عرب

تحت ستار “إنساني”.. المحتلّ يجهّز لعدوان على رفح

ألقى طيران المحتل، اليوم الاثنين، منشورات ورقية في أجواء مدينة رفح أقصى جنوبي قطاع غزة، تطالب السكان في المناطق الشرقية للمدينة بإخلائها والتوجّه نحو منطقة المواصي غرب القطاع.

إخلاء قسري

زعمت قوات الاحتلال الإسرائيلي في المنشورات التي سقطت على الأحياء الشرقية لمدينة رفح، أنّها “وسّعت المنطقة الإنسانية في منطقة المواصي غربا”.
وأرفق المحتل في المنشورات خريطة للمنطقة وحدودها، فضلا عن المناطق المطلوب إخلاؤها من مناطق شرق رفح.
ومنطقة المواصي تقع في غربي قطاع غزة وتمتد حدودها عرضا من دير البلح (وسط) إلى أقصى جنوبي رفح (جنوب)، ولجأ إليها مئات الآلاف من النازحين الفلسطينيين خلال الأشهر الماضية، ولا يتوفّر فيها أيّ من مقومات الحياة ولا يمكنها استيعاب المزيد من النازحين، حسب مصادر محلية فلسطينية.
وقال الاحتلال الإسرائيلي إنّ “عملية إخلاء المناطق الشرقية لرفح تشمل نحو 100 ألف شخص”.
ووفق منظمة الصحة العالمية، يصل عدد المقيمين في مدينة رفح إلى نحو 1.2 مليون شخص، نزح غالبيتهم من مناطق أخرى في القطاع جراء الحرب المستمرة منذ 7 أشهر.
وتزامنا مع إلقاء المنشورات المطالبة بإخلاء مناطق في رفح، قالت مصادر من داخل الكيان الإسرائيلي، إنّ المسؤولين الإسرائيليين أبلغوا مصر، أثناء الليل، ببدء عملية إجلاء السكان من رفح جنوبي قطاع غزة صباح الاثنين.

تنسيق مع مصر

وأشارت وسائل إعلام عبريّة إلى أنّ الاحتلال أبلغ مصر ببدء عملية إجلاء في شرقي رفح أمس.
وأكّد الاحتلال أنّ العمليّة ستكون محدودة في الأطراف الشرقية لرفح وليس في العمق، وأنّ عمليّات الإجلاء ستشمل 100 ألف غزّاوي فقط.

وكانت الإذاعة العبرية العامة كشفت، في فيفري، عن أن “إسرائيل” ومصر قريبتان من التفاهم على ضوء أخضر باحتلال رفح والمنطقة الحدودية (صلاح الدين– فيلادلفيا)، مقابل ضمانات تَحُولُ دون تهجير المدنيين الغزيين لسيناء.

وتابعت: “إسرائيل تراهن على أنه في هذه الحالة ستخفّ وطأة الانتقادات والضغوط الدولية عليها لمنعها من دخول رفح المزدحمة”.

من جهته قال الباحث المحاضر في شؤون الشرق الأوسط، الجنرال في الاحتياط دكتور ميخائيل ميليشتاين (رئيس سابق لوحدة الدراسات في الاستخبارات العسكرية) إنه غير قلق من ناحية “موقف مصر الحقيقي”.

وأضاف ميليشتاين، في حديث للإذاعة العبرية العامة، إن مصر لن تشوّش علاقاتها مع “إسرائيل” بسبب الدخول لرفح، بل إن ما يقلقها هو احتمال دفع عشرات آلاف الغزيين للحدود نحو سيناء.

وتابع: “هذه فرصة لإسرائيل، فإذا كان هناك تنسيق مسبق مع مصر على ضمانات تمنع تهجير الغزيين لأراضيها، فإنها ستوافق على التوغّل الإسرائيلي في منطقة رفح ومحور صلاح الدين فيلادلفيا”.

تحذيرات

مع لجوء أكثر من مليون فلسطيني إلى رفح من شأن أيّ هجوم كبير أن يوقع خسائر بشرية كبيرة، وهو ما يثير قلق القوى الغربية وكذلك مصر المجاورة.
وقالت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، إنّ هجوم الكيان الإسرائيلي على رفح يعني المزيد من المعاناة والقتلى المدنيين.
وأكّدت الوكالة في منشور للوكالة الأممية، عبر منصة “إكس”، أنّها ستحافظ على وجودها في رفح لأطول فترة ممكنة وستواصل تقديم المساعدات المنقذة لحياة الناس.
من جهته حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من تداعيات إصدار جيش الاحتلال الإسرائيلي، أوامر تهجير للنازحين الفلسطينيين في رفح جنوب قطاع غزة، تمهيدا على ما يبدو لبدء عملية عسكرية.
واعتبر أنّ ذلك يمثل إعلانا بإعدام أكثر من 1.2 مليون فلسطيني في المدينة، وتصعيدا لجريمة الإبادة الجماعية المستمرة منذ السابع من أكتوبر الماضي.
وقال الأورومتوسطي في بيان صحفي اليوم إنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي بدأ إنذار السكان المدنيين بـ”الإخلاء المؤقت” من الأحياء الشرقية لمدينة رفح لا سيما منطقة (الشوكة) وأحياء (السلام) و(الجنينة) و(البيوك)، من خلال المناشير المكتوبة والرسائل النصية والاتصالات الهاتفية باتجاه منطقة المواصي غرب مدينة خانيونس المجاورة، وذلك من دون أيّ توضيح لكيفية نقل المدنيين بأمان إلى المنطقة المذكورة، أو كيفية تنظيمهم فور وصولهم.
وأبرز المرصد الحقوقي أنّ أيّ عملية عسكرية برية لجيش الاحتلال في رفح تهدّد على نحو بالغ الخطورة بارتكاب مجازر مروّعة ومذبحة لمئات آلاف المدنيين لاسيما الأطفال والنساء، ووقف عمليات الإغاثة الإنسانية المنقذة للحياة في كامل قطاع غزة.

جرائم تحت ستار “إنساني”

ومع انطلاق الاحتلال في دعوة الفلسطينيّين إلى أخلاء مناطق في رفح، سجّل مراقبون أنّ ذلك يعني عمليّا بدء العمليّة العسكريّة في رفح، وتساءلوا: لماذا يتهرّب المستوى السياسي والعسكري للاحتلال من وصف هذه العملية بـ”اجتياح رفح”؟
واعتبروا أنّ الاحتلال بدأ عملية الاجتياح دون إعلان وهو نوع من “الجريمة الصامتة”.
ولاحظ المراقبون تضليلا متعمّدا حول توصيف العمليّة والمصطلحات المستعملة في بيانات قوّات الاحتلال الرسمية (على غرار: الاجتياح الإنساني، إخلاء رفح، إخلاء الأحياء، هجوم مخطط له، الانتقال إلى المناطق الإنسانية، الإخلاء الفوري، يوسّع المنطقة الإنسانية في المواصي، الإجلاء المؤقت، المنطقة التي سيتم خلاؤها في رفح).
واعتبروا أنّ استخدام هذه المصطلحات يهدف إلى غسيل السمعة عالميا، والتهرّب من” ضغوط ” الأمريكيين والحلفاء وللتهرّب من أيّ ملاحقة قانونية إضافية مفترضة من محكمة العدل الدولية في القضية المرفوعة ضد “إسرائيل” لاتّخاذ اللازم لمنع الإبادة الجماعية، فيما لو استعمل مصطلحات مثل اجتياح أو العملية البرية في رفح أو ما شابه، أو من أيّ ملاحقة قانونية أخرى.

كذبة “المناطق الآمنة”

وفي سياق استعداده للعمليّة العسكريّة في رفح، قالت مصادر إعلاميّة إنّ الجيش الإسرائيلي قام بتوسيع “المنطقة الإنسانيّة” في مواصي. وتشمل “المنطقة الإنسانية “الموسّعة مستشفيات ميدانية وخياما وكميات متزايدة من الغذاء والمياه والأدوية وغيرها من الإمدادات.
ويروّج الاحتلال لمناطق إنسانية آمنة لتبرير اجتياح رفح. وهي مناطق بالكاد يمكن أن تتّسع لبضعة آلاف من المهجّرين في ظل انعدام الخدمات والتدمير الذي طالها، الأمر الذي يزيد من مخاوف المهجّرين.
وكان الاحتلال الإسرائيلي قد ارتكب جرائم إبادة في عدد من تلك المناطق التي يروّج لها على كونها مهيأة لاستيعاب نازحين، ودمّر البنى التحتية فيها، علما أنّ هذه المناطق غير مهيأة لاستيعاب النازحين، وهو أحد الأسباب التي دفعت عائلات كثيرة إلى مغادرتها.
ويقول البعض إنّ الاحتلال يدّعي أنّها مناطق ملائمة بهدف تبييض صورته في ظلّ حملة عسكرية محتملة لاجتياح رفح.
ويُروّج الاحتلال الإسرائيلي لمنطقة المواصي باعتبارها ضمن المنطقة الإنسانية، علما أنها تعرّضت لقصف إسرائيلي وتوغّل خلال فيفري ومارس الماضيين.
ومنذ بداية العدوان على غزّة تعدّدت المرّات التي ادّعت فيها قوّات الاحتلال وجود ممرّات ومناطق آمنة وتدفع الفلسطينيّين بالتوجّه نحوها ثمّ تتعمّد قصفها.
ويشنّ الاحتلال الإسرائيلي، منذ 7 أكتوبر الماضي، حربا مدمرة على غزة، خلّفت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا هائلا، ومجاعة أودت بحياة أطفال ومسنين.
ويواصل الاحتلال الإسرائيلي حربه رغم صدور قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار فورا، وكذلك رغم مثوله أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب “إبادة جماعية”.