تأنيث الدراما التونسية إنتاجا وإخراجا.. ظاهرة صحية أم مرضية؟

تأنيث الدراما التونسية إنتاجا وإخراجا

صابر بن عامر

عرفت الدراما التونسية الرمضانية، تحديدا في العشرية الأخيرة اقتحاما غير مسبوق لمجال الإنتاج الدرامي وحتى الإخراج من قبل مجموعة من الممثلات أو المخرجات الشابات، بعد أن كان القطاع لعقود طويلة حكرا على الذكور وبعض المؤسّسات العمومية والأخرى الخاصة.

وتحضر هنا على سبيل المثال، إنتاجا، كلّ من الممثلة التونسية المقيمة في مصر فاطمة ناصر عبر “نوبة 1 و2″، و”أولاد الغول” و”رقوج” بجزئيه، وقبلها الأنستغراموز والممثلة المعتزلة حديثا خولة السليماني في “قلب الذيب”، ورانية القابسي في “سكول 1 و2″، وسنية بن بلقاسم في “زينة وعزيزة” و”للّا السندريلا”، وأميرة الدرويش في “13 شارع غاري بلدي”.

أما إخراجا فتحضر كل من سوسن الجمني في “الفوندو 1 و2″، و”الفلوجة 1 و2″، و”الفتنة”، وأخيرا راوية مرموش في “وادي الباي”.

أما قديما فكان للمخرجة والمنتجة التونسية المخضرمة سلمى بكار إسهامات في المجال، عبر سلسلات وسيتكومات: “نساء في الذاكرة”، و”فرحة عمر”، و”شعبان في رمضان”، وقبلها تألقّت الراحلة فاطمة إسكندراني في تقديم سلسلتَي “خالتي كموشة” و”بائع الحلويات والأميرة الجميلة”.

فهل ساهم هذا الحضور النسوي في تغيير المشهد التلفزيوني التونسي؟ سؤال طرحته بوابة تونس على مجموعة من الصحفيين التونسيين، فكان هذا التقرير.

ريم حمزة: تأنيث الإنتاج الدرامي التونسي تحوّل فني صحي مشروط بالكفاءة

في ردّها عن سؤال بوابة تونس قالت الصحفية ريم حمزة: “هذا الحضور النسوي لم يعد مجرد استثناء، بل أصبح واقعا يعكس ديناميكية جديدة في المشهد التلفزيوني المحلي”.

ففي مجال الإنتاج، خاضت ممثلات سابقات تجربة القيادة الفنية، أبرزهنّ فاطمة ناصر، وخولة السليماني، ورانية القابسي، وسنية بن بلقاسم، وأميرة الدرويش..

أما في الإخراج، فقد تألقت سوسن الجمني عبر ثلاثيتها: “الفوندو” و”الفلوجة” و”الفتنة”، فيما قدّمت ؟أخيرا راوية مرموش رؤيتها في “وادي الباي”.

تجارب قالت عنها حمزة: “لم تضف فقط وجوها جديدة خلف الكاميرا، بل جاءت بسرديات مختلفة وأسلوب معالجة أكثر حساسية للواقع الاجتماعي”.

وهي في ذلك تقول: “ورغم تفاوت التقييمات النقدية، فإنّ تأنيث الإنتاج والإخراج يظلّ مؤشرا صحيا، شرط أن يُبنى على الكفاءة لا المجاملة. فالتحوّل الحقيقي لا يُقاس بالجندر، بل بالقدرة على الإبداع والتجديد”.

منصف الكريمي: حضور المرأة في المشهد الدرامي التونسي إنتاجا وإخراجا يُسهم في تمكينها

بدوره قال الإعلامي منصف الكريمي: “من الضروري الإقرار أنّ الحديث عن الحضور النسوي اليوم في كل المجالات في تونس أضحى حالة عادية لا تلفت الانتباه بشكل كبير، بل أضحت المسألة بديهية، ولكن الحديث اليوم يطرح على مستوى نجاعة هذا الحضور ومدى فاعليته، والأمر ينطبق هنا على الحضور النسوي في المشهد الدرامي عامة والتلفزيوني السينمائي المشهدي الفرجوي خاصة ومدى تأثيره في تغيير هذا المشهد”.

ويسترسل كاهية المدير بمندوبية الثقافة جندوبة: “بالنسبة لي اعتبر هذا الحضور متنوّعا كما ونوعا، إذ على عكس سنوات التسعينات وبداية الألفية شهد العمل الدرامي والتلفزيوني ثورة كمية من حيث اكتساح العنصر النسائي، والمميز في هذا الخروج بهذا المشهد من الحضور الكلاسيكي للمرأة كمجرد مشهد تكميلي لصورة نسوية جسدية أحيانا يكون شكليا”.

ويُضيف: “كما أنّ العنصر النسائي اليوم اكتسح عالم الإخراج الفني ليضحى حضورا فاعلا من المرأة المخرجة إلى المرأة المجسّدة للحدث إلى المرأة المشاهدة، وبالتالي أصبحت هذا الأعمال المنتجة نسائيا ذات مواضيع راقية وهادفة، تتناول الواقع المجتمعي التونسي من عمقه، وخاصة مظاهر تهميش العنصر النسائي في الحياة العامة”.

ومع ذلك يقرّ منصف الكريمي أنّ الحضور النسائي في المشهد التلفزيوني التونسي من حيث البرامج والحصص التلفزيونية التنشيطية يبقى في حاجة إلى إعادة هيكلة، خاصة من حيث الحضور النسائي في تأمين وتقديم هذه الحصص، وفق وجهة نظره.

ويبرّر طرحه بقوله: “إذ اقتحم عدد منهنّ هذا العالم دون خبرة ولا ذوق ولا رصيد ثقافي ولا خلقي، ممّا أربك السلوكيات المجتمعية في تونس، ومردّ هذا البعد التجاري وظاهرة “البوز” (الفرقعة الإعلامية) في مثل هكذا برامج تخضع لقنوات تلفزيونية تجارية بالأساس”، وفق توصيفه.

وهو يرى من الضروري انتهاج سياسة التعديل الإعلامي لهذا المنتج التلفزيوني.

تقوى السباعي: الحضور النسوي خلف الكاميرا يفرض خطابًا أكثر حساسية لقضايا النوع الاجتماعي

أما الصحفية تقوى السباعي فتقول ردا على سؤال بوابة تونس: “أجل، ساهم الحضور النسوي في تغيير المشهد التلفزيوني التونسي، لا فقط على مستوى المحتوى بل كذلك على مستوى زاوية النظر والمعالجة”.

وتُضيف: “دخول المخرجات المجال أضاف رؤية مختلفة في تمثيل الشخصيات، خاصة النسائية منها، بشكل أكثر عمقا وتعقيدا من القوالب النمطية السابقة”.

وهي ترى في تجربة كوثر بن هنية، وإن كانت خارج الإنتاج الرمضاني التلفزيوني، وفق تقديرها “تُعتبر مثالا رائدا على كيفية اقتحام المرأة لعالم الإخراج والسيناريو بمضامين جريئة ورؤية بصرية خاصة.

مثالها على ذلك فيلم “بنات ألفة” الذي خاض في موضوع الإرهاب من زاوية أم مكلومة، وفقها طبعا.

ومن جهة أخرى، تقول السباعي: “أصبح الحضور النسوي خلف الكاميرا يفرض خطابًا أكثر حساسية لقضايا النوع الاجتماعي، العنف الرمزي، والتحرش، وهي مواضيع أمسينا نراها تُطرح بتكثيف في السنوات الأخيرة، أحيانا بجرأة تلفت النظر، حتى وإن أثارت الجدل”.

وتختم: “بالتالي، فإنّ تأنيث الإنتاج لم يكن مجرد حضور عددي، بل مساهمة نوعية في تحوّل المشهد الدرامي، نحو رؤى أكثر تنوعًا، وإن بقي الطريق طويلا نحو تكريس التكافؤ في الفرص والتناول العادل للمواضيع”، وفق تصريح تقوى السباعي لبوابة تونس.

سيماء المزوغي: الإنتاج والإخراج الدرامي النسوي في تونس له جذور وتاريخ

وعلى عكس كلّ سابقيها، ترى الصحفية سيماء المزوغي أنّه رغم ما يُروّج له من أن العشرية الأخيرة شهدت “اقتحامًا نسويًا غير مسبوق” لمجالَي الإنتاج والإخراج في الدراما التونسية، إلّا أن هذا الطرح يتغافل عن حقيقة تاريخية مهمّة، وهي أنّ المشهد الثقافي والفني التونسي، ومنه الدراما، لم يخلُ يومًا من الحضور النسوي.

وفي ذلك تُشدّد: “منذ البدايات، كانت المرأة حاضرة، لا كمجرد ممثلة تؤدّي أدوارًا مكتوبة لها، بل كمساهمة فعّالة في صياغة الوعي الجمالي والثقافي؛ بدءًا من رائدات على غرار سلمى بكار ومفيدة التلاتلي، والأخيرة كسرت الحاجز السينمائي عبر إخراج “صمت القصور”، مرورًا بكاتبات سيناريو ومخرجات تلفزيونيات ومسرحيات، وإن كان حضورهنّ في مواقع القرار محدودًا وموسميًا”.

وتسترسل الصحفية التونسية: “الجديد في العقد الأخير لا يكمن في “ظهور” النساء، بل في تغيّر موقعهنّ داخل بنية الصناعة الدرامية، من مشاركات إلى ممسكات بزمام الإنتاج، التمويل، والتوزيع”.

وهي ترى في ما نشهده اليوم “تحوّلا في سلطة التمثيل والإنتاج، حيث أصبحت بعض النساء، خصوصًا ممثلات سابقات، يفرضن أسماءهنّ كمنتِجات ومخرجات وصاحبات مشاريع متكاملة، كما نرى في تجارب فاطمة ناصر، خولة السليماني، سوسن الجمني، وغيرهنّ”.

وهذا التموقع الجديد -والكلام دائما للمزوغي- لا يخلو من دلالات سياسية وثقافية، إذ يعكس ديناميكية اجتماعية تُحاول فيها النساء فرض أصواتهنّ في الفضاء العمومي، لا من موقع الضحية أو المؤدية، بل من موقع من يمتلك مفاتيح الحكاية وصورة الواقع”.

ومع ذلك، تطرح المزوغي سؤالا جوهريا، مفاده: “هل هذا التموقع الجديد أنتج خطابًا دراميًا مغايرًا، أم أنه أُدرج ضمن المنظومة الذكورية ذاتها، والتي تُعيد تدوير السرديات المألوفة؟”.

فهي ترى أنّ مجرّد تأنيث الوجوه لا يعني بالضرورة ثورة في المضمون.

وتسترسل: “فبعض هذه التجارب، وإن اتّسمت بالجرأة الإنتاجية، ظلّت أسيرة المنطق التجاري، أو أعادت إنتاج العنف، أو اختزلت المرأة في صور نمطية جديدة مموهة بطلاء نسوي ظاهري”.

ولذلك -تُؤكّد الصحفية التونسية- أنّ القيمة الحقيقية لهذا الحضور لا تُقاس فقط بالعدد أو بكسر الاحتكار الذكوري، بل بقدرة النساء على إعادة تشكيل اللغة الدرامية، وتقديم قراءة نقدية مغايرة للواقع، تتجاوز الاستعراض وتذهب إلى جوهر المعاناة والتمثيل.

وفي المحصلة، ترى سيماء المزوغي أنّ ما نشهده، اليوم، ليس ظهورًا، بل إعادة تموضع نسوي في الحقل الدرامي، وهي ظاهرة يُمكن وصفها بالصحية إذا كانت نابعة من وعي نقدي وتحمل مشروعًا ثقافيًا متماسكًا، لكنها قد تتحوّل إلى مجرد واجهة زائفة إذا لم تسعَ إلى مساءلة البنية الدرامية ذاتها، واستحداث مسارات جمالية وفكرية جديدة في المشهد التونسي.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *