ثقافة

“تانيت”… بين رمزية الميثولوجيا القرطاجنية والولادة المتجددة في السينما

وجدي بن مسعود

معتقلو 25 جويلية

لا ندري إن كان التونسيون بنخبهم الثقافية والفكرية والعلمية يدينون بفضل وشكر غير معلن لأيام قرطاج السينمائية لتثمينها إحدى رموز حضارة قرطاج التليدة، وإعادة تعريف عموم التونسيين بأبرز معالم تاريخهم العريق الذي تقتصر صورته لدى العامة على المدينة الأثرية ومسرحها الشامخ.

مؤسف هو الوقوف على حقيقة مفادها أن عموم التونسيين يربطون رمزية تانيت الآلهة القرطاجنية القديمة، بالحدث السينمائي السنوي الأهم في تونس، حتى باتت هذه الآلهة في المنظور العام تعبيرا فنيا وشعارا مرتبطا بالمهرجان وجوائزه.

الآلهة الأنثى

رمزت “تانيت” أو تينيس أو تينيت كما دعيت في الميثولوجيا القرطاجنية ومخيالها الديني، إلى الخصوبة الدائمة والخير، فكانت نموذجا للمرأة الولادة وللأمومة والأرض المعطاء والحياة والنماء، ما بوأها مكانة مركزية ضمن الآلهة التي عبدت في قرطاج.

ويمثل مجسم تانيت المبسط المتكون من مثلث تعلوه دائرة ويقطعهما خط أفقي تجسدا مبسطا لفكرة المٍرأة، ما يعكس الدلالات العميقة التي تختزلها فكرة هذه الآلهة  في إطارها الأركيولوجي والميتافيزيقي والتي لا تقتصر على مفهوم النسل والإنجاب والإنتاج، بقدر ما تعبر عن ثقافة تقديس الأنثى وعبادتها التي حظيت بمكانة مهمة لدى الحضارات القديمة على غرار “عشتار” في بابل و”آثينا” في الحضارة الإغريقية و”فيونس” لدى الرومان.

جسّدت “تانيت” على غرار غيرها من الآلهة الأنثى تمثلا مرتبطا بالولادة والتجدد المستمر، فهي واهبة للحياة والنور ومكانتها أقرب إلى خصب الطبيعة والأرض التي يخرج من رحمها الزرع والشجر والماء.

حظيت تانيت بتبجيل كبير لدى سكان قرطاج والنوميديين انطلاقا من اعتقادهم أن وراء الكون أنثى عظيمة هي منشأ الأشياء، فمنها تخلق الموجودات وإلى رحمها يؤول كل شيء عند الزوال.

تقاطع السبل بين الماضي والحاضر

لم يكن اختيار المرحوم الطاهر شريعة الأب الروحي للسينما التونسية، ومؤسس أيام قرطاج السينمائية لرمز الآلهة القرطاجنية الأنثى كرمز للمهرجان اعتباطيا، أو محاولة لإضفاء مسحة تاريخية على الفعالية استئناسا بممارسات الهيئات والجهات الرسمية في تنظيم المناسبات الثقافية، بقدر ما جسد هذا الاختيار تمثله للسينما والفنون وفلسفته العميقة التي تختزل ولادة جديدة في دورة الحياة قوامها العطاء المستمر بالتصور القديم ذاته المتعلق بآلهة قرطاج.

فلم يكن يليق برمز حضاري بما يكتنزه من دلالات إنسانية وموروث تاريخي، أن يجسد روح السينما وشغفها وتوقها إلى الاكتشاف والتجديد أكثر من “تانيت” رمز الحياة الأبدية وعنوان الخلود.

هكذا ولدت مقاربة الطاهر شريعة لتميمة المهرجان وهويته البصرية، في اتصال ما بين مكانة الأنثى في الثقافات القديمة وعطائها اللامحدود، والسينما التي توجت بصفتها المؤنثة ومكانتها المقدسة في عالم الشاشة والصورة بريادة الفنون وتسيدها في الحاضر.

لعله قدر السينما كما تمثلها الأب الروحي لأيام قرطاج السينمائية، ورسالتها المرتكزة على الولادة المتجددة، فكل عمل وإبداع أو تصور سينمائي على اختلاف المدارس والرؤى الفنية والفكرية، هو عبارة عن خلق جديد ووعد بالحياة حاملا في تفاصيله نذور الجمال والنور.

يقول أحد النقاد: “وحدها السينما دون سائر الفنون من ترفع رؤوس المشاهدين الذين يتطلعون إلى الشاشة بفرح”، وهي الصورة ذاتها التي يتكرر صداها بين ردهات التاريخ في معابد قرطاج عندما كان المؤمنون يرفعون رؤوسهم في حضرة “تانيت” متطلعين إلى بركتها بأمل متجدد.

تتقاطع السبل بين تانيت الآلهة بوعودها بالخصب والحب والحياة، وتميمة السينما في قرطاج المخضبة بالرمزية والمغزى الثقافي والمفعمة بالعمق الروحي والوجودي، لتتردد في أثرها تسبيحات خاشعة “تباركت الأنثى صانعة الحياة في كل العصور” ففي حضرة سابع الفنون تضيء تانيت الشاشة الفضية بوعود الخصب الفني والتجدد الإبداعي محملة بفيض الروح العائد إلى قاعاتها.