عبد السلام الزبيدي
يمكن القول بكثير من الطمأنينة، إنّ وصف المراسيم بـ”السلاح” ينسجم مع طبيعة الخطاب السياسي لرئيس الجمهورية قيس سعيّد، ولا يتعارض مع توطئة الدستور وفصوله وكذلك روحه. فنحن وفق هذا الخطاب نعيش مرحلة “حرب تحرير” بمعاركها المتعدّدة، وتقنياتها المختلفة، وأسلحتها ذات الخصائص المتنوّعة.
سبق لرئيس الجمهورية أنْ وصف بعض فصول دستور 2014 بأنّها صواريخ، واعتبر قراراته المنتظرة منصّات. فقد توعّد مرارا وتكرارا باستعمال الصواريخ التي كانت على أهبة الإطلاق. وكانت البداية في 25 جويلية 2021. وبعد 5 سنوات من تلك اللحظة، لم يتغيّر الخطاب، رغم تغيّر الدستور. وظلّ “المنطق الحربي” سيّد الموقف، في انتظار الانتصار في حرب التحرير. ومن أسلحة هذه الحرب نجد “سلاح المراسيم”.
من السلطة إلى الوظيفة
قبل يوم واحد من استئناف مجلس نواب الشعب أشغاله، كشف بلاغ رسمي عن إشراف رئيس الجمهورية قيس سعيّد على مجلس وزراء يوم 29 سبتمبر 2026 تمّ خلاله التداول في عدد من مشاريع المراسيم. وهي تتعلّق بتنقيح المرسوم عدد 54 الخاص بمكافحة الجرائم المتّصلة بأنظمة المعلومات والاتّصال، وتنقيح مرسوم الصلح الجزائي، وتنقيح بعض أحكام الهئية العليا المستقلّة للانتخابات، وتشريع مرسوم يتعلق بالمجالس البلدية.
من الطبيعي، أنْ تتهاطل الأسئلة حول سبب اللجوء إلى حقّ أو تقنية أو سلاح التشريع بالمراسيم، والحال أنّ البلاد على مسافة 24 ساعة تقريبا من استئناف مجلس النواب نشاطه. صحيح أنّ دستور 2022 سحب من المجلس صفته الجوهرية المتمثّلة في “السلطة” ودحرجه إلى مستوى “الوظيفة”، لكنّ سحب البساط من تحت أقدامه في مسألة قد تُفقده مبرّر وجوده، وتضع أدواره محلّ تساؤل وتشكيك ليس من المعارضة فقط بل من أعضائه كذلك.
لنتفّق أوّلا أنّ التشريع الرئاسي (سلطة أو وظيفة تنفيذية) لا تتعارض مع الدستور، بل هي صلاحية تمّ إسنادها لرئيس الجمهورية في كلّ الدساتير التي تمّ إقرارها سنوات 1959 و2014 و2022. لكنّ الإشكال لا يتعلّق بالاستعمال في ذاته، بل بتحويل الاستثناء إلى ممارسة متكرّرة وتفتقد بعض أسسها القانونية، وبالأبعاد السياسية ودلالاتها.
ممارسة متكرّرة..سوابق
ليست المرّة الأولى التي يلجأ فيها رئيس الجمهورية قيّس سعيّد إلى التشريع بالمراسيم. فقد أسند لخاصة نفسه صلاحية التشريع بالأوامر بعد 25 جويلية 2021، ثم بالمراسيم ابتداء من 22 سبتمبر 2011، حيث أصدر أمرا عدده 117 ضمّنه إعطاء صلاحية التشريع لكاتب النصّ أمرًا على أن يغدو ذات الفعل عن طريق المراسيم. وقد استمرّ التشريع بالمراسيم إلى حدود انطلاق عمل مجلس نواب الشعب المنتخب يوم 13 مارس 2023.
تجدر الملاحظة أنّ سعيّد استعمل صلاحية التشريع بالمراسيم أياما قليلة قبل انتقال سلطة أو وظيفة التشريع إلى المجلس. فقد أصدر عددا من النصوص من يوم 8 مارس 2023، من بينها حلّ كلّ المجالس البلدية، وتنقيح قانون الانتخابات والاستفتاء، وتنظيم انتخابات المجالس المحلية والجهوية والأقاليم.
والملاحظ أنّه في المناسبتين (الحالية وخلال سنة 2023)، كان استخدام هذا “السلاح” في توقيت قريب من تسليم عهدة التشريع إلى الجهة المختصّة دستوريا وقانونيا. بالإضافة إلى أنّ النصوص القانونية التي أصدرها في المناسبتين تتعلّقان بكيفية هندسة النظام السياسي. ففي المرّة الأولى نقّح القانون الانتخابي وفي هذه المناسبة أصدر نصّ لهندسة تركيبة هئية الانتخابات.
ومثلما قرّر حلّ المجالس البلدية سنة 2023، وهي مجالس تدير أغلبها أحزاب سياسية وتعمل وفق آلية التدبير الحرّ واللامركزية، سحب في هذه المرّة من البلديات ما كان مُعتَبرًا أنّه مكسبا لتغدو -وفق النص” هياكل مساعدة للوظيفة أو السلطة التنفيذية.
وللتذكير فإنّ آخر مجلس وزراء ترأسّه سعيد قبل مجلس يوم 29 سبتمبر 2026، كان يوم 19 سبتمبر 2025 تمّ فيه التداول حول عدد من مشاريع المراسيم وهي ذات صبغة تنظيمية لعدد من موسسات الدولة. وفي سبتمبر 2024 أي قبيل استئناف النشاط البرلماني أصدر سعيّد المرسوم المتعلّق بإرساء المجلس الأعلى للتربية. ومعلوم أنّ هذه المسائل من جوهر صلاحيات الوظيفة البرلمانية، لكنّ لرئيس الدولة رأيا آخر أَنْفَذَه في الواقع بحكم نص دستوري نافذ. ولذلك قلنا إنّ الإشكال سياسي وليس دستوريا.
سعيّد يحافظ على ثوابته
الثابت أنّ لرئيس الجمهورية قيّس سعيّد ثابتًا دأب عليه منذ لحظة 25 جويلية 2021، وحافظ على التزامه به حتّى بعد المصادقة على الدستور وانطلاق عمل المجلسين التشريعيين للنواب والأقاليم. ويتمثّل هذا الثابت في احتكار عملية هندسة النظام السياسي في تونس. فالمسألة لا يمكن تفويضها أو تعهيدها للغير، مهما كان هذا الغير بمن في ذلك النواب السابحون في فلك مسار التصحيح، والمشاركون في حرب التحرير سواء من موقع الجندي الذي يطبّق التعليمات أو الناقد الذي يضفي على النظام طابع التعدّد والاختلاف والحُلّة الديمقراطية.
لمجلس النواب دورٌ هام جدّا في النظام-المنظومة التي شرع سعيّد في إرسائها. لم يفهم الكثيرون دلالة عبارة وظيفة إلاّ بشكل متأخّر. ومن الدلالات السلبية (عبارة سلبي بالمعنى المنطقي وليس القيمي) للوظيفة هو الانكباب على الدور الموكول وعدم تجاوزه إلى ما فضّل به الدستور رئيس السلطة التنفيذية على باقي السلط أو بالأحرى الوظائف.
لقد تجاوز النوّاب المدى، وقدّموا مقترحات قوانين لتعديل المرسوم 54، ولإرساء هيئة انتخابات وفق مقتضيات الدستور، وتداعوا إلى إرساء المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية. والحال أنّ هندسة المشهد والنظام وجعله متطابقا مع المنظومة ليس من صلاحياتهم ولا من وظيفتهم. لذلك ولغير ذلك كان اللجوء إلى سلاح المراسيم لتوفير شروط إمكان حرب التحرير.
المراسيم الجديدة و”حرب التحرير”
تقتضي حرب التحرير الحفاظ على تجربم عدد من الممارسات التي لا يميّز فيها بعض من أبناء الشعب بين حرية التعبير وبين ما يتجاوز ذلك. فكان التخفيض من العقوبات والحفاظ على سيف التذكير بالخطإ عبر الخطايا التي تصل 20 ألف دينار أو السجن لمدة أدنى ممّا هو منصوص عنه في النص الأصلي. دون أن ننسى أنّ باقي النصوص الزجرية كالصواريخ على منصّة الإطلاق.
وتقتضي حرب التحرير كذلك دسترة الهيئة المستقلّة للانتخابات. فكان ما كان من مرسوم لم يحظ بالمنافشة البرلمانية ولا المواطنية. خلاصة المرسوم أنّ رئيس الجمهورية ينتقي ثلاثة شخصيات لها خبرة دنيا في تنظيم الانتخابات بعشر سنوات، وهو شرط لا يتوفر إلاّ في قلّة من المواطنين الموجودين في الهيئة الحالية. ولرئيس الدولة حق اختيار رئيس الهيئة من بين الأعضاء الذين اختارهم أو اختارتهم المؤسسات التي عيّن مسؤوليها الأُوَل. وهذه الدسترة مهمة قبل انتخابات مجلس النواب 2027 ومجلس الاقاليم 2028 ورئيس الجمهورية 2029. وهذا من دلالات القول بأنّ المراسيم سلاح للهندسة السياسية.
وبعد أكثر من أربع سنوات عن المرسوم الرئاسي بحلّ المجالس البلدية، ودون أن يقوم مجلس النواب بإعادة عرضه على النقاش والمصادقة يصدر مرسوم جديد فيه ما فيه من معالم الهندسة السياسية الساعية إلى مطابقة المنظومة مع النظام. فقد انتهى زمن التدبير الحرّ، ولوزير الداخلية وللولاة من الصلاحيات ما يجعل هذه المجالس هياكل أو وظائف بعيدا عن القول بأنّها سلطة.
لم يتجشّم مجلس نواب الشعب عناء عرض المراسيم السابقة على الجلسة العامة للنقاش والمصادفة من جديد، وفق مقتضيات دستور 2022. فتلك حدوده التي لم يقترب منها وبالتالي لم يتعدّاها، أمّا من سعى إلى التغيير من داخل المجلس، فأجره على بذل الوسع مكفول.
وبذلك انتقلنا من نظام الاستثناء بعد 25 جويلية 2021 إلى الاستفادة من الصلاحيات الاستثنائية ومن الممارسة الاستثنائية لتركيز نظام يتطابق مع المنظومة ويوفّر شروط إمكان كسب مرحلة التحرير، حسب الخطاب السائد.


