بين مربّي الماشية و”السماسرة”.. من يرفع سعر أضحية العيد؟

مع اقتراب عيد الأضحى، تتصاعد في تونس شكاوى المواطنين من الارتفاع الكبير في أسعار الخرفان، في وقت باتت في العائلات عاجزة عن مجاراة هذا الغلاء الذي وصفه مختصون بـ”غير العقلاني”.

وبين تبريرات مربي الماشية و”الوسطاء” وانتقادات المستهلكين، يعود الجدل ككل بشأن أسباب الغلاء ومن يتحمّل مسؤولية ذلك.

وتشهد أسواق الماشية هذا الموسم ارتفاعا لافتا في الأسعار، إذ تجاوز ثمن بعض الأضاحي متوسطة الحجم ألفي دينار، ووصل في مناطق بعينِها إلى 3 آلاف دينار ما دفع العديد من العائلات إلى التفكير في التخلي عن الأضحية أو اللجوء إلى الشراء المشترك لتقاسم التكلفة.

أسعار هذه السنة تتراوح بين 4 أضعاف و6 أضعاف الأجر الأدنى في تونس المحدد بـ550 دينارا تونسيا، وهو ما يطرح تساؤلات متكررة بشأن المقدرة الشرائية للتونسي التي تواصل منحى تنازليا منذ سنوات.

ويرجع مهنيون هذا الارتفاع إلى تراجع أعداد قطيع الأغنام خلال السنوات الأخيرة بسبب الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف وذبح الإناث المنتجة، وهو ما أدى إلى نقص العرض مقابل ارتفاع الطلب مع اقتراب الأعياد والمناسبات.

تفريط في إناث الأغنام..

وأكد عضو الغرفة الوطنية لمربّي الماشية ونقابة الفلاحين ببنزرت عماد وعضور في تصريحات إعلامية، أن “حاجيات السوق تقدّر بحوالي 950 ألف رأس، في حين لا يتجاوز المعروض حاليا 700 ألف رأس فقط”.

وأكّد أنّ ارتفاع أسعار الأضاحي هذا الموسم يعود أساسا إلى سنوات الجفاف المتتالية وارتفاع أسعار الأعلاف وتراجع عدد إناث الأغنام المنتجة.

واعتبر أن نقص العرض مقابل الطلب ساهم بشكل مباشر في ارتفاع الأسعار قبل عيد الأضحى.

وتابع أنّ ظاهرة بيع إناث الخرفان تمثل خطرا حقيقيا على مستقبل القطيع في تونس.

وشدّد على أن ذبح إناث الأغنام ممنوع قانونيا لما له من انعكاسات سلبية مباشرة على ديمومة الإنتاج وتوازن الثروة الحيوانية.

وأشار إلى أنّ تواصل ذبح إناث الأغنام طوال السنوات الماضية أدى إلى انخفاض العدد من حوالي 6 ملايين رأس إلى حدود 3.5 ملايين فقط، وهو ما تسبّب في تقلص القطيع الوطني بشكل لافت.

وأضاف المصدر ذاته أن هذا التراجع ساهم بشكل مباشر في ارتفاع أسعار الأضاحي ونقص العرض في الأسواق.

ودعا في سياق متصل إلى تكثيف المراقبة والتصدي لظاهرة ذبح الإناث، إلى جانب وضع سياسات لدعم مربي الماشية والحفاظ على ديمومة القطاع وتحقيق التوازن بين الإنتاج والأسعار.

وسطاء ومضاربون

من جهته، اعتبر رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي أن أسعار الأضاحي “مشطة وغير عقلانية”.

وأشار الرياحي إلى أن الوسطاء والمضاربين باتوا يتحكمون في السوق ويحددون الأسعار بعيدا عن كلفة الإنتاج الحقيقية.

كما لفت إلى غياب معطيات دقيقة حول حجم القطيع والكميات الموجهة للبيع، ما يزيد من اضطراب السوق.

من جانبه، حذّر رئيس الاتحاد المحلي للفلاحة ببوعرقوب سامي الهويدي في تصريح لإذاعة “جوهرة أف أم”، من أن تربية الأغنام أصبحت تدريجيا خارج يد الفلاحين الحقيقيين، لتنتقل إلى سيطرة الوسطاء والمضاربين، الذين باتوا يتحكمون في الأسعار ومسارات التوزيع داخل السوق.

وانتقد غياب إستراتيجية واضحة من قبل وزارة الفلاحة، داعيا إلى تدخل الدولة عبر توريد إناث الأغنام وتوفير قروض ميسّرة للفلاحين، إلى جانب تعميم نقاط البيع المباشر في مختلف الولايات لضمان استقرار الأسعار وحماية المستهلك.

وفي سياق متصل، يرى متابعون للشأن الفلاحي أن الوسطاء والمضاربين يلعبون دورا أساسيا في ارتفاع أسعار الأضاحي، إذ تنتقل الخرفان بين أكثر من وسيط قبل وصولها إلى المستهلك، ما يرفع الأسعار تدريجيا بعيدا عن كلفة الإنتاج الحقيقية.

كما يتهم ناشطون بعض “السماسرة” باستغلال ارتفاع الطلب واقتراب العيد لفرض أسعار مرتفعة، في ظل ضعف الرقابة على بعض الأسواق الموازية ونقاط البيع العشوائية.

المقاطعة بين الدين والواقع..

وفي محاولة للحدّ من ارتفاع الأسعار، أعلنت السلطات اعتماد أسعار مرجعية في نقاط البيع المنظمة، حيث تم تحديد أسعار الكيلوغرام الحي بين 23.8 و27 دينارا حسب الوزن.

كما دعت وزارة الفلاحة والمجمع المهني للحوم الحمراء المواطنين إلى التوجه نحو الفضاءات المنظمة الخاضعة للرقابة الرسمية.

ورافقت التصاعد غير المسبوق للأسعار دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي لمقاطعة شراء الأضاحي هذا العام، حيث اعتبر ناشطون أن الأسعار تجاوزت قدرة الطبقة المتوسطة والضعيفة.

كما دعوا إلى الامتناع عن الشراء للضغط على المضاربين والحد من “الأسعار المشطة”.

ومع اقتراب هذه المناسبة الدينية سالت أقلام المدونين وأصبح سعر الأضاحي حديث الساعة عبر تدوينات ومنشورات عبر فيها أصحابها عما وصفوه بـ”تحول الأضحية إلى عبء اجتماعي واقتصادي”، فيما رأى آخرون أن المقاطعة قد تكون وسيلة لإعادة التوازن إلى السوق وإجبار التجار على التخفيض في الأسعار.

في سياق متصل، أكد مفتي الجمهورية هشام بن محمود أن شعيرة الأضحية، رغم مكانتها العظيمة، مرتبطة ارتباطا وثيقا بـ”القدرة والاستطاعة”.

وشدد على أن من تعذّر عليه توفير ثمن الأضحية بسبب ضيق ذات اليد، فلا إثم عليه ولا حرج.

وقال في هذا الإطار: “الواجب إن كان بإمكانك أن تؤديه عليك ذلك، وإن تعذّر عليك فليس عليك إثم، لأن ديننا دين يسر”.

واستشهد المفتي بالمثل الشعبي التونسي “على قد كساك مد رجليك”، ليرسخ فكرة القناعة وعدم تحميل النفس ما لا تطيق.

وأوضح أن الإنسان غير مكلف شرعا بالاقتراض أو إرهاق ميزانيته بما يفوق طاقته من أجل الأضحية، خاصة في ظل “الصعوبات الظرفية” التي قد يمر بها البعض.

ويترقّب التونسيون حلول عيد الأضحى، كمناسبة دينية عائلية تعزز التقارب الأسري وتوطّد صلة الرحم، آملين في تخفيف العبء عنهم وإعادة التوازن إلى سوق أضحت الأسعار فيها تسبق المقدرة الشرائية للكثير منهم.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *