ترهونة: البحث عن العدالة بين القبور المبعثرة
tunigate post cover
سياسة

ترهونة: البحث عن العدالة بين القبور المبعثرة

بعد 5 سنوات من الإرهاب... معاناة أهالي ترهونة الليبية من جرائم عائلة الكاني متواصلة
2022-08-05 21:44

تُكافح ليبيا، إلى الآن، من أجل البحث عن خيارات جدّية للخروج من حالة الانسداد السياسي التي تهدّد بعودة العنف إلى البلاد، إلا أنّ محاولات تهيئة الظروف الملائمة لإجراء عملية انتخابية وبناء دولة ديمقراطية، تعرقلها عدّة أطراف تتصارع على السلطة.

يرى مراقبون أنّ حل الأزمة الليبية وإعادة الاستقرار في البلد الذي يعاني من تدهور الوضعيْن الأمني والاقتصادي، يكمن في إجراء مصالحة شاملة تهدف إلى حلّ الخلاف بين الليبيين والإسراع في إنهاء الفترة الانتقالية، فيما تؤكّد تقارير أنّ المصالحة دون محاسبة لن تقود ليبيا إلى برّ الأمان.

ترهونة.. نزيف حيّ

شكّك تقرير نُشر في نيويورك تايمز، في قدرة الليبيين على إجراء مصالحة دون تحديد المسؤول عن الجرائم الفظيعة التي اُرتكبت في البلاد، مشيرا إلى أنّ الفوضى السياسية في البلاد لم تترك مساحة كبيرة للمصالحة التي يراها الكثيرون ضرورية من أجل السلام.

وبيّن التقرير أنّ مدينة ترهونة الواقعة بين ساحل البحر الأبيض المتوسّط والصحراء، هي مثال حيّ وصارخ لإخفاقات القادة السياسيين، مشيرا إلى أنّ المنطقة تعاني من آثار الانتهاكات البشعة التي قامت بها “مليشيات عائلة الكاني”، مستعرضا جرائم الاعتقال والتعذيب والقتل التي طالت مئات السكان على امتداد خمس سنوات من “الإرهاب”.

وأشار التقرير إلى أنّ الأهالي في ترهونة مازالوا يبحثون عن جثث ذويهم، إلى غاية الآن، رغم مرور عامين على كسر قبضة “مليشيات الكاني”، مضيفا أنّ مقابر جماعية خفيّة تنتشر في حقول الزيتون الواقعة في المدينة.

ونقلت نيويورك تايمز عن شهود عيان، أنّ بعض العائلات فقدت أكثر من 6 أفراد ولا تعرف مصيرهم، بينما قال آخرون إنهم علموا بمصير أقاربهم من السجناء السابقين أو شهود العيان، وأُلقي بأحدهم إلى أسود يربّيها أشقّاء الكاني، ودُفن شخص آخر حيّا.

وأوضح التقرير أنّ الملابس مازالت متناثرة على الأرض أمام سجن مؤقّت تحتجز فيه “ميليشيا الكاني” سجناء داخل خزانات أشبه بالفرن، فلا يستطيع الرجل الوقوف فيها إلا منحنيًا (قرفصاء).

شهادات الضحايا

وأورد تقرير نيويورك تايمز شهادة مديرة مدرسة التمريض المتقاعدة كلثوم الحبشي، التّي قالت فيها: “لن نتجاوز الأمر إلا عندما نحقّق العدالة ويدفعون ثمن جرائمهم، وحتى ذلك الحين لن يكون هناك أيّ تصالح” .

وأضافت: “عندما تطلب مني تحقيق السلام، فكيف لي أن أحقّقه مع من تلوّثت يداه بالدماء؟ كيف أصافحه؟”.

وكشفت الحبشي أنّ ابنها الأكبر اختُطف عام 2011 لدعمه الثورة ضد العقيد الراحل معمر القذافي واختفى شقيقها بعد الثورة، بينما اختطفت عائلة الكاني ابنها الثاني، ولم تظهر جثثهم بعد، مشيرة إلى أنّها تأمل أن يتبيّن وجودهم أحياء في أحد السجون البعيدة.

ويرى أهالي ترهونة أنّ الصراع على الحكم في ليبيا بين طرفي الصراع (غرب وشرق)، منع ترهونة من تحقيق العدالة. وأكّد حمزة القانوني (39 عاما) أنّ القادة من كلا الجانبين المنقسمين متورّطون في صعود عائلة الكاني التي قتلت عمّه واحتجزت ابن عمّه لـ3 أشهر.

وحسب تقارير أممية، خلّفت مليشيا الكاني وراءها قبورا تضمّ مئات الجثث، فيما كشف محققون ليبيون إحصاءهم ما يقارب الـ250 جثة وتعرّفهم على 60% منهم، إضافة إلى اكتشافهم عدّة مواقع دفن أخرى في ترهونة.

كما أورد تقرير الصحيفة الأمريكية تصريحا لاختصاصي في الحمض النووي يشرف على جهود البحث والتعرّف على الجثث، كمال أبو بكر، قال فيه إنّ “470 عائلة بلّغت عن أقارب مفقودين”، وهو ما يؤكّد أنّ عدد القتلى أعلى من ذلك بكثير.

“مليشيا الكاني”

الكاني”، أو ما يُعرف باسم “اللواء السابع” ثم “اللواء التاسع”، هي مليشيا ليبية أسّسها “الإخوة الكاني”، وعددهم 6 (عبد الخالق ، محمد، معمر، عبد الرحيم، محسن، عبد العظيم)، إلى جانب شقيقهم السابع عليّ الذي قُتل قبل تشكيل التنظيم.

بدأت “جرائم الكاني” أثناء الثورة مستغلّة الفوضى لتصفية الحسابات ضدّ خصومها وترسيخ وجودها في ترهونة التي يسكنها 70 ألف نسمة، وقد صنعت قوتها وثروتها من التهريب والابتزاز، وفق ما نقلته نيويورك تايمز عن سكان محلّيين.

وبحلول عام 2016، تحالف الكاني مع الحكومة المدعومة دوليًا في طرابلس التي دفعت لهم لإدارة الأمن، وبعد 3 سنوات اندلعت حرب أهلية جديدة عندما شنّ قائد شرق ليبيا خليفة حفتر هجوما على طرابلس.

بعد ذلك التاريخ، انقلبت عائلة الكاني إلى معسكر حفتر، لكن القتل استمرّ بغض النظر عن المعسكر الذي انضمّوا إليه، وعندما تمكّنت قوات الحكومة الليبية من هزيمة حفتر بدعم تركي عام 2020، طردت عائلة الكاني من ترهونة، والآن تريد المدينة تحقيق العدالة.

ويؤكّد مراقبون وخبراء دوليون، أن حلّ الأزمة في ليبيا لن يكون إلا بتهيئة أرضية قانونية تمكّن من محاسبة من أجرم في حقّ الشعب الليبي، تليها خطوات عملية أخرى كتوحيد المؤسسة العسكرية وإجراء انتخابات نزيهة وشفافة.

ويعدّ حلّ المليشيات وتجميع السلاح (29 مليون قطعة) المنتشر في ليبيا، من أهم شروط الاستقرار وإنهاء الحالة الانتقالية.

ليبيا#

عناوين أخرى