تستور... حكاية أندلسية بين أشجار النارنج وساعة الجامع الكبير
tunigate post cover
ثقافة

تستور... حكاية أندلسية بين أشجار النارنج وساعة الجامع الكبير

2021-01-31 23:23

تحدثك ساعة الجامع الكبير بتستور عن أشواق آخر المورسكيّين محمد تغرينو، عندما حطّ الرحال بين تلك الربوع ليكتب الفصل الأخير من تغريبة أندلسية استمرت زهاء قرنين من الزمن، بعد سقوط غرناطة آخر القلاع الإسلامية في الفردوس العربي المفقود.

رحلة هجرة قسرية ما تزال أطوارها سرّا مقدّسا تتناقله الأجيال من أهالي تستور، في رواياتهم عن أصولهم وجذورهم الممتدّة من قرطبة إلى إشبيلية، لتختزل حنينا إلى موطن يحتضن رفات الأجداد وتراثهم وحضارتهم وكثيرًا من تاريخهم.

حنين يمتزج بفخر عن خصوصية مدينتهم وإرثها التاريخي والحضاري والإنساني، والذي جعل منها أكبر مركز للمهاجرين المورسكيّين في تونس، ورمزًا ثريّا بمعالمه الثقافية والعمرانية.

شموخ على أطلال رومانية

عند تلك البقعة المسيّجة بالجبال والمرتفعات والمحصّنة طبيعيًا، وعلى أطلال مدينة رومانية قديمة كانت تدعى “تشيلا”، اختار المهجّرون الأندلسيّون الأوائل إقامة مدينتهم سنة 1609م في أحضان الطبيعة البكر، ووسط محيط ومناخ أقرب إلى أجواء الأندلس، فضلا عن بعدها عن سائر الحواضر التونسية الأخرى، حيث غلبت على المورسكيّين نزعة الاستقلال وعدم الاختلاط بعموم التونسيّين.

اشتقّت تسمية المدينة بحسب الروايات المتداولة من مصطلح “تازاتور” باللغة القشتالية التي كان يتكلّمها القادمون وتعني البرج المرتفع، في حين تشير تفسيرات أخرى إلى أنّ الاسم اشتقاق من كلمة تسوُّر أو السور، في إشارة الى موقعها بين الجبال والذي يجعلها بمثابة منطقة محصّنة طبيعيًا.

نقل المورسكيّون نمط عيشهم الذي توارثوه طوال قرون في مختلف ثغور الأندلس إلى موطنهم الجديد، جاعلين من تستور نموذجًا مصغّرًا من بلنسية ومالقة وطليطلة، وهو ما يتّضح في تخطيط المدينة والنمط العمراني وتقسيم الأحياء والشوارع والأسواق.

تتوسط المدينة ساحة “الرحيبة”، وهي ساحة بُنيت لاحتضان مسابقات مصارعة الثيران التي نقلها المؤسسون من قشتالة وحواضر أخرى اشتهرت فيها هذه الرياضة.

ولا يكاد يخلو بيت في تستور من شجرة النارنج بعَبقِها وعطرها وظلّها الوارف، والذي يُضفي عليها مسحة من الحنين والارتباط الوجداني بسهول الأندلس.

ساعة الجامع الكبير … أعجوبة هندسية

يُعدّ الجامع الكبير أعجوبة عمرانية وهندسية تشهد على عبقرية المورسكيّين وتفوّقهم في العلوم والبناء والحساب، ففضلاً عن تصميمه الذي جسّد روح العمارة الأندلسيّة، فإنّ صوْمعة الجامع تتميّز بشُهرةٍ فريدةٍ واستثنائيةٍ.

تتّشح الصوْمعة بنقوش وزخارفَ من الجصّ، كما تنْفتح واجهاتها بنوافذ صغيرة مزدوجة تُزيّنُها الزخارف المصنوعة من الجِلّيز، إضافةً إلى الساعة الميكانيكية الشهيرة التي تدور عقاربها عكس الاتجاه.

تحوّلت ساعة تستور إلى مزار سياحي، ومقصد لمئات الباحثين والعلماء في محاولة لفكّ أسرارها ونظام تشغيلها الفيزيائي الذي كان يقوم بضبط مواقيتها ودوران عقاربها باتّجاه مكة.

طوال ثلاثة قرون ظلّت ساعة الجامع متوقّفة بعد عطًل عجَز المهندسون التونسيّون عن سبْر أغوارها وفهْم الآليات المعقّدة لنظامها المكانيكي، قبل أن تعود إليها الحياة منذ سنة 2014 بمبادرة من منظّمات المجتمع المدني، وشراكة ألمانية أسهمت في تشغيلها مجدّدًا مع الحفاظ على مكوّناتها الأصلية.

وما تزال ساعة الجامع سرًّا عصِيّا حتّى اليوم لا يملك إجابته إلا محمد تغرينو مؤسّس المكان، والذي كان يُدرك الحكمة من وراء جعل العقارب تدور باتّجاه اليمين بما قد يُترجم رغبةً دفينةً في العودة إلى الماضي والارتداد إلى زمن الوصل بالأندلس (يا زمان الوصل بالأندلس).

الأندلس#
المورسكيين#
تونس#
مدينة تستور#

عناوين أخرى