صابر بن عامر
“خير جليس في الزمان كتاب” عبارة مأخوذة من بيت شعر للمتنبي، يقول فيه:
أهم الأخبار الآن:
“أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ..
وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ”.
فما مدى حجم العوائق التي تقف حائلا أمام وصول الكتاب -شعرا كان أو رواية أو بحوثا متخصّصة- إلى متصفّحيه؟ وهل لنا في النشر الإلكتروني بديلا للنشر الورقي؟ ثمّ هل لنا في تونس قرّاء أصلا؟
منى بعزاوي: لا شيء يُشجّع على الكتابة
بوابة تونس طرحت جملة هذه الأسئلة على الشاعرة والقاصة التونسية منى بعزاوي، فعدّدت مجموعة من الصعوبات والحواجز التي تقف عائقا أمام وصول الكتاب إلى قارئه، أهمّها -وفق تقديرها- ارتفاع تكلفة النشر لعدم توفّر الورق، وغياب المنح الداعمة للنشاط.
كما أكّدت صاحبة ديوان “عشق وجنون” ضيق السوق المختصّة بالفكر الأدبي، ممّا يُساعد على وصول هذه النوعية من الكتب إلى القرّاء والجمهور بأسعار تفاضلية، فهجرتها دور النشر والتوزيع.
وتُشدّد بعزاوي على افتقار مؤسّسات النشر إلى الآليات المتطوّرة للنشر خلال العصر الراهن، مُبرزة في هذا الخصوص أنّ الاعتماد على النشر الإلكتروني مناسب في بعض الحالات، من حيث سرعة النشر والوصول إلى القارئ في وقت وجيز.
لكنها في المقابل، لا تعتبره بديلا للنشر الورقي، حيث تكون فيه “عملية سرقة الكتابات سهلة جدا، ليتمّ نسبها إلى الغير”، وفق تقييمها.
وأقرّت صاحبة كتاب “رحلة بألف رحلة: إيران بعيون تونسية” بأنّ غياب منح الدّعم من قبل مؤسّسة حقوق المؤلفين رغم دفع الكتّاب الأداءات السنوية، ضاعف حجم الهوة بين الكاتب والمؤسّسة، ومن ثمّة بين الكاتب وقارئه.
والأمر ذاته ينسحب على وزارة الشؤون الثقافية التي تراها بعزاوي، متخلّية، ولو دون قصد، عن دورها في الاستماع إلى مشاكل الشاعر أو الكاتب، سيما الشبّان منهم.
وهي إلى ذاك ترى أنّ ميزانية اقتناء الكتب من قبل وزارة الإشراف محدودة جدا، ولا تفي بحاجيات الكاتب والناشر على السواء في ظل غياب صندوق دعم مادي يشمل الطرفين.
ولا تُخفي بعزاوي تذمّرها من المشهد الأدبي في البلاد، بقولها: “نحن كتابا كنّا أو شعراء، نتخبّط منذ أمد في أزمة فكرية وأدبية خانقة، فلا شيء يُشجّع المبدع على الاستمرار في الكتابة ولا النشر”.
حذام خريّف: دعم الوزارة المتذبذب يُعطّل عجلة النشر
في الجانب الموازي للمعادلة، أي الناشر، بوصفه صلة الربط بين القارئ والكاتب، ومدى الإكراهات التي يُواجهها القطاع، تقول الناشرة حذام خريّف: “حلّت تونس في المرتبة الثانية إفريقيا بعدد الكتب المنشورة، والدولة العربية الوحيدة في قائمة الدول الأكثر نشرا للكتب، لكن هذه النتيجة رغم أهميتها وإيجابياتها، لا تعكس واقع النشر الذي يعيش العديد من الصعوبات، تبدأ من دعم الوزارة المتذبذب وصولا إلى مشكلة التوزيع”، وفق توصيفها.
وتستفيض صاحبة “دار خريّف” بالقول: “رغم أنّ تونس من الدول العربية القليلة التي تحظى بدعم وزارة الثقافة (شراكات ودعم على الورق)، إلّا أنّ تذبذب تقديم هذا الدعم يُعدّ عائقا بالنسبة إلى الكثير من دور النشر، خاصة دور النشر الصغيرة، والتي لا يعتمد إنتاجها على قصص الأطفال والكتب الموازية، نظرا إلى أنّ تكلفتها عالية”.
وتُشدّد الناشرة التونسية على أنّ التغييرات المتعدّدة لوزراء الثقافة في السنوات الأخيرة أثّرت بشكل صارخ في تواريخ إعلان نتائج تقديم الدعم إلى الناشرين، رغم أنّ الملفات مقدّمة منذ شهر جويلية الماضي.
ومع ذلك ترى خريّف أنّ الدعم يبقى من المحفّزات التي تغطي ثغرات أخرى، على غرار أزمة التوزيع.
وتوضّح: “سيما المكتبة أو الموزّع الذي يأخذ نسبة تصل أحيانا إلى 50%، وهذا له تأثير بدوره”.
ولمواجهة أزمة التوزيع داخل تونس، وخارجها أيضا، حيث تكلفة الإرسال بالبريد قد تتجاوز سعر الكتاب نفسه -وفق خريّف- تُطرح تجربة النشر الإلكتروني نفسها بديلا، لكنها ما تزال سوقا غير رائجة في تونس، حيث ما يزال الكتاب الورقي يحظى بأهمية لدى القراء وحتى الكتّاب.
وعن سؤال بوابة تونس حول: هل لا بدّ من طباعة الكتب المدرسية الموازية كي يتمكّن الناشر من تغطية مصاريفه؟
تُجيب خريّف: “الكتاب الموازي، لا يتسنى لكل دور النشر العمل عليه، نظرا إلى تكلفته العالية، وحتى تحقّق دار النشر الربح، وجب سحب كميات كبيرة، وبالتالي توفير مراكز توزيع كثيرة، وسياسة تسويقية مُبتكرة”.
وتسترسل: “في السنوات الأخيرة تعوّد الجمهور على عناوين محدّدة صار يطلبها بعينها، وإصدار كتاب مواز لدور نشر جديدة يعدّ مغامرة محفوفة بالمخاطر، فهي لوحدها التي تتحمّل تكاليف عملية النشر من التدقيق وصولا إلى الطباعة، وهو أمر مكلف جدا”.
الإنترنت قرّبت الكتاب من القارئ
ولاستكمال الضلع الثالث من المثلّث سألت بوابة تونس، أحد المولعين بقراءة الكتب، طالب الحقوق مرتضى المناعي عن مدى اهتمامه بالإصدارات الجديدة، وهل وجد في النشر الإلكتروني ضالته؟
وفي هذا الخصوص يقول المناعي: “قرّاء الكتب موجودون، وإن بطرق مختلفة، فقد ساعدت الإنترنت على تقريب الكتاب من القارئ، وأنا واحد من هؤلاء”.
ويُضيف: “عالم الكتب تطوّر في العالم، حيث بات العديد من طلّاب العلم كل في اختصاصاته يعتمدون على الكتاب الرقمي وأيضا الكتاب المسموع”.
وهو في ذلك يرى أنّ التخلي عن قراءة الكتب لدى البعض يعود إلى صعوبات مادية باعتبار الكتاب من ضمن الكماليات وليس الأساسيات.
لكنّه في المقابل، يشدّد على أنّ المسألة لا تتعلّق بالكلفة الباهظة للكتب، وإنما يتعيّن غرس تقاليد القراءة لدى الناشئة، وإن اقتضى الأمر أن تتحوّل كتب بعينها إلى مادة مُمتحنة في المدارس لزرع حب الكتاب والقراءة لدى الأجيال القادمة.
وتجربة التسويق الإلكتروني للكتب، باتت في الآونة الأخيرة عادة محمودة ومتكرّرة من بعض دور النشر والتوزيع التونسية، حيث يعمل بعضها على تقديم تخفيضات على صفحاته الرسمية بفيسبوك لبعض عناوين الكتب تتراوح نسبتها بين الـ20٪ والـ30٪ مع التوصيل المجاني إلى ولايات الجمهورية كافة، الأمر الذي حفّز القارئ التونسي على القراءة خارج موسم معرض تونس الدولي للكتاب.



أضف تعليقا