محمد بشير ساسي
قبل استعراض تمدّد مصالح الصين في الخارج بعدة أشكال جدير بكل باحث في تنامي القوة العالمية الصينية الوقوف قبل كلّ شيء على جبهتها الداخلية التي توصف بـ”صمام الأمان” من أجل فرض الرؤية التي تقود العملاق الآسيوي وتضبط إيقاعه في سياق استراتيجي واحد.
أهم الأخبار الآن:
دولة الحزب الواحد
ويعتقد العديد من الدّارسين للتجربة الصينية، أن نظام الحكم في الإمبراطوية الناشئة بعيدا كل البعد عمّا يدّعي أنصار شعار “لنجعل الولايات المتحدة عظيمة” مرة أخرى أنه شكل بدائي وغير مستقر من أشكال الاستبداد أو السلطوية، وأن حكام الحزب الشيوعي الصيني لطالما رَعوا أساليب حكم ذكية ومذهلة (يسمون ذلك ديمقراطية فعّالة)، بحيث تتخذ الحكومة داخل أسوار الإمبراطورية شكل “ديمقراطية وهمية” ذات حزب واحد لها خصائص صينية؛ إنه نظام سياسي قائم على سيطرة مركزية، ترافقها إجراءات مكافحة الفساد، ومحاكم شعبية محلية، وأجهزة إنذار مبكر، وتجارب مساءلة حكومية.
وبالتالي يوصف الحزب الشيوعي الحاكم في الصين واحدا من أكثر “التنظيمات السياسية سرية” في العالم، ولذا لطالما انتظر متابعو الشأن الصيني بحرارة أي معلومة جديدة عن الصين لمعرفة اتجاهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
فالصين هي “دولة الحزب الواحد” وفي حالة تغير مستمر، وستظل – وفقاً للمعطيات الراهنة – قوة مرعبة اقتصادياً وفي الوقت نفسه منافسا عسكرياً وتكنولوجيا للولايات المتحدة.
وتنقسم الركائز الاستراتيجية للسياسة الصينية طيلة السنين الماضية إلى مجموعتين:
(1) البناء الداخلي والاستقرار السياسي: يعتمد على عناصر عدّة:
– استمرارية الحزب الشيوعي قوة رئيسة ومسيطرة على الدولة
– انتهاج سياسة الانفتاح والإصلاح الاقتصادي.
– اعتماد سياسة التصدير ركيزة أساسية لعملية التنمية.
– السعي إلى بناء قوة تكنولوجية تعتمد على الخبرة الأجنبية والتعاون الأجنبي والاستثمار الأجنبي.
– انتهاج سياسة النمو غير المتوازن بالتركيز على الصناعات الحديثة والخفيفة كالملابس والمنسوجات والإلكترونيات من ناحية التوجه الصناعي، وعلى مناطق الشرق والجنوب الشرقي من الناحية الجغرافية، وعلى “المناطق الاقتصادية الخاصة”، نموذجا ينافس مناطق هونغ كونغ وتايوان وسنغافورة وغيرها.
(2) العلاقات الخارجية: كما هو معروف فإن السياسة الخارجية لأية دولة هي امتداد طبيعي للسياسة الداخلية، ومن ثم فإن متطلبات تحقيق النمو المستدام والاستقرار السياسي استلزمت سياسة خارجية تسعى إلى تجنب النزاعات وتحقيق السلام لضمان العمل من أجل تحقيق ذلك. ومن ثم فقد قامت السياسة الخارجية الصينية على عدة ركائز أساسية أهمها:
– التركيز على العلاقات الخارجية التي تخدم أهداف التنمية الاقتصادية.
– الابتعاد عن التورط في النزاعات الدولية.
– الاهتمام بالعلاقات مع الدول المتقدمة للحصول على التكنولوجيا والاستشارات، ومع الدول النامية للحصول على الطاقة والموارد الأولية، وعلى كل الدول لولوج أسواقها وتصريف الإنتاج الصيني الضخم، حيث تحولت الصين إلى مصنع العالم.
– بناء علاقات استراتيجية مع الدول المهمة وفي مقدمتها الاتحاد الروسي، الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، اليابان، وبريطانيا.
– تحويل الجاليات الصينية في الخارج إلى مصدر قوة اقتصادية لجذبها للاستثمار وللسياحة في الصين، وللاستيراد من الصين، مع الابتعاد عن الجوانب السياسية والإيديولوجية التي سادت في مرحلة ماوتسي تونغ.
أحزمة المصالح
تفتخر الصين اليوم بتحقيق عدة إنجازات يعود فيها الفضل بدرجة أولى إلى سياسية الانفتاح على العالم وتغيير قواعد اللعبة دون رفع الصوت معتمدة على الشرعية السياسية، والخبرة القانونية والتجارية، والقدرة التفاوضية التي مكنتها مجتمعة من تمديد مصالحها في الخارج عبر:
– الحزام والطريق: أطلق المشروع عام 2013، وهو مبادرة صينية قامت على أنقاض طريق الحرير القديم، يهدف إلى ربط الصين بالعالم عبر استثمار مليارات الدولارات في البنى التحتية على طول طريق الحرير الذي يربطها بالقارة الأوروبية، ليكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية، ويشمل ذلك بناء مرافئ وطرقات وسككا حديدية ومناطق صناعية.
فشبكة الحزام والطريق تربط الصين بأكثر من 150 دولة في شرق آسيا وغربها وفي أوروبا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وتمر عبر المحيطين، الهادئ والهندي، إضافة إلى جنوب الأطلسي، وتشكِّل فيها منطقة الشرق الأوسط حلقة رئيسية.
وتغطي هذه الشبكة مساحة جغرافية تضم أكثر من ثلثي سكان المعمورة، ويتجاوز مجموع ناتجها المحلي الخام 40% من الناتج العالمي، وتستقطب نصف قيمة التجارة الخارجية للصين.
– شانغهاي للتعاون: تأسست المنظمة شانغهاي للتعاون في العام 2001، وضمَّت، حين تأسيسها، كلًّا من الصين وروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان. هذه المنظمة الأوراسية ذات طبيعة اقتصادية وسياسية وأمنية، وهي أكبر المنظمات الإقليمية على أكثر من صعيد، خاصة بعد توسعها وانضمام أربع دول أخرى، هي الهند (2017) وباكستان (2017) وإيران (2023) وروسيا البيضاء (2024). فامتدادها الجغرافي يغطي نحو ربع مساحة العالم، وعدد سكانها يتجاوز 40% من سكانه.
أما الناتج المحلي الخام لمجموع أعضاء المنظمة فيبلغ 23% من الناتج المحلي الخام على مستوى العالم. إلى جانب أعضائها العشرة، تضم شانغهاي للتعاون عضوين مراقبين، هما منغوليا وأفغانستان، وتتمتع أربع عشرة دولة أخرى بوضعية “شريك حوار”، منها ست دول عربية، هي مصر والسعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين.
– مجموعة بريكس (بلس): حزام جيو-اقتصادي آخر يدعم صعود الصين ويشكِّل قوة مضافة إلى قوتها الذاتية. وقد أصبحت المجموعة، التي تأسست عام 2009، وضمَّت في السابق كلًّا من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، تشمل عشر دول، بعد توسعها في العام 2024 وانضمام مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات والمملكة العربية السعودية.
وما تزال المجموعة مفتوحة لضم المزيد من الدول، ولعب دور متزايد في إطار مواجهة الهيمنة الغربية، وتعزيز نسيج المنظمات الإقليمية والدولية، وتمهيد الطريق لنظام عالمي متعدد القطبية. ما يعكس أهمية المجموعة في خضم التحولات التي تشهدها العلاقات الدولية، وزنها الجيو-اقتصادي وحجمها الديمغرافي. فدولها تضم، حاليا، أكثر من نصف سكان العالم، وتمتد على ثلاث قارات، وتتمتع بقوة اقتصادية تناهز ربع حجم الاقتصاد العالمي.
تزداد أهمية مجموعة بريكس في ظل النقاش الجاري بشأن التخلص من هيمنة الدولار الأميركي الذي ما يزال يستحوذ على نحو 80% من التجارة العالمية. فدول المجموعة تسعى إلى تشكيل عملة بديلة وتسعير مبادلاتها التجارية البينية بعملاتها المحلية، كما تبحث سبل إنشاء سلة مشتركة من عملات أعضائها. وقد أنشأت في هذا السياق بنكًا مشتركًا للتنمية وصندوقًا احتياطيًّا للطوارئ، لتعزيز التعاون بين بلدان الجنوب العالمي، وفي مسعى لمنافسة مؤسستي البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، اللتين نشأتا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، في إطار ترتيبات “المنتصرين” لخدمة مصالح دول الشمال الصناعية الغنية.
قطب مؤثر
يمتلك “العملاق الصيني” ثانيَ أقوى اقتصاد في العالم بعدما تحوّل إلى قطب مؤثر، وتحديدا منذ عام 2009، خلال حقبة الرئيس السابق هو جينتاو، وهناك توقعات بأن يحتل المركز الأول خلال سنوات، مع تحقيق معدلات نمو عالية في السنوات الأخيرة، وهو أكبر قوة تجارية في العالم بتجارة دولية تجاوزت 6 تريليون دولار، وصادرات خارجية تجاوزت 3.55 تريليونات دولار في عام 2024، وتحقيق فائض تجاري غير مسبوق بلغ 992 مليار دولار العام الماضي، بزيادة 21% عن العام 2023.
كما تمتلك الصين احتياطيات من النقد الأجنبي تتجاوز 3.23 تريليونات دولار في فبراير الماضي. وفي مجال الاستثمارات تتفوق على الولايات المتحدة وتحتل المركز الأول عالمياً وجهةً للاستثمار الأجنبي المباشر. والصين أكبر قوّة تجارية بحرية في العالم، وتُمثل 61% من إنتاج المعادن الأرضية النادرة، وتُمثل سيطرتها على مرحلة المعالجة 92% من الإنتاج العالمي، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. ولديها تجربة اقتصادية وتنموية واجتماعية فريدة خاصة في معالجة مشكلات الفقر والبطالة، وشهدت تطورا هائلا في أنشطة الصناعات التحويلية والتقنية وتكنولوجيا المعلومات وإنتاج السيارات وغيرها، وبات يطلق عليها مصنع العالم.
قدرات عسكرية
خارج دائرة الاقتصاد، تدرك بكين الخطط والمخاطر التي تحدق بها والتحالفات التي تعقدها الولايات المتحدة والدول الغربية لمحاولة حصارها في محيطها وإيقاف صعودها، وتعي جيدا أنّ الاكتفاء بالاقتصاد والبقاء على وضع ثابت لقواتها العسكرية لن يكون كافيا للدفاع عن خططها، ولن يحقق الاستقرار لمصالحها.
ولهذا زادت الصين ميزانيتها العسكرية والدفاعية بشكل واضح لمواجهة هذه التهديدات، وإيجاد حالة قوة تستطيع التلويح بها أمام أي عدوان خارجي، سواء بالتحالفات التي تستهدفها أو محاولة انفصال تايوان، أو الحفاظ على مصالحها في العالم، وهو ما جاء متكاملا مع علاقتها الخارجية مع الدول منذ 2013 المرتكزة على مبادرة “الحزام والطريق”.
وفي عام 2024، كشف تقرير رسمي أنّ الصين زادت ميزانيتها العسكرية 7.2%، حيث بلغت نحو 231 مليار دولار، وهي الزيادة التاسعة على التوالي، وهو ما تنظر إليه الولايات المتحدة وشركاؤها على أنها انعكاس للتطورات مع الصين وخططها الاستراتيجية مع تصاعد التوتر خلال السنوات الماضية.
وعملت الصين منذ تولي شي جين بينغ السلطة على إعادة إصلاح الجيش وتنظيمه ليتناسب مع طموحها وخططها الاستراتيجية، وحماية مشاريعها والدفاع عن مصالحها الرئيسية، وعن مطالبها الإقليمية والبحرية والحدود البرية.
وركّزت في تطوير قوتها العسكرية لجيش التحرير الشعبي على تقليص أوجه الضعف والتعامل مع التهديدات، وتحديث قدراته بشكل كامل، لتتناسب مع طبيعة الحروب المعاصرة، واستخدام أسلحة متقدمة، وتغيير في أنظمة القيادة والتحكم والاتصالات والحوسبة والمراقبة والاستطلاع، بالإضافة إلى قوة الردع النووية.
ووضعت في 2020 مخططا لتسريع التطوير المتكامل في الجوانب الآلية والمعلوماتية والاستخباراتية للقوات المسلحة، التي إذا تحققت سوف توفر لها مزيدا من الخيارات العسكرية في حالات الطوارئ، خاصة في قضية تايوان، وتكون بمثابة حالة ردع وهامش من المناورات.
وإذ كانت الصين في السابق تعمل للحصول على الحد الأدنى من القوة النووية التي يتيح لها الانتقام من أي هجوم نووي عليها لتحقيق الردع، فإنها اليوم تسعى إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030، بحسب توقعات وزارة الدفاع الأميركية، كما تقوم بإنشاء البنى التحتية اللازمة لدعم هذا التوسع الكبير لقواتها النووية.
يضم الجيش الصيني في قواته أكثر من مليوني جندي في الخدمة الفعلية و500 ألف جندي احتياطي آخرين- كما أنّه يضم أقوى قوة طيران في المنطقة وثالث أكبر قوة طيران في العالم.
وبمقارنة الجيش الصيني مع الجيش الأسترالي، القوة الغربية الأقرب إليه، فإنّ الأول يمتلك أكثر من 3260 طائرة حربية، في حين يمتلك الثاني نحو 425 طائرة حربية بينها 75 مقاتلة فقط.
من حيث القوة البحرية، يتكون الأسطول الصيني من 777 قطعة بحرية، منها 3 حاملات طائرات هي “لياونينغ” و”شاندونغ”، فيما جرى اختبار الثالثة “فوجيان” عام 2024، وهي أكبر سفينة تابعة للبحرية، ما يمثل خطوة رئيسية في تعزيز البحرية الصينية في إطار سعيها إلى ترسيخ وجودها في البحار والمحيطات، خاصة مع زيادة التوتر في بحر جنوب الصين.
وتوصف البحرية الصينية بأنّها الأكبر في العالم، حسب تقرير أصدرته خدمة أبحاث الكونغرس في جانفي 2024، نقلا عن وزارة الدفاع، متوقعا أن تضم 435 سفينة بحلول عام 2030. وتدرك الصين أنّ المواجهة البحرية هي الأهم والأخطر، لذلك تريد تعزيز قوتها لتكون قادرة على ردع التحالفات الأميركية وتدخلها في حال اندلاع صراع مع تايوان أو أي قضية أخرى.
إذن نفهم مما سبق أن مكانة الدولة تتوقف على العديد من العوامل الداخلية والخارجية، ولحسن حظ الصين فإن معظم تلك العوامل تلعب لصالحها حتى الآن، مما أدى إلى ارتفاع مكانتها الدولية، ولكن هذه المكانة لها أعباؤها ومتطلباتها.
وفقاً للمعطيات الراهنة ستظل الصين دولة صاعدة اقتصادياً وفي الوقت نفسه ستظل عسكرياً وسياسياً وتكنولوجياً تحتفظ بعلاقة وثيقة مع الولايات المتحدة والدول الغربية وروسيا ولن تتحول إلى قوة دولية تلعب أدوراً مناهضة للولايات المتحدة على الأقل طوال العقدين القادمين.
لكن الثابت كما ورد في المقولات المنسوبة إلى نابليون بونابرت القائد العسكري، وأول إمبراطور لفرنسا بعد الثورة التي أطاحت بالملكية عام 1789: “دع الصين نائمة فإذا استيقظ التنين اهتز العالم”، ولا شك أن المارد الصيني قد استيقظ وأن العالم قد اهتز ولكن هذه الهزة هي هزة إيجابية، أو بالتعبير الديالكتيكي الصيني، إنها هزة حميدة لمصلحة الشعب الصيني، ولمصلحة شعوب العالم.



أضف تعليقا