تعديل قانون البنك المركزي التونسي بين النوايا الحسنة وتداعياته الخطيرة 

خبراء يؤكدون أن مشروع القانون سيقيّد صلاحيات المركزي ويسيل لعاب الحكومة في الإنفاق على حساب التنمية

بعدما اقترح أعضاء بمجلس نواب الشعب تعديل القانون الأساسي للبنك المركزي طفت مجددا نقاشات في الساحة الاقتصادية في تونس بين من يرى أن الخطوة تهدف إلى استعادة المؤسسة المالية دورها التنموي في إطار سياسة التعويل على الذات ومن يعتقد أنها قد تقود إلى نتائج عكسية منها زيادة معدلات التضخم في بلاد تعاني أصلا من أزمة مالية.

وفي شهر أكتوبر الماضي قدم 27 نائبا بالبرلمان مشروع قانون لتعديل القانون الأساسي للبنك المركزي يسحب منه السلطة الحصرية في تعديل أسعار الفائدة وضبط السياسة النقدية والتصرف في احتياطي الذهب ويحتم عليه اتخاذ القرارات بالتوافق مع الحكومة.

كما سيتعين على البنك المركزي شراء سندات حكومية ومنح تسهيلات أو كشوفات مباشرة لخزينة الدولة.

 وفي 2016 صدق مجلس النواب على قانون استقلالية البنك المركزي التونسي عن السلطة التنفيذية بهدف تعزيز أدائه وإبعاده عن أي تجاذبات سياسية محتملة.

وأصبح للبنك المركزي السلطة المطلقة في ضبط السياسات النقدية والإنفاق والتحكم في الاحتياطي النقدي والتصرف في احتياطي الذهب، كما أصبح ممنوعا من إقراض الدولة.

وأشار مشروع التعديل إلى أن قانون 2016 أدى إلى خسارة 113 مليون دينار وارتفاع ديون تونس الداخلية والخارجية وحذر النواب من إفلاس الدولة في حال عدم تغييره.

وقالت آمال المؤدب رئيسة كتلة صوت الجمهورية بمجلس نواب الشعب لبوابة تونس: ”الهدف من تغيير القانون الأساسي للبنك المركزي تصحيح الوضع لأن هناك فصول تقلص دور البنك المركزي في التنمية وتقديم حلول للدولة في وقت تسعى فيه إلى التعويل على الذات إضافة إلى دوره في التحكم في التضخم وقيمة سعر الفائدة.“

وأضافت نائبة البرلمان: ”الدولة تقترض من البنوك الخاصة ما أدى إلى خسارة الدولة وتحميلها أعباء مالية إضافية” مشيرة إلى أن التعديلات تهدف إلى تخفيف الأعباء المالية عن الدولة عبر الاقتراض مباشرة من المصرف المركزي ضمن قيود محددة.

ونفت أن تكون التعديلات الجديدة تهدف إلى ضرب استقلالية الدولة وقالت إن الفصول التي تؤكد  استقلالية البنك المركزي “ لم تمس ”لكنها أوضحت أن المؤسسة مالية مطالبة بالتنسيق مع سياسة الحكومة للعمل ضمن وحدة الدولة.

وكان الرئيس التونسي قيس سعيد أكد سابقا أن استقلالية البنك المركزي لا تعني استقلاله عن الدولة، وأنه لا بد أن تكون سياسات البنك المركزي متناسقة مع سياسات الدولة.

وأكدت  النائبة أن تعديل القانون لن يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم معتبرة أن تمويل مشروعات استثمارية سيؤدي إلى تقليص كلفة التداين وزيادة نسق التنمية وتعافي الاقتصاد وتحقيق التوازنات المالية.

   لكن أستاذ الاقتصاد آرام بلحاج يرى أن” النية الطيبة لا تكفي لأن النتائج قد تكون سلبية أو خطيرة في بعض الأحيان رغم أهدافه النبيلة “.

وأوضح في فيديو نشره بصفحته على فايسبوك أن اقتراح التعديل جاء للسيطرة على التداين لكن الواقع يكشف أن العجز الأولي في ميزانية الدولة كبير بسبب “ إخلال بين النفقات والإيرادات”.مشيرا إلى أن المشكل ليس في التداين بل في اختلال الموازنة العمومية”.

وتابع” قبل السيطرة على التداين يجب السيطرة على النفقات ودعم الإيرادات عبر إصلاح منظومة الدعم والمؤسسات العمومية والصناديق الاجتماعية وإصلاح النظام الجبائي ومقاومة الاقتصاد الموازي”.

ويتوقع أن يبلغ عجز الميزانية التونسية 6.3 بالمئة في 2024 وتسعى الحكومة إلى خفضها إلى5.5 بالمئة العام المقبل.

وأكد بلحاج أن دفع البنك المركزي نحو الانخراط في التنمية لا يأتي بضرب استقلاليته بل بمنحه آليات وأدوات لتحقيق هذه الأهداف منتقدا في الوقت نفسه سحب السلطة الحصرية للمصرف في تحديد سعر الفائدة.

وأوضح أن تكريس السيادة والتعويل على الذات يكون عبر إصلاح الاقتصاد الوطني وإصلاح المنظومات الإنتاجية.

من جانبها أكدت الخبيرة الاقتصادية جنات بن عبد الله أنها ضد” قانون استقلالية البنك المركزي الذي صادق عليه البرلمان في 2016”، معتبرة أنه جعل ميزانية الدولة رهينة لدى القطاع البنكي بمنع المركزي من التمويل المباشر لميزانية الدولة.

 وأشارت بن عبد الله إلى أن القانون حصر مهام المركزي في احتواء نسب التضخم دون الاهتمام ببقية المجالات مثل التنمية والتشغيل.

لكنها أكدت أيضا أنها تعارض مشروع تعديل القانون قائلة: “تنقيح بعض الفصول لن تجد لها معنى في إطار قانوني تتضارب خلفيته الفكرية مع أهداف جهة المبادرة”.

وسابقا، حذر الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي من أن تنقيح القانون الأساسي للبنك المركزي(الفصل 25)، سيسيل لعاب الحكومة في التوسّع في نفقاتها الاستهلاكية على حساب التنمية.

من جهته أكد عبد الرزاق عويدات عضو كتلة الخط الوطني السيادي بمجلس نواب الشعب أن المقترح الجديد باقراض الميزانية العمومية مدة سنوات طويلة خطير وقد يؤدي إلى تضخم مالي”.

وأشار في تصريح لبوابة تونس إلى أن كتلته اقترحت في وقت سابق مشروع قانون يسمح للبنك المركزي بإقراض خزينة الدولة مباشرة ما قدره خمس الإيرادات الضريبية لمدة لا تتجاوز سنة واحدة لتجنب عدم السداد.

وأكد ضرورة استقلالية البنك المركزي لدوره في مقاومة ارتفاع معدل التضخم والمحافظة على مستوى جيد لسعر الدينار.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *