شهدت تونس خلال الفترة الأخيرة تصاعدا ملحوظا في أعداد المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في تحوّل جعل ملف الهجرة غير النظامية أحد أكثر القضايا إثارة للجدل داخل البلاد.
ويرى كثيرون أن البلاد التي كانت سابقا محطة عبور محدود، تحولت إلى نقطة استقرار مؤقتة لآلاف المهاجرين الساعين للوصول إلى السواحل الأوروبية، خاصة نحو إيطاليا.
أهم الأخبار الآن:
وتشير تقديرات رسمية تعود إلى 2023 إلى وجود نحو 80 ألف مهاجر من دول إفريقيا جنوب الصحراء داخل تونس مع تمركز أعداد كبيرة منهم في ولاية صفاقس التي تُعد أبرز نقطة انطلاق نحو أوروبا عبر البحر المتوسط.
ويعود تنامي أعداد المهاجرين إلى عدة عوامل، من بينها الأوضاع الاقتصادية والأمنية الصعبة في دول الساحل الإفريقي، إضافة إلى تشديد الرقابة الأوروبية على مسارات الهجرة التقليدية، ما دفع آلاف المهاجرين إلى اعتماد تونس كمسار رئيسي للهجرة.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت مناطق عديدة في تونس، خصوصا في الجنوب والساحل، إقامة مخيمات عشوائية للمهاجرين، ما خلق توترات اجتماعية واحتجاجات محلية بسبب الضغوط الاقتصادية إلا أنّ السلطات قامت في أفريل 2025، بتفكيك هذه الخيام.
وأصبح ملف الهجرة في تونس اليوم مرتبطا أيضا بالعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى إلى الحد من تدفقات المهاجرين نحو أوروبا عبر اتفاقات دعم أمني واقتصادي مع تونس، في وقت تتواصل فيه عمليات الإنقاذ والترحيل والعودة الطوعية للمهاجرين نحو بلدانهم الأصلية.
كما عبّر الرئيس سعيّد في أكثر من مناسبة عن رفضه ما وصفه بمحاولات تغيير التركيبة الديمغرافية للبلاد عبر الهجرة غير النظامية.
وأكّد أن تونس “ليست دولة عبور أو استقرار” للمهاجرين.
رفض للتوطين
النقاشات بشأن ملف الهجرة غير النظامية كانت محور مداخلات وتدوينات عديد النواب بالبرلمان.
ومن أكثر النواب إثارة لهذا الموضوع النائبة فاطمة المسدي التي دعت في كثير من المناسبات إلى ضرورة ترحيل المهاجرين الأفارقة.
وعبّرت عن دعمها ما تعتبره “مخاوف من توطين مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء” في البلاد، وهو ما يواصل إثارة تباين في المواقف داخل الساحة السياسية والحقوقية”.
النائب طارق مهدي أيضا كان من بين النواب الداعين إلى ترحيل الأفارقة.
ووجّه قبل أيام نداء إلى الرئيس قيس سعيّد ونداء محذرا من تزايد ما وصفها بـ”الهجومات المسلحة” التي يرتكبها المهاجرون بين الحين والآخر والتي قد تتضاعف في الفترة المقبلة.
وتطرق مهدي في إحدى تدويناته، إلى حادثة تعرض عائلة من مدينة جبنيانة من ولاية صفاقس إلى اعتداء كادت أن تفقد فيه حياتها “ذبحا” على يد مهاجرين أفارقة اعتدوا عليهم، وفق قوله.
كما حذّر من الاعتداءات اليومية وتصاعد عمليات السطو والهجمات المسلحة بالأسلحة البيضاء على منازل التونسيية وإسالة الدماء.
من جهته، دعا الناشط أحمد الزاهي أيضا إلى ضرورة ترحيل المهاجرين.
وأكد في مقاطع فيديو نشرها على حسابة بفيسبوك أنّ وجود الأفارقة خطير نتيجة الاعتداءات المتواصلة على عديد من السكان، على حد تعبيره.
وزاد: “الجميع مسؤول أمام هذا الارتفاع في أعداد المهاجرين الأفارقة ومن لا يدافع عن أرضه لا يدافع عن عرضه”، وفق قوله.
وأشار إلى أنّ مجموعات من التونسيين تتعمّد التعامل الإيجابي مع هؤلاء الأفارقة من خلال إسكانهم وإطعامهم ونقلهم وقريبا سوف ترون ما سيفعله هؤلاء في التونسيين.
من جهته، دعا رئيس التحالف من أجل تونس سرحان الناصري الرئيس قيس سعيٍد إلى تحمل المسؤولية والواجب الذي انتخب من أجله في ظل تنامي أعداد المهاجرين الأفارقة في البلاد.
وقال الناصري في تدوينة: “يا رئيس الدولة هذه مسؤوليتك وواجبك الي انتخبناك من أجله، واليوم البلاد ضاعت”.
ونشر النصاري مقطع فيديو يظهر مجموعات من المهاجرين يتشاجرون في مدينة تازركة التباعة لولاية نابل.
وزاد: “هذا يؤكد أن البلاد ضاعت وصرنا نعيش أمرا واقعا فرض علينا”.
وفي محافظة صفاقس، التي تعد أبرز نقطة تجمع للمهاجرين، عبّر عدد من السكان والفاعلين المحليين عن مخاوف متزايدة من استمرار الضغط على البنية التحتية والخدمات، وسط مطالب متكررة للدولة بإيجاد حلول عاجلة ومنع أي “توطين دائم” للمهاجرين داخل المناطق السكنية والزراعية.
دعوات حقوقية إلى تجريم التمييز العنصري
وعلى الجانب الحقوقي، حذّر نشطاء ومنظمات مدنية من تصاعد الخطابات التي تربط بين الهجرة والجريمة أو التغيير الديمغرافي، معتبرين أن ذلك ساهم في زيادة منسوب التوتر والتمييز ضد المهاجرين.
كما دعت جمعيات حقوقية إلى معالجة الملف وفق مقاربة إنسانية وقانونية بعيدا عن “خطابات التخويف”.
ودعا المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى تنظيم تحركات ومسيرات ضد العنصرية، احتجاجا على تصاعد حملات التحريض ضد المهاجرين والأشخاص ذوي البشرة السوداء في تونس.
وفي بيانات سابقة، اعتبرت حملة ضد تجريم العمل المدني أن “تصاعد العنصرية وخطاب التحريض يمثل خطرا حقيقيا على قيم الحرية والمساواة”، داعية إلى مواجهة سياسات التمييز والتضامن مع المهاجرين وضحايا الخطابات العنصرية.
كم أدانت جمعية النساء الديمقراطيات التصريحات التي تستهدف المهاجرات الإفريقيات، معتبرة أن النقاش حول الهجرة يجب ألّا يتحول إلى تحريض أو تمييز.
مراقبة الحدود
وفي جانفي الفارط سلّم الاتحاد الأوربي دفعة جديدة من المعدات إلى تونس، لتعزيز مراقبة الحدود ضمن برنامج تعاون يهدف إلى كبح تدفقات الهجرة غير النظامية وشبكات التهريب والاتجار بالبشر.
وينضوي هذا الدعم ضمن برنامج إدارة الحدود الذي بدأ منذ عام 2018، بتمويل تبلغ كلفته 130 مليون يورو.
وتجمع تونس والاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم تم توقيعها سنة 2023، من بنودها مكافحة الهجرة غير النظامية مقابل دعم اقتصادي ومالي وتمويلات لخفر السواحل.
وقوبلت هذه الاتفاقية بانتقادات واسعة من قبل منظمات حقوقية في تونس مدافعة عن حرية التنقل والمهاجرين، مطالبة بوقف عمليات الترحيل القسري والإبعاد لمهاجري دول إفريقيا جنوب الصحراء نحو المناطق الحدودية النائية.
وفي تصريحات سابقة قال وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، إنّ “تونس تتطلع إلى ترحيل 10 آلاف مهاجر في غضون العام الحالي، في إطار خطة العودة الطوعية التي تنفذها منظمة الهجرة الدولية بدعم أوروبي”.
في الأثناء، تتصاعد مخاوف داخل تونس من إمكانية إدراجها ضمن الدول الثالثة التي قد تستقبل مهاجرين مرحّلين من أوروبا، ضمن ما تضبطه المذكرة.


أضف تعليقا