محمد بشير ساسي
بسرعةٍ لم تكنْ متوقّعة وبين عشيّة وضحاها، انهار نظامُ بشار الأسد أمام أعين حليفته روسيا التي عملت طوال السنوات الماضية عبر تدخّلها العسكري الأكبر خارج محيطها الجغرافي منذ سقوط الاتحاد السوفياتي على دعم النظام السوري وإنقاذه، مباشرة بعد اندلاع أول شرارة الاحتجاجات الشعبية في مارس 2011، ردّةَ فعل على ممارساته المتراكمة منذ عقود، متأثرةً برياح التغيير التي هبّت على المنطقة، وأطاحت وقتها بالرئيسين الراحلين التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك.
أهم الأخبار الآن:
قبلة الحياة
آنذاك كان من السّهل على موسكو إيجاد الذريعة لتبرير الوقوف إلى جانب نظام الأسد، ففي البداية مدّت له أيادي العون والإسناد لوجستيّا وعبر تحسين منظومته العسكرية دون التدخّل عسكريا، واستعملت حق النقض (الفيتو) ضد كل القرارات الدولية التي أدانته، وبقيت تنفي تدخّلها في الأزمة قائلة إنّ وجودها سياسي لا أكثر.
لكن مع سيطرة المعارضة السورية على ثلث البلاد وتحقيقها انتصارات عسكرية هدّدت وجود النظام في الشمال الغربي لسوريا، تغيّرت لهجة الكرملين، الذي أكّد أنّ السبب الرئيسي للتدخّل هو “المحافظة على مؤسسات الدّولة السورية ومنع تحوّلها إلى بؤر للإرهاب”، وبذلك شرعنت موسكو وجودها قائلة إنّ “النظام السوري هو من طلب منها ذلك، وبالتلي منحه قُبلة الحياة، بعدما أوشك على السقوط في نهاية سبتمبر 2015، حيث كان يسيطر فعليا في ذلك الوقت على قرابة 10% فقط من مساحة البلاد، رغم الدعم الذي تلقَّاه من الحرس الثوري الإيراني على مدار 4 سنوات سبقت التدخّل الروسي”.
بنك الأهداف
في تلك الفترة وضمن قراءتها الإستراتيجية للمشهد في سوريا ومآلاته، اعتبرت روسيا أنّ بقاء النّظام السوري سيضمن لها تعزيز نفوذها في منطقة الشرق الأوسط وبالتالي تحرّكت ضمن بنك من الأهداف تتمثّل كالآتي:
– الأولوية القصوى من التدخّل الروسي، كانت فرض تغيير في موازين القوى على الميدان لإجبار المعارضة السورية على قبول التسوية السياسية وفق شروط النظام السوري.
– رغبة موسكو من خلال التدخّل العسكري في تجربة أسلحتها الخاصة والترويج لها وفق تصريحات مسؤولين روس، لكون سوريا المطلّة على البحر الأبيض المتوسط، تعدّ من أهم شركائها التجاريين في الشرق الأوسط، فقد ساهمت بـ20% من إجمالي التجارة العربية الروسية، و7% من إجمالي التجارة العسكرية الروسية لعام 2010، إضافة إلى توقيع صفقات عسكرية بينهما بلغت 4 مليار دولار حتى عام 2013.
– إعلان روسيا في وثيقتها “العقيدة البحرية” الثانية والثالثة أهمية مناطق عدة، من بينها “الجزء الشرقي من البحر الأبيض المتوسط”، وذلك من أجل ضمان أمنها القومي كما تقول، مما يعني أنّ قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية على الساحل السوري تعدّان ركنين أساسيين لروسيا لتطبيق خططها السياسية والعسكرية.
– بلوغ عدد المواقع العسكرية للقوى الخارجية في سوريا حتى منتصف 2023 حسب دراسة أجراها مركز جسور للدراسات 830 موقعا عسكريا، 105 منها مناطق تقع تحت السيطرة الروسية تتوزّع بين 20 قاعدة عسكرية و85 نقطة عسكرية لا تشمل الحواجز والثكنات والدوريات العسكرية. وتنتشر المواقع في معظم سوريا، وتتركّز أغلبها في حماة وعددها 17 موقعا، تليها مدينتا الحسكة واللاذقية بـ14 موقعا عسكريا لكل منهما.
وفي مدينة حلب 11 موقعا وفي الرقة 8 وفي ريف دمشق 8، تليها 7 مواقع في السويداء بعدها إدلب بـ6 مواقع ومثلها في دير الزور، وفي درعا 5 مواقع، وفي حمص 4، وفي دمشق قاعدتان ومثلها في طرطوس، وواحدة في القنيطرة.
وتتميّز المواقع العسكرية الروسية باحتوائها على صنوف متنوعة من الأسلحة، وبتفوق سلاحي الطيران الحربي والاستطلاع فيها، وتتعاون القوات الروسية مع قوات النظام السوري والمنظمات المسلحة المدعومة من إيران.
تغيير الخطة
خلال تسعة أعوام، حاولت روسيا استثمار تدخّلها في سوريا على المستويين العسكري والتفاوضي إقليميا (مع تركيا وإيران)، ودوليا (بين أورقة الأمم المتحدة)، بيد أنّ الحرب على أوكرانيا التي اندلعت في فيفري 2022 أجبرت موسكو على تغيير خططتها بخفض عدد المواقع العسكرية في سوريا، حيث نقلت قواتها التي اكتسبت خبرات ميدانية في سوريا إلى أوكرانيا لتستفيد منها هناك، وأيضا لتركيز جهودها في الحرب هناك بعد الهدنة التي شهدتها سوريا بداية 2020.
كما خفضت عدد قواتها في المنطقة بعد تمكّنها من السيطرة على المواقع الإستراتيجية في سوريا ووقف القوات الإيرانية من الانتشار فيها، خاصة في اللاذقية، وقلّصت نفوذها في القنيطرة ودرعا، في حين ازدادت القواعد الإيرانية فيهما، وذلك بسبب تقليص موسكو التزاماتها أمام إسرائيل بسبب دعم الأخيرة لكييف وتسليحها.
وبعد معركة طوفان الأقصى -التي اندلعت في قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023- وتصعيد حزب الله في جنوب لبنان مع إسرائيل، أعادت روسيا ترسيخ وجودها العسكري في الجنوب السوري قرب درعا والقنيطرة القريبتين من مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل.
خارج التوقعات
لكن بدا واضحا كلفة التقديرات الخاطئة كانت باهظة على روسيا وحليفها النظام السوري الذي سقط أمام فصائل المعارضة خلال عملية “ردع العدوان التي استغرقت 12 يوما تمكّنت في نهايتها من دخول دمشق، من دون قتال، بعد أن هرب الأسد، وتلاشت أجهزته الأمنية وفرقه العسكرية.
فرغم جهودها المتواصلة لتثبيت أركان حكم الأسد المتهالك أصلا، فإنّ النتيجة النهائية لم تكن على النحو الذي توقّعته وطمحت إليه القيادة الروسية خاصة مع التغيير السريع للظروف الجيوسياسية في الإقليم بطريقة أثارت علامات استفهام كبيرة بشأن مستقبل طموحات موسكو التوسعية والتنافس الإستراتيجي مع الولايات المتحدة والصين على منطقة الشرق الأوسط والعالم.
في أول ردّ فعل بناء على تشكّل المشهد السياسي الجديد في سوريا، هون الكرملين من الضرر الذي لحق بالنفوذ الروسي في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الأسد، مؤكّدا بلهجة غلب عليها طابع الهدوء، أنّ تركيز موسكو منصب على أوكرانيا، وأنها على اتصال بالحكام الجدد في سوريا.
أما المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، فقد اعتبرت أنّ المنشآت والأصول الروسية في سوريا محمية بموجب معايير القانون الدولي، في حين تعامل ألكسندر دوغين المعروف بأنه الأب الروحي لفلاديمير بوتين مع التحول السوري بذهنية الاستعلاء، فكتب على صفحته بمنصة إكس: “سقوط الأسد حدث مأساوي. كان حليفا لروسيا وقطب المقاومة، لقد تقبّلنا الضربة كضربة، والألم كألم، هذه هي المعركة، عادة ما تكون للحرب حلقات مختلفة، بعضها مزعج ومؤلم، لكن لا ينبغي لنا أن نستسلم أبدا، سوف نفوز”.
بصرف النظر عن الأسباب التي أوصلت روسيا إلى ابتلاع الضربة الإستراتيجية في سوريا، فقد أظهرت التطورات أنها لا تستطيع دائما التحكّم في نتائج الصراعات البعيدة من حدودها وكشفت حدود دعمها للحكام المستبدّين، الأمر الذي ألحق الضرر الكبير بسمعة روسيا البوتينية وفق إجماع عديد المراقبين.
حسابات معقدة
رغم بذل الحكومة الروسية قصارى جهدها لإدارة العواقب، ثمة عدة معطيات ومؤشرات تفرض نفسها على الأرض وعلى مساعي موسكو لإعادة ترتيب علاقاتها مع اللاعبين في المنطقة وتعديل إستراتيجيتها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد أن كلّفها الدعم التراكمي لحكم الأسد عشرات المليارات من الدولارات وفق ما تكشف بعض الأرقام والتقديرات بالإضافة إلى مقتل مئات الجنود الروس في عمليات عسكرية لدعم قواته.
– في الوقت الذي يبعث فيه الكرملين رسائل تأكيد وطمأنة بأن مصير القواعد العسكرية الروسية ما يزال قيد النقاش مع المسؤولين السوريين الجدد، وأنّ السفارة الروسية في دمشق تعمل كالمعتاد، تثير مصادر استخباراتية غربية عدة شكوك حول تأثّر الوجود العسكري الروسي بسوريا، بالتزامن مع بدء الجيش انسحابا واسع النطاق، خاصة بعد رصد أقمار اصطناعية نشرتها شركة “ماكسار تكنولوجيز” الأمريكية في ما يبدو تجميع عتاد عسكري في قاعدة جوية قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية الساحلية.
كما أظهرت صور ماكسار أنّ قاعدة طرطوس البحرية ظلت دون تغيير إلى حدّ كبير منذ الصور التي التقطت الثلاثاء الماضي والتي أظهرت سفينتين حربيتين قبالة الساحل.
ورغم تقارير الانسحاب الجزئي، أكّد شهود عيان استمرار النشاط العسكري في قاعدة حميميم، حيث شوهدت القوات الروسية تتجول داخل القاعدة وطائرات مقاتلة في حظائرها. كما رُصدت قافلة عسكرية روسية تضم مركبات قتالية وشاحنات لوجيستية على الطريق السريع الرابط بين قاعدة حميميم وقاعدة طرطوس.
– كثيرا ما ينظر إلى قاعدتي طرطوس وحميميم في سوريا على أنها جزء من الإستراتيجية العسكرية العالمية لموسكو، فقاعدة طرطوس تعتبر المنشأة الوحيدة لروسيا في البحر المتوسط التي تقدّم الدعم اللوجيستي والإصلاح.
وقد منحت دمشق الروس حق استخدام ميناء المدنية مجانا لمدة 49 عاما، بينما تعدّ حميميم مركزا للعمليات الجوية.
لكن في ضوء التطورات الجديدة من المرجّح أن يتأثر النفوذ الروسي في القارة الإفريقية، حيث سمحت هاتين قاعدتي “حميميم” الجوية و”طرطوس” البحرية، اللتين تستقبلان الوقود والإمدادات الروسية بتنفيذ توسّع رخيص وفعال لنفوذها العسكري والسياسي والاقتصادي في إفريقيا منذ عام 2018.
وإزاء هذا التحول العسكري – الإستراتيجي العميق سيكون على موسكو “المشلولة بسبب انشغالها في أوكرانيا التكيّف مع الوضع الجديد، وذلك بالتخطيط إلى نقل المنظومة الجوية والبحرية الروسية في البحر الأبيض المتوسط من سوريا إلى ليبيا. ويكشف موقع ديفينسا أونلاين الإيطالي في تقرير لفيليبو ديل مونتي حول التساؤلات المتعلقة باتجاه روسيا نحو ميناء ليبي، عن إمكانية أن تكون مدينة طبرق ذات أهمية بالنسبة إلى الروس، لأنها تتمتع ببعض الخصائص التي تجعلها مناسبة لاستضافة قاعدة بحرية بحجم قاعدة طرطوس، وهو ما تم التلميح إليه بالفعل في جوان الماضي، عندما زار الطراد “فارياغ” والمدمّرة “مارشال شابوشنيكوف” المدينة، واستقبلهما ضباط البحرية الليبية بحفاوة بالغة.
وأفاد الموقع أنّ طبرق ميناء ذو مياه عميقة، محمي بشكل طبيعي بخليج مرسى العجيوس، وعسكريا بقاعدة القرضابية الجوية الروسية الليبية القريبة، على طول ساحل سرت.
– رغم سماح تركيا العضو في حلف الناتو لبعض رحلات الشحن الروسية بالمرور عبر مجالها الجوي باتجاه ليبيا، لا توجد دلائل فورية تشير إلى أنها ستعمل باعتبارها بديلا لجسر روسيا الجوي في سوريا، لا سيما أنّ المصالح الروسية والتركية في إفريقيا غالبا ما تتضارب.
– في حال شعور روسيا بتهديد نفوذها في شرق ليبيا، قد يصل بها الأمر لدعم حفتر ودفعه، مستغلة طبيعة الفترة الانتقالية في الولايات المتحدة حاليا، لإطلاق عملية عسكرية جديدة للسيطرة على العاصمة وهزيمة حلفاء تركيا في ليبيا، كما فعلت أنقرة مع حلفاء موسكو في سوريا، وهو ما يمكّنها من تعويض خسارتها وتأمين نفوذها في ليبيا. لكن العائق الرئيسي هو انشغال روسيا بحرب أوكرانيا واحتمالية عدم استعدادها لفتح جبهة جديدة، وبالتالي قد يكون لهذه الخطوة نتيجة عكسية تماما، تقود إلى خسارة روسيا المعركة ومعها نفوذها في ليبيا.
– خسارة روسيا نفوذها في سوريا، قد تجد الولايات المتحدة في ذلك فرصة لمزيد من الضغط على روسيا في منطقة الشرق الأوسط عبر البوابة الليبية، لإضعاف نفوذها في ليبيا وتشتيت جهودها ما بين ليبيا وأوكرانيا، بالأخص خلال الفترة المتبقية لجو بايدن في البيت الأبيض، خاصة أنّ الأخير يسعى إلى زيادة التوتر الجيوسياسي مع روسيا في العديد من الملفات، لقطع الطريق أمام دونالد ترامب في مساعيه المتعلقة بتخفيف التوتّر مع روسيا، بشكل يقود إلى إنهاء الحرب الأوكرانية بصيغة قد لا تصب في صالح الغرب من الناحية الجيواسراتيجية.
وفي ذلك تقف الولايات المتحدة أمام نهجين:
الأول يتمثل في محاولة ثني حفتر عن تحالفه المتنامي مع الروس، لذلك تتزايد الزيارات الأمريكية لشرق ليبيا ولقاء حفتر وأبنائه.
الثاني يتّجه نحو احتمالية إشغال روسيا في ليبيا عبر إشعال حرب داخلية من جديد بين شرق البلاد وغربها، أي أنّ الولايات المتحدة وفقا لهذا التحليل، هي التي قد تدفع نحو خيار الحرب وليس روسيا.
لا شكّ أنّ سقوط نظام بشار الأسد كان بمثابة التركة الثقيلة في الميزان الإستراتيجي لروسيا في بلد ما يزال مضطربا ومشتّتا بين قوى محلية وأخرى أجنبية على أرضه.
ففي الوقت الذي بات فيه مستقبل النفوذ العسكري الروسي خاضعا لظروف جديدة ومعقّدة، فإنّ بحث موسكو على قواعد بديلة محتملة (وإن لم تكن بالمزايا نفسها التي توفّرها قاعدتَا “طرطوس وحميميم”)، يعدّ مهمة شاقة ومكلفة من أجل تقليص خسائرها المالية وتخفيف أعبائها الإستراتيجية، وهذا ما أكّده فيودور لوكيانوف، رئيس مجلس استشاري تابع للكرملين مختص بالدفاع والسياسة الخارجية، في إحدى أبرز المجلات السياسية في موسكو بعد يوم من فرار الأسد إلى موسكو حين صرّح: “أقل الأمور أهمية في العالم اليوم هي مسألة المكانة والهيبة”، وعلى روسيا إعادة التفكير في دورها كقوة إقليمية العودة إلى المستوى الدولي… لم تعد تستحق العناء”.



أضف تعليقا