بحثت الحكومة التونسية خلال المجلس الوزاري المنعقد الثلاثاء، خيار تحويل بعض الديون الخارجية إلى استثمارات، في توجه يندرج ضمن تخفيف الأعباء المتزايدة التي تثقل كاهل ميزانية الدولة وتفاقم عجزها، نتيجة ارتفاع خدمة الدين ونسب الفائدة.
طرح أعاد النقاش حول جدوى هذه السياسة وتداعياتها، خاصة في سياق شعار “السيادة الوطنية” التي يرفعه الرئيس قيس سعيّد، ورفض “الإملاءات الخارجية”، ما يثير تساؤلات حول مدى انسجام هذا الخيار مع الخطاب الرسمي المعلن.
توجه براغماتي
ترى حكومة سارة الزعفراني الزنزري، أن تحويل جزء من المديونية يمكن أن يشكل مخرجا عمليا لتخفيف العجز الناتج عن سداد أقساط القروض الخارجية، وما يرافقها من أعباء فوائد مرتفعة، حيث يتيح هذا التوجه إعادة توجيه الموارد نحو مجالات أخرى ذات أولوية، على غرار التنمية، والمجالات الاجتماعية، بدل استنزافها في خدمة دين متفاقم.
في المقابل، يرى مختصون في المجال الاقتصادي، أن هذا الخيار قد يشكل مدخلا للهيمنة الاقتصادية الأجنبية على مقدرات البلاد، من خلال منح الأطراف الدائنة حصصا في مشاريع أو مؤسسات عمومية، أو امتيازات طويلة الأمد لاستغلال بعض الثروات الطاقية والمعدنية وغيرها من القطاعات الإستراتيجية.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن تحويل الدين المالي إلى استثمار مباشر قد يقيّد قدرة الدولة على التحكم في خياراتها الاقتصادية، حتى وإن جرى ذلك تحت عنوان الشراكة والاستثمار، مستشهدين بتجارب في دول أخرى انتهت إلى فقدان السيطرة على البعض من أصولها الحيوية مقابل تخفيف ظرفي المديونية والضغوط المالي.
في المقابل، يدافع آخرون عن المقاربة الحكومية باعتبارها خيارا تفرضه الظروف المالية الصعبة، معتبرين أن الإشكال لا يكمن في تحويل الديون بل في الشروط المحددة له وأطره القانونية.
ويضيف أصحاب هذا الرأي أن نجاعة هذه الآلية، تحددها المفاوضات مع الطرف الدائن، وكيفية تحويلها إلى فرصة استثمارية واقتصادية، دون المساس بالمصالح السيادية للدولة.
أحد أشكال الهيمنة الاقتصادية
بوابة تونس، استطلعت في هذا السياق قراءة الخبير وأستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي، ورؤيته لمبدإ مقايضة الديون بالاستثمار، ما بين فرص الشراكة والتنمية الاقتصادية، ومخاوف الهيمنة الأجنبية.
ينطلق رضا الشكندالي في البداية من شرح مفهوم تحويل القروض أو الديون الأجنبية، إلى استثمارات، وهي عملية تعتمد على اتفاق تمنح بموجبه الدولة المدينة للأطراف الدائنة حصصا أو أسهما بقيمة حجم الدين، في مؤسسات عمومية، أو مشاريع إستراتيجية، تتعلق خصوصا بالبنية التحتية، وكذلك المنشآت الكبرى.
كما يمكن أن تشمل العملية مقايضة سندات الديون بامتيازات لاستغلال بعض الثروات الطاقية أو المعدنية، والتي قد ترتبط بالنسبة إلى تونس، بتراخيص استغلال بعض مناجم المعادن، أو التنقيب عن المحروقات.
وينتج عن حصول الطرف الأجنبي على هذه الأسهم أو الحصص، أن يصبح ممثلا في مجلس إدارة المؤسسة، مشاركا في صنع القرار، وفق الشكندالي.
وأضاف: “لنفترض أن الطرف الأجنبي الدائن تحصل على حصص من رأس مال شركة الخطوط التونسية على سبيل المثال، سيصبح ممثلا في مجلس إدارة الشركة، ويصبح لديه القابلية على اتخاذ القرارات الخاصة بتسيير الشركة”.
وتابع: “وبذلك لا تعود الناقلة الوطنية، وسيلة تخطيط إستراتيجي بالنسبة إلى الدولة على مستوى قطاع النقل”.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن هذا الجانب يمثل “الوجه المتوحش والسلبي” لمبادلة القروض بالاستثمارات، وأحد أشكال الهيمنة الاقتصادية الأجنبية.
“فرصة اقتصادية” بشرط
بالمقابل، يعتبر المتحدث أن هذه السياسة يمكن أن تشكل فرصة اقتصادية واستثمارية للدولة التونسية، إذا وقعت مناقشة الآلية، في إطار المشاركة في تمويل بعض مشاريع الدولة، وخصوصا تلك المضمنة في المخطط الخماسي المقبل 2026-2030، وبشروط تمليها الحكومة التونسية.
واستدرك: “هذا يمكن أن يكن له أثر إيجابي اقتصاديا، باعتبار أنه ضمن ميزانية الدولة لسنة 2026، هناك جزء من نفقات الاستثمار ممولة مباشرة من المانحين الدوليين، ومن بينهم البنك الدولي”.
ويلفت الخبير الاقتصادي في هذا الشأن، إلى وجود مؤسسات عمومية تعاني من صعوبات وعجز مالي، وتواجه خطر الانهيار، ما يجعل من شكل آلية مبادلة الديون بالاستثمار فرصة لإنقاذها وإعادة هيكلتها، عبر تحويل جزء من حصصها إلى طرف أجنبي.
ويربط الشكندالي القدرة على تحقيق هذا الهدف بالقدرة على التفاوض، خاصة أن الطرف الدائن يرغب في تحقيق أرباح، مذكرا بأن التجارب السابقة أثبتت فشلا كبيرا في هذا المسار.
واستدرك: “المفاوضين الذين يمثلون الدولة التونسية في النقاشات مع البنك الدولي أو صندوق النقد، وغيرهم من المانحين الدوليين، لا يعتمدون رؤية اقتصادية واضحة، وتفكيرهم يرتكز فقط على الوصول إلى اتفاق، وليس مناقشة الشروط”.
وإجابة عن سؤال بوابة تونس، بشأن تقييم تجربة تحويل الديون الخارجية إلى استثمارات، أوضح رضا الشكندالي أنها كانت مفيدة في بعض الدول، ولكنها لم تقييم ولم تناقش في تونس، باعتبار أنها ما تزال جديدة.
وأردف: “هذه الآلية تتطلب رؤية واضحة من الفريق الحكومي والمفاوض، وهو ما تفتقده الحكومة التونسية”.
ولا يخفي رضا الشكندالي تخوفه من تحول سياسة مقايضة الديون بالاستثمار، إلى “شعار كغيره من الشعارات الفضفاضة، من قبيل التعويل على الذات والدولة الاجتماعية”، دون رؤية أو برنامج فعلي، يوضح الكيفية والإطار والأطراف الدائنة المعنية، أو طبيعة المشاريع أوالمؤسسات المطروحة.
ولا يعتقد الخبير الاقتصادي أن مبادلة الديون بالاستثمار، تتناقض ضرورة مع شعار السيادة الوطنية الذي يرفعه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، إذا حافظت الدولة على ملكية الجزء الأكبر من الحصص والأسهم بالمشاريع والمؤسسات العمومية.
وأتبع: “العزلة المالية الدولية التي تواجهها تونس، تجعلنا غير قادرين على تعبئة الموارد المبرمجة في الميزانية، نتيجة الترقيم السيادي السيئ، وتراجع ثقة المانحين، لذلك هذه الآلية مهمة، شريطة أن يتمتع الفريق المفاوض بالحكم والخبرة والقدرة على الإقناع، وتوجيه الطرف المقابل إلى المشاركة في مشاريع تخدم البلاد”.


أضف تعليقا