدولة التونسية في الأسعار جاء بناء على إملاءات فرضها صندوق النقد الدولي.

وأوضح لبوابة تونس أن تونس لجأت إلى صندوق النقد الدولي وطلبت قرضا ماليا عام 2013، مقابل برنامج إصلاحات للحصول على هذه المساعدة. وتحصلت البلاد في ذلك الوقت على جزء من القرض لكنها لم تلتزم بتطبيق الإصلاحات، فسلط عليها الصندوق عقوبة تتمثل في إلغاء القسط الأخير من القرض.

وفي عام 2016 طلبت تونس مجددا مساعدة مالية أخرى من الصندوق مقابل برنامج إصلاحات جديد، ومثل العادة تحصلت تونس على القرض لكنها لم تلتزم بتطبيق برنامج الإصلاحات، فسلط الصندوق عقوبة عليها  تتمثل في إلغاء نصف القرض المقدر بمبلغ قيمته 1.2 مليار دولار  من أصل 2.9 مليار دولار.

ومنذ أفريل/ نيسان 2021، تقدمت حكومة هشام المشيشي بطلب للحصول على قرض مقابل برنامج إصلاحات جديد ولم يتم تطبيقه، لكن في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فرض صندوق النقد الدولي على حكومة نجلاء بودن تطبيق برنامج الإصلاحات الذي تقدمت به، المتمثل في إصلاح منظومة الدعم لأنها أصبحت تمثل عبئا ضخما على ميزانية الدولة، لتقرر حينها الحكومة الترفيع في الأسعار.

وأبرز سعيدان لبوابة تونس، أن لجوء تونس إلى الترفيع في أسعار الكهرباء والغاز كان بسبب التأخر في تطبيق الإصلاحات منذ سنوات طويلة، مقابل الحصول على قروض بنكية لتغطية العجز المالي والاقتصادي. 

هذا الترفيع في تعريفة الكهرباء والغاز سينجر عنه ارتفاع كبير في الأسعار برمتها وانهيار القدرة الشرائية للمواطن التونسي.

وسترتفع بطريقة غير مباشرة تكلفة الإنتاج في جميع القطاعات الفلاحية والصناعية والنقل والخدمات والصناعات التحويلية، وهو ما سينعكس على أسعار كل المواد الاستهلاكية والخدماتية في تونس.

الترفيع في تكلفة الإنتاج سينجر عنه أيضا التضخم المالي والتدني في القدرة الشرائية وتدني قيمة الدينار التونسي. وستدخل تونس عندها في ما يعرف بـ “دوامة التضخم المالي”.

وتعاني تونس حاليا إشكالا ماليا ما يجعل اقتصادها من أكثر اقتصاديات العالم هشاشة، بسبب التضخم المالي والركود الاقتصادي.

تغييب منظمة الدفاع عن المستهلك
منظمة الدفاع عن المستهلك، عبرت من جانبها في مراسلة رسمية عن احتجاجها ضد قرار الشركة التونسية للكهرباء والغاز، القاضي بالزيادة في تعريفتي الكهرباء والغاز بنسب تتراوح بين 12.2 و16% للحرفاء في البيوت.

وانتقد رئيس المنظمة عمار ضية بشدة تغييب منظمة الدفاع عن المستهلك في العديد من المسائل التي تهم المستهلك التونسي الذي ظل، الحلقة الضعيفة في جملة القضايا الوطنية في البلاد، وفق تقديره.

زيادة توافق القدرة الاستهلاكية للتونسيين
في المقابل يقول مدير العلاقات مع المواطن بالشركة التونسية للكهرباء والغاز منير الغابري، إن العائلات التونسية التي لا يتجاوز استهلاكها الـ 200 كيلوات/ ساعة في الشهر لن تكون معنية بالزيادة الجديدة في التعريفة، أي ما يمثل 85% من الحرفاء وفق قوله، وهو ما يعادل 3.6 مليون حريف غير مشمولين بهذا التعديل.

وأوضح أن معدل الزيادة لحرفاء الكهرباء ذات الجهد العالي وهم الصناعيين بدرجة أولى، يصل إلى 12% بينما تبلغ الزيادة لحرفاء الجهد المتوسط بمعدل 2.5% شهريا بداية من ماي/ مايو 2022 على امتداد 6 أشهر. فيما تقدر الزيادة المتعلقة باستهلاك الغاز الطبيعي بالنسبة إلى الصناعيين من حرفاء الضغط العالي والمتوسط بـ 15%.

هذه الزيادة، قال عنها الغابري إنها مدروسة بطريقة تراعي القدرة الاستهلاكية للتونسيين خاصة الحرفاء المنزليين.

غرق في الظلام

وتوقع الكاتب العام للجامعة العامة للكهرباء والغاز عبد القادر الجلاصي، انقطاع الكهرباء في بعض الأحياء خلال موسم الصيف مبينا أن تونس على مشارف أزمة كبرى في قطاع الكهرباء.

وتعتمد تونس على 99% في إنتاج الكهرباء من الغاز، وهي لا تنتج سوى 38% منه وتستورد الباقي من الجزائر في إطار عقد بين تونس والجزائر مقابل مرور الغاز الجزائري إلى إيطاليا عبر تونس.

ورأى أنه من الضروري ترشيد استهلاك الكهرباء والتحكم في الطاقة من خلال تنظيم عمليات تحسيسية مكثفة للمواطنين، ومن جهة أخرى إجراء محادثات اقتصادية دبلوماسية عاجلة بين تونس والجزائر.

وكانت الشركة التونسية للكهرباء والغاز، قد أقرت زيادة في تعريفتي الكهرباء والغاز بنسب تتراوح بين 12.2 و16% للحرفاء المنزليين و 15% للصناعيين.

وتدخل الزيادة الجديدة المدرجة بقانون المالية لسنة 2022 حيز التطبيق عند احتساب الاستهلاك للفاتورتين التقديرية والاستهلاكية انطلاقا من ماي/أيار 2022.

اقتصاد#
الزيادة في أسعار الكهرباء والغاز#
الشركة التونسية للكهرباء والغاز#
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية#
تونس#
صندوق النقد الدولي#
عز الدين سعيدان#

عناوين أخرى