محمد بشير ساسي
لم يتأخَّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كثيرا منذ عودته إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025 في تنفيذ وعيده على الأرض عبر استدعاء نماذج استعمارية تقوم على استقلال شكلي وهيمنة فعلية عبر الضغط الاقتصادي والقوة العسكرية.
أهم الأخبار الآن:
استحضار الماضي
ويبدو أنّ شعار “أمريكا أولا” لم يكن مجرّد أداة انتخابية استخدمها ترامب للوصول إلى السلطة، بل أصبح “المفهوم” ركيزة أساسية في رؤيته للعالم، إذ يرتكز المبدأُ على فرض الهيمنة الأمريكية عالميا ورفض التعدديّة الدولية.
ففي أكثر من مناسبة، أكّد الرئيس الجمهوري أنه يتّخذ قراراته دون أن يلقي بالا لأيّ تنسيق دولي مستخدما الضغوط الاقتصادية تارة، والتهديدات العسكرية تارة أخرى، وكأنه يخاطب الدول: “إما أن تكونوا معي أو ضدّي، بل قالها صراحة وبكل وضوح: “لست في حاجة إلى القانون الدولي.. أخلاقي تقودني”.
يُجمعُ محلّلون أن ترامب قد أعاد إحياء”عقيدة مونرو” العسكرية إلى واجهة السياسة الأمريكية بعد قرنين من إعلانها، وينصّ المبدأ الذي صاغه الرئيس الأمريكي “جيمس مونرو” وأعلن عنه في رسالته السنوية السابعة إلى الكونغرس في ديسمبر 1823، على أن العالميْن القديم والجديد يقومان على نظم مختلفة ويجب أن يظلّا منفصلين، وطرح في هذا السياق 4 ركائز أساسية:
– لن تتدخل الولايات المتحدة في شؤون القوى الأوروبية أو نزاعاتها الداخلية.- تعترف الولايات المتحدة بالمستعمرات والتبعيات الأوروبية القائمة في نصف الكرة الغربي ولن تتدخل فيها.
– يعدّ نصف الكرة الغربي منطقة مغلقة أمام أي مشروع استعماري جديد.
– ستعتبر الولايات المتحدة أي محاولة أوروبية لقمع أو إخضاع دولة في نصف الكرة الغربي عملا عدائيا موجّها ضدها.
فيما بعد أضحت تلك “العقيدة” ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الأمريكية، ومهّدت الطريق للممارسات التوسعية والتدخلية للولايات المتحدة في العقود اللاحق بأمريكا اللاتينية (المكسيك، وكوبا، ونيكاراغوا، وجزيرتي هايتي وسانت دومنغو).
تهديدات صريحة
بعد قرنين من إعلان رمزي كان رمزيا أكثر منه قوة قابلة للتنفيذ، عاد المصطلح اليوم بأكثر قوة وتهديد في صلب السياسة الخارجية الأمريكية تجسيدا لعقيدة الإدارة الجمهورية الحالية نهجا حازما في ردع أي نفوذ خارجي باعتباره تهديدا مباشرا يستوجب مواجهة صارمة.
يرى مختصون في الشأن الأمريكي أن ترامب الذي أكد بالأمس القريب أنه يستحق جائزة نوبل للسلام ويتبجّح غرورا بأن إدارته نجحت في إنهاء عدة حروب كبرى منذ توليه السلطة، كان آخرها الإعلان عن خطة السلام في الشرق الأوسط لوقف الحرب في غزة، يكشف اليوم عن وجه مغاير لتلك التصريحات.
ووفق رؤية الكاتب الفنزويلي ديفيد أوسوريو، فإن رجل الصفقات الذي يرفض التعددية الدولية، يقدّم نموذجا غير تقليدي للسلطة، يجمع بين الشعبوية والانعزالية والاندفاع العاطفي، معيدا على حد وصفه تعريف دور الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في العالم.
فبخلاف تعامل ترامب مع السياسة الدولية كصفقة تجارية بممارسة ضغوط اقتصادية وبفرض تعريفات جمركية على الأصدقاء والأعداء على حد سواء، فقد أطلق تهديدات صريحة بإعادة صياغة خارطة النفوذ العالمي عبر القوة العسكرية.
فمع وصوله إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، أصدر سلسلة قرارات تركزت على أسماء وتواريخ يعتبرها جزءا من عصر الانتصارات الأمريكية وقد ظهرت في ما يلي:
– إعادة الأسماء الأصلية لبعض القواعد العسكرية التي غيرها الرئيس الأسبق جو بايدن عقب احتجاجات العدالة العرقية في عام 2020.
– ترأس عرضا عسكريا ضخما في قلب واشنطن العاصمة، في 14 جوان الماضي بمناسبة الذكرى المائتين والخمسين للجيش الأمريكي، والتي تزامنت أيضاً مع عيد ميلاده التاسع والسبعين.
– تغيير اسم “خليج المكسيك” إلى “خليج أمريكا”، وقمة دينالي في ولاية ألاسكا التي تعد أعلى قمة في أمريكا الشمالية إلى جبل ماكينلي.
وقد أكدت إدارة ترامب أنّ تلك التغييرات تعكس التزام الأمة بالحفاظ على التراث الاستثنائي للولايات المتحدة وضمان احتفال الأجيال القادمة من الأمريكيين بإرث أبطالها ومقدراتها التاريخية.
– تحدّي المعايير التقليدية المتعلقة بالنشر المحلي للقوات المسلحة، من خلال انتشار القوات العسكرية على طول الحدود الجنوبية مع المكسيك لدعم حملته ضد الهجرة غير النظامية، إضافة إلى نشر قوات في مدن أمريكية كبرى مثل لوس أنجلوس وواشنطن العاصمة لمواجهة المستويات المرتفعة من الجريمة داخلها.
وزارة الحرب
وفي وقت لاحق توّج الرئيس الجمهوري تلك القرارات بإصدار أمر تنفيذي بإعادة تسمية وزارة “الدفاع”، وزارة “الحرب” ضمن خطاب رسمي يحمل نبرة هجومية تجاه المنافسين.
وأثارت تلك الخطوة جدلا داخل الولايات المتحدة وخارجها وبعثت رسائل متباينة لكلّ من الحلفاء والأعداء لكونها تعدّ امتدادا لنهج ترمب لإعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية الأمريكية في الداخل والخارج.
وبرّر سيّد البيت الأبيض ذلك بأن مصطلح “الدفاع” يحمل إيحاءً سلبيا ومبالغة في الطابع الوقائي، بينما يعكس مصطلح “الحرب” جوهر المهمة القتالية للجيش الأمريكي الذي يقوم على الاستعداد للهجوم وتحقيق النصر.
وقد سبق للرئيس الجمهوري قبل إصدار أمره التنفيذي رقم 200 أن لمّح إلى رغبته في إعادة وزارة الدفاع إلى اسمها السابق “وزارة الحرب” الذي يعود إلى عام 1789، واعتبر أن الاسم الحالي ليس جيدا بما يكفي، ومفضِّلا نغمة “الحرب” لأنها أقوى، ولارتباطها في ذهنه بانتصارات الولايات المتحدة في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وأوضح ترامب أن الاكتفاء بالدفاع لا يليق بدولة اعتادت -على حد قوله- أن “تفوز في كل الحروب”، وشدد على ضرورة أن يعكس الاسم نزعة هجومية. ووجّه ترامب حديثه إلى وزير الدفاع بيت هيغسيث قائلا: “إذا كنتم تريدون تغييره مرة أخرى إلى ما كان عليه عندما اعتدنا على الفوز في الحروب طوال الوقت، فلا بأس بذلك.
وفي الواقع يتّسق قرار ترامب مع توجهات وزير الدفاع بيت هيغسيث الذي صرح -في عدة كتب نشرها قبل توليه الوزارة- بأن المؤسسة العسكرية الأمريكية وقعت في قبضة اليسار، وأنها تخلت عن روحها الأصلية القائمة على القوة والإخلاص للدستور لصالح فلسفات ماركسية معادية لأمريكا.
ومن ثم نادى برفع شعار “استعادة الجيش” عبر هجوم مضاد سريع لطرد القيادات العسكرية العليا، وتعيين جيل جديد من القادة القادرين على تنفيذ رؤية أكثر قسوة وعدوانية.
ويتبنّى هيغسيث المشهور بخلفيته الإعلامية والشعبوية كمقدم برامج سابق في قناة فوكس نيوز، طرحا خلاصته أن الانتصار في الحرب يتطلب تحرير الجنود من قيود القانون الدولي وقواعد الاشتباك، وإطلاق العنان لهم ليكونوا الأكثر قسوة وفتكا على حد تعبيره.
عدوانية استعمارية
يجمع مراقبون أن هذا التصورات يتغذّى على استدعاء جيل الحرب العالمية الثانية باعتباره النموذج الأعلى للعظمة ويتسق مع قناعة عميقة لدى عديد المسؤولين في الإدارة الأمريكية يرون في القسوة والدموية وسيلة لإعادة الاعتبار لدور الجيش الأميركي عالميا.
ففي ترجمة قويّة لمنطق ترامب وفلسفته كونه هو من يحدّد أيّ قيود على صلاحياته وليس القانون الدولي أو المعاهدات بالإضافة إلى تكريسه “عدوانية استعمارية جديدة” في العلاقات الدبلوماسية كما تصفها فرنسا وألمانيا أقدم ترمب على خطوات عسكرية وقانونية ثقيلة الوطأة:
– مباشرة بعد شنّ حملتها على القوارب التي يشتبه بحملها مخدرات في الكاريبي، نفّذت واشنطن ضربات واسعة النطاق على كاراكاس عاصمة فنزويلا واحتجاز رئيسها نيكولاس مادورو دون إعلان حرب أو تفويض أممي، شكّلا نقطة تحول في مسار سياسي متوتر وفتحا الباب أمام جدل قانوني يتجاوز حدود فنزويلا.
ويعتقد أساتذة القانون الدولي أن القانون الدولي لا يترك مجالا واسعا للتأويل حين يتعلق الأمر باستخدام القوة، إذ يحظر ميثاق الأمم المتحدة ذلك بشكل واضح، باستثناء حالتين:
_الدفاع عن النفس في حال التعرض لهجوم مسلح مباشر.
_ وجود تفويض من مجلس الأمن.
كما أن طريقة اختطاف مادورو واعتقاله إلى جانب زوجته يشكل استخداما مباشرا للقوة ضد دولة ليست في حالة حرب و يُبرز مدى الانتهاك الخطير للميثاق الذي يضمن السيادة من خلال مبدإ المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء.
وبينما تشملُ المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة عدم استخدام القوة، والتسوية السلمية للنزاعات، والتزام الدول الأعضاء بضمان توافق أفعالها مع مبادئ الميثاق فإن هذا الاختطاف يخالف الميثاق الأممي.
ويفسّر مختصون في العلاقات الدولية أن الولايات المتحدة قد انتهكت القانون الأمريكي أيضا عبر إعلان الحرب وشن عمليات عسكرية دون الحصول على موافقة الكونغرس وأن الذريعة التي اعتمدتها الإدارة الأمريكية كانت مجرد تبرير لمغامراتها العسكرية وللقضاء على تجار المخدرات الإرهابيين تحت غطاء عمليات حفظ السلام.
وتوصف هذه الحجة على نطاق واسع بـ”السخيفة” لأن فنزويلا ليست منتجا رئيسيا للفينتانيل ولا للمخدرات الأخرى التي غذت وباء الجرعات الزائدة الأخير في الولايات المتحدة، وأن الكوكايين الذي تنتجه يُصدّر في المقام الأول إلى أوروبا.
لكن بنظر متابعين، الصورة الحقيقة لم تكن ضربة واشنطن في فنزويلا مجرد خطوة سياسية لإزاحة رئيس معادٍ، بل فتحت سيناريو نادر الحدوث في تاريخ الطاقة الحديث، حيث احتمال أن تضع الولايات المتحدة يدها على نفوذ غير مباشر يمتد إلى نحو 30% من الاحتياطي النفطي العالمي، وفق ما خلص إليه محللون اقتصاديون في تقييمهم لتداعيات ما بعد اعتقال مادورو.
ووفق عديد التقارير فإن هذا السيناريو لا يقوم على السيطرة العسكرية، بل على إعادة إدخال فنزويلا -صاحبة أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم- إلى منظومة إنتاج واستثمار تقودها شركات أميركية، ما قد يعيد لواشنطن دورا تاريخيّا فقدته منذ سبعينيات القرن الماضي.
– قبل أيام من دعوته لزيارة البيت الأبيض، وجّه ترامب نيران تصريحاته نحو بوغوتا، واصفا الرئيس غوستافو بيترو بـ”الرجل المريض” المسؤول عن تدفق الكوكايين، وملوحا بشن “عملية كولومبيا” للإطاحة بنظامه، مما أثار استنكارا إقليميا من سابقة تهديد الأمن المدني.
وقد صنفت الولايات المتحدة بالفعل، وفقا عديد التقارير منظمة سيئة السمعة لتهريب المخدرات في كولومبيا كجماعة إرهابية، على غرار خطوة مماثلة في فنزويلا.
– تنبىء ترامب بانهيار سريع للنظام في هافانا، معتبرا أن كوبا “دولة فاشلة” فقدت شريان حياتها بسقوط مادورو، في حين عزز وزير خارجيته ماركو روبيو التهديدات بدعوة المسؤولين الكوبيين لـ”القلق” على مستقبلهم.
وقد قالت كوبا إن 32 من مواطنيها -جميعهم أعضاء في القوات المسلحة الكوبية وأجهزة الاستخبارات- قتلوا خلال عملية القبض الأمريكية على مادورو.
– مطالبة ترامب بتدخل عسكري داخل المكسيك لمواجهة كارتيلات المخدرات، ورغم إبداء رغبته في التنسيق مع الرئيسة كلوديا شينباوم، فإن الأخيرة انتقدت بشدة اعتقال مادورو واعتبرته خرقا لميثاق الأمم المتحدة.
– التطورات الأخيرة كشفت أن “شهية” ترامب للنفوذ في نصف الكرة الغربي تبدو غير محدودة، إذ انتقل سريعا من تصعيده ضد فنزويلا إلى إعادة فتح ملف غرينلاند، ففي الرابع من جانفي الجاري، قال ترامب للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية إن الولايات المتحدة “تحتاج غرينلاند من منظور الأمن القومي”، في تصريح أعاد إشعال أزمة دبلوماسية مع الدنمارك وأثار صدمة في أوروبا.
فعودة ملف ضم “غرينلاند” الغنية بالثروات الطبيعية للواجهة مجددا، تعكس حضور البعد الإستراتيجي في فكر ترامب خاصة في ظل نفوذ روسي عسكري على مناطق واسعة في السواحل القطبية الشمالية واستثمارات صينية في تلك المنطقة.
– مع قصف واشنطن لثلاث منشآت نووية إيرانية في 2025، يبدو ترامب “متأهبا” لضربات جديدة، مؤكدا استعداده للتدخل العسكري إذا قُمعت الاحتجاجات الداخلية أو حاولت طهران ترميم قدراتها النووية.
– تنفيذ ترامب ضربات جوية في نيجيريا بالتنسيق مع السلطات المحلية واصفا إياها بـ”هدية الميلاد” ضد تنظيم الدولة، مؤكدا أن العمليات تجري بالتنسيق مع السلطات في أبوجا لضرب أهداف إرهابية في الشمال الغربي.
– اتّباع ترامب أسلوب “الإكراه الاقتصادي” مع أوتاوا، ملوحا بضم كندا كولاية أمريكية رقم 51 لتجنيبها الضرائب المرتفعة، في سعي لترسيخ هيمنة مطلقة لا ينازع واشنطن فيها أحد في النصف الغربي للكرة الأرضية.
ويتوقّع خبراء أن منطقة أمريكا اللاتينية الأوسع نطاقا قد تكون ضمن أهداف ترامب، حيث قال الرئيس الأمريكي: “لن يكون هناك مجال للتشكيك في الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي مرة أخرى”.
نشوة قصيرة
رغم موجة الغضب في قلب هذا المسار لم يُظهر ترامب أي اكتراث بالانتقادات، ولم يبدِ أي استعداد للتراجع عن مواقفه التي تعيد إلى الأذهان عصر الإمبراطوريات قبل أكثر من قرن.
ويقدّر ملاحظون أن أسلوب الرئيس الجمهوري المبني على التهديدات العسكرية والاقتصادية والاستخفاف بالخصوم قد يؤدي إلى أخطاء إستراتيجية كبيرة، إذ يفترض أحيانا أن الترهيب كفيل بإخضاع الجميع، لكنه غالبا ما يواجه تعقيدات تكشف حدود قدراته.
والأمثلة على ذلك كثيرة، فموقفه الذي بدا في ظاهره متفوقا تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كشف في المقابل هشاشته في لحظات واصلت فيها روسيا ممارسة نفوذ وسيطرة أكبر على أوكرانيا.
غير أن النشوة السياسية والعسكرية التي تعيش على وقعها الإدارة الأميركية الجمهورية قد لا تدوم طويلا برأي كثيرين.
فترامب يتحدث الآن بلغة القوة المطلقة، وبغرور يعتقد أنه أذكى وأشد قسوة من أسلافه، ويبدو مقتنعا بأنه قادر على أخذ ما يريد من رؤساء ودول وموارد، من دون أن يدفع ثمنا، وكأنه يجهل أن العالم لا يعمل بهذه الطريقة، ويستخف بالقاعدة التي تقول: بدء المواجهة سهل لكن الانسحاب من تبعاتها السياسية والأمنية صعب.


أضف تعليقا