تركيا.. الرقم الصعب في “صراع الطاقة” وتقلّباته (الجزء 1)

محمد بشير ساسي
لم تخف تركيا قطّ طوال السّنوات الماضية طموحاتها في التحوّل إلى بلد فاعل في مجال “الطاقة”، الورقة الأكثر تأثيرا في توازنات منطقة الشرق الأوسط ومعادلاتها، وحضورا على الأجندة الدولية.
كما أنّ هناك عوامل متعدّدة تدفع بقوة التحرّك “الجيوسياسي” التركي نحو تعزيز مكانة أنقرة الإستراتيجية في “معادلة الطاقة” منها الأمنية، والاقتصادية، والتاريخية، والثقافية، إضافة إلى موقعها الجغرافي المهمّ بين منتجي النفط والغاز في الشرق الأوسط وجنوب القوقاز والدول المستهلكة في الاتحاد الأوروبي، فضلا عن الحقوق التي تمنحها لها القوانين الدولية وأيضا اكتشافات الغاز.
قبل تحليل ومناقشة: كيف ولماذا وبماذا تحرّكت تركيا نحو ترجمة طموحتها وسياساتها الطاقوية إلى مشاريع حقيقيّة، حريّ بنا الوقوف على مصطلح “الأمن الطاقي” لنفهم أهميته القصوى في مخططات الدول وبالأخص الدولة التركية التي نجحت وفق العديد من الأرقام والإحصائيات من تحقيق قفزات مهمّة جدا، لتصبحَ مستقلّة بصورة كاملة في هذا القطاع، بل وملاذا ومركزا آمنين بالنسبة إلى الطاقة العالمية كما وعدت قيادتها السياسية.

مفهوم أمن الطاقة

وفق الدكتور أمل إسماعيل، باحث تخطيط طاقة بإدارة التخطيط بهيئة الطاقة الجديدة والمتجدّدة، وباحث بالمركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، يتباين معنى مصطلح أمـن الطاقـة بيــن الـدول الصناعيـة الأكثر اسـتيرادا للنفـط والأخـرى المنتجـة والمصـدّرة لـه.
فالفئـة الأولى تعرّفــه بأنـه القـدرة علـى تحقيــق وفـرة فـي إمــدادات الطاقــة دون أيّ انقطــاع مــن خــلال تنويــع مصادرهــا، أمــا بالنســبة
إلى الــدول المصــدّرة فمعنــاه يرتبــط بوجــود أســواق مســتهلكة وأســعار مقبولــة، فضــلا عــن وجــود إمكانــات للبنيــة التحتيــة اللازمة.
ومــن بيــن دول العالــم تلعــب دول الشــرق الأوسط دورا محوريـا فــي تأميــن إمــدادات الطاقــة واســتقرار الأسواق العالميــة للطاقــة بكافــة أشــكالها، الموقــع الجغرافــي لــدول الشــرق األوســط جعلهــا تتمتّع بمصـادر متنوعـة للطاقـة مـن بتـرول وغـاز طبيعـي، وصولا إلــى الطاقــات المتجــددة والهيدروجيــن الــذي تتنافــس عليــه الــدول الآن وتطمــح فــي تنــويع مصــادر الطاقــة مــن خلاله.
وتعــرّف وكالــة الطاقــة الدوليــة مصطلــح “أمــن الطاقة”علـى أنـه توافـر مصادر الطاقـة دون انقطاع وبأســعار يمكــن تحمّلهــا، ولأمن الطاقــة أســس وأوجــه مختلفــة، فمــن الممكــن أن يكــون طويــل
أو قصيـر الأجل أو يكـون علـى المسـتوى الدولـي أو المحلـي، وعـادة يتسـبّب أيّ نسـب نقـص أو انقطـاع فــي عمليــات إمــدادات الطاقــة لمــدة قصيــرة فــي إحــداث تقلّبــات قويــة فــي أســعار الطاقــة؛ ممــا يتســبّب فــي هــزات عنيفــة فــي عمليــات العــرض والطلــب.
وفــي حالــة اســتمرار تلــك الحالــة مــن ضعــف الإمدادات لمــدد طويلــة تنعكــس آثــاره علــى معدّلات النمــو بالســلب، والوجــه الآخر لأمن الطاقــة هــو طويــل الأجل بهــدف تأميــن مصــادر الطاقــة بمعــدّلات كافيــة مــن أجــل تلبيــة الطلــب المســتقبلي وخاصــة وقــت الأزمات.

تحولات جذرية

في الواقع طــرأت تغييــرات مهمــة فــي قطــاع الطاقــة العالمـي خلال الفتـرة القصيـرة الماضيـة؛ ممـا أدى إلــى إعــادة التفكيــر فــي العديــد مــن المفاهيــم والسياســات المتبنـّـاة ســابقا في مــا يخــص مفهــوم “أمــن الطاقــة”، وارتباطــه بالأدوار الجيوسياســية الناتجــة عــن طموحــات الــدول للتحــول الطاقــوي وتنــوع مصــادر الطاقــة وتحقيــق اســتدامة فــي القطــاع.
لقــد كانــت هنــاك طموحــات عالميــة أن يحقّق الانتقال إلــى مصــادر طاقــة مســتدامة عالمــا جديـدا نظيفـا وتحديـات سياسـية معتدلـة، متفاديا النزاعـات السـابقة، لكـن طـرأت تحولات جذريـة فـي قطــاع الطاقــة منــذ عــام 2020.
ســرّعت التحولات، كأزمــة الطاقــة الأوروبية التــي أدت إلــى ارتفــاع ســريع وعــال لأســعار الغــاز، الــذي انعكــس بــدوره علــى أســعار النفــط الخــام، والتهافــت الأوروبي الســريع وغيــر المنسّــق للحصــول بأســرع وقــت علـى بدائـل الوقـود الروسـي الـذي تـم حظـره جـراء الحـرب الروسـية الأوكرانية، ومـن قبلهـا أزمة انتشـار جائحـة (كوفيـد 19) وتأثيرهـا في سلاسل الإمداد.
في مقال مشترك بعنــوان “عصــر الطاقــة غيــر الآمنة” فـي مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية يؤكد كاتباه جيسون بوردوف وميغان إل. أوسيلفان ضرورة إعـادة صياغـة مفهـوم أمـن الطاقـة وتطويـر سياســات جديــدة للتعامــل مــع أمــن الطاقــة.
وحســب المقــال هنــاك أربــع طــرق للتعامــل مــع المرحلــة المســتقبلية هــي: تنويــع مصــادر الطاقــة، والمرونــة فــي اســتعمال وســائل الطاقــة، والاندماجية (بمعنــى إزالــة العوائــق للاستعمالات المتعــددة للمكائــن والإمداد) والشــفافية.
هــذا يعنــي أنــه يتوجّــب علــى السياســيين عنــد رســم سياســات الطاقــة المســتقبلية الأخذ فــي الاعتبار دور البتـرول والغـاز الطبيعـي، والعمـل علـى التخلّص مــن أكبــر كمية ممكنــة مــن انبعاثــات الكربــون فيــه، وتحقيــق المعادلــة المتوازنــة بيــن تنـوّع المصـادر وتأميـن الإمـدادات وأسـعار مقبولـة، فضـلا عـن مراعـاة البعـد البيئي الخـاص بتغيّـر المناخ وتداعياتــه الســلبية جــراء الانبعاثات الكربونيــة.

مفتاح السيطرة

من المؤكّد أن يحظـى مفهـوم أمـن الطاقـة بأهميـة كبـرى فـي منطقـة الشـرق الأوسط لمـا لهـا مـن أهميـة جيوإســتراتيجية فــي امتلاك موقعهــا الجغرافــي العديــد مــن مصــادر الطاقــة التــي تعــدّ ســرّ القــوة والتفــوق ومفتـاح السـيطرة علـى متطلّبـات العالـم للتقـدّم الاقتصادي، ومـن هنـا جـاءت أهميـة التنافـس علـى مصــادر الطاقــة فــي المنطقــة محــدّدا رئيســيا للتفاعـات بيـن الأطـراف الإقليميـة والدوليـة كافة، والتــي تضــم منطقــة الشــرق الأوســط، وهــي المنطقــة الجغرافيــة الممتــدّة مــن تركيــا شــمالا إلـى اليمـن والصومـال جنوبا، ومـن ليبيـا ومصـر غربـا إلـى إيـران شـرقا، وتتوسـّع لتشـمل الجزائـر والمغرب وقبــرص وأفغانســتان.
وبنـاء علـى ذلك تتميـّز منطقة الشـرق الأوسط بأنها تعــدّ مرتكــزا مهمــا فــي ســوق الطاقــة العالمــي، وســتظل مــن أهــم المناطــق ذات الأهمية البالغــة فــي قائمــة المناطــق المــوردة للطاقــة وخاصــة خلال العقــود القادمــة؛ حيــث تعتبــر مصــادر الطاقــة -وعلــى رأســها النفــط والغــاز الطبيعــي- محـورا مهمّـا لتحديـد أنمـاط التنافس وأشكاله في منطقــة الشــرق الأوســط وتحويــل دول المنطقــة أو دول خــارج المنطقــة إلــى لاعب رئيســي فــي لعبــة التنافــس علــى الطاقــة؛ ممــا ينعكــس علــى إعـادة صياغـة السياسـات الإستراتيجية لـدى أطـراف التنافـس وفـق مـا بـات يُعـرف بمصطلـح “جغرافيـا الطاقــة”، وهــو مصطلــح يقصــد بــه دراســة مــوارد الطاقـة مـن حيـث خصائصهـا وتنوعهـا وتوزيعهـا الجغرافــي علــى مســتوى العالــم وعلــى مســتوى
الوحـدات السياسـية؛ وبالتالـي تتبلـور أهميـة الشـرق الأوسط فـي أنّ توافر الطاقـة باختـلاف مصادرهـا (تحتــوي وحدهــا علــى مــا يقــرب مــن 70% مــن احتياطــي النفــط العالمــي)، بالإضافة إلــى توافــر مصــادر الطاقــات المتجــدّدة وتميـّـز الموقــع الجغرافــي.
وبما أنّ الشـرق الأوسط يعدّ أحـد مسـارح العمليـات الــذي تدور في مجاله معــارك التنافــس الجيوسياســي بيــن القــوى الكبــرى باعتبــاره يشكّل مجالا حيويــا لأمنها القومــي، وتتشــابك مصالحهــا السياســية والاقتصاديــة هنــاك؛ فقــد وجــدت المنطقــة نفســها جــزءا مــن الصفقــات الضخمة وفـي قلـب معركـة تكسـير العظـام.
لا يقــع الشــرق الأوســط بمعــزل عــن التوتّرات الجيوسياســية المحتدمــة فــي مناطــق متفرقــة مــن العالــم حاليــا، وإنمــا يشــكل جــزءا لا يتجــزأ مــن الصراعــات الدوليــة والإقليميــة؛ لــذا فـإنّ مـن أولـى تداعيـات التنافـس علـى مصـادر الطاقـة فـي المنطقـة تسـريع وتيـرة الانتقـال لتحقيـق أمـن الطاقـة واسـتقرار الأسـعار والمرونـة الوطنيـة علـى المــدى الطويــل؛ حيــث أدت تداعيــات الســيطرة علــى مصــادر الطاقــة إلــى التأثيــر الســيادي علــى القـرارات السياسـية والاقتصاديـة فـي هـذا العالـم تحــت مصطلــح “أمــن الطاقــة”؛ لذلــك فــإنّ مصــادر الطاقــة فــي المنطقــة علــى أبــواب إعــادة هيكلــة نوعيــة أســعار النفــط القائمــة علــى معادلــة العـرض والطلـب فـي ظـل التنافـس الدولـي عليهـا؛ لرســم خريطــة الطاقــة فــي منطقــة الشــرق الأوسط خلال الســنوات القادمــة.
لذلــك فــإنّ مــن أبــرز التداعيــات ازديــاد حجــم المصالــح الإقليميــة والدوليــة فــي الإقليــم تحــت مصطلــح “صــراع الطاقــة”، ويشــير هذا المصطلــح إلـى حالـة مـن التنافـس والتصـارع مـن أجـل التأميــن والاســتحواذ علــى مصــادر الطاقــة فــي العالـم؛ لذلـك تتّجـه العديـد مـن الـدول نحـو زيـادة اســتثماراتها فــي مجــال الطاقــة بمنطقــة الشــرق الأوســط؛ وبالتالــي الاعتمـاد كلّيـا علـى مصـادر الطاقة بشـكل مسـتمر ومرتبــط بوجودهــا؛ ومنه فــإنّ تنــوّع مصــادر الطاقــة يتيــح أمــام الأطــراف المتنافســة اختيــار المصـدر المتوافـر لديهـا، وهـو ما يعـدّ هدفا عالميا تسـعى كل الأطـراف إلى تحقيقـه بـكل الوسـائل مـن أجــل مواجهــة التأثيــرات الســلبية لهــذه التغيّرات.

ملف إستراتيجي

بنــاء علــى ذلــك أدركــت الأطراف المتنافســة ومن بينها تركيا ضـرورة انتهـاج هـذا النهـج العالمـي للتنافـس علـى مصـادر الطاقـة فـي منطقـة الشـرق الأوسـط؛ حيــث تمثّـل صمـام الأمان لـكل دول العالـم، وهـي تعـدّ بمثابـة حجـر أسـاس للتعامـل الإقليمـي والدولـي مـن أجـل اسـتثمار الطاقـة فـي المنطقـة؛ لذلـك نجـد أنّ كل الأطــراف المتنافســة تســتهدف فــي إســتراتيجيتها الوطنيــة تأميــن حصولهــا علــى احتياجاتهــا مــن الطاقــة بشــكل أكثــر إصــرارا ممــا ســبق فــي العهــود الماضيــة. كمــا أنّ هنــاك إجماعــا علــى أنّ مصـادر الطاقـة فـي المنطقـة قـادرة علـى تحقيـق الاكتفــاء لــدى الأطــراف المتنافســة؛ نظــرا إلى تعــدّد اســتخدامات الطاقــة وتنــوّع مصادرهــا.
لم تتردّد القيادة السياسية التركية في الإعلان بصوت صادح أنّ أنقرة ستكون لها مكانة عالمية في مجالات التنقيب عن النفط والغاز في المستقبل، وهذا “الملف الإستراتيجي” الثقيل تحديدا منحه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أولوية قصوى على مدار السنوات الأخيرة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي تلقي بظلالها على مشهد الطاقة في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
 في الصائفة الماضية وخلال قمة الموارد الطبيعية التي انعقدت في مدينة إسطنبول، أكّد أردوغان أنّ أمن الطاقة في تركيا قضية تهم العالم بأسره بشكل مباشر أو غير مباشر، مشيرا إلى أنّ حكومته تطوِّر دائما سياساتها في مجال الطاقة في ضوء هذه الحقيقة.
لم تتأخّر أنقرة كثيرا لتتحدث بلغة براغماتية واثقة، إذ أعلنت مع بداية العام الجاري أنّ 2025 ستكون “سنة الاكتشافات” في قطاع الطاقة وتوسيع الإنتاج، مؤكدة أنها تمضي قدما لتصبح قائدا إقليميا في مجال الطاقة ولاعبا مؤثرا في خريطة التحالفات المطّردة في بلدان إفريقيا وآسيا وأوروبا بعد أن كانت في بداية الألفية تستورد أكثر من 90% من طاقتها، وتعتمد اعتمادا شبه كامل على الغاز الروسي والإيراني، مما جعل أمنها الطاقي خاضعا للضغوط الخارجية، ولكن مع تصاعد التوقعات بزيادة الطلب بحلول 2050 بنسبة 55% مقارنة بعام 2022، وضعت أنقرة أمن الطاقة أولوية قومية.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *