بعد تسلمهم من العراق..أي مقاربة لاحتواء “الدواعش” التونسيين؟  

تجدد الجدل في الساحة التونسية حول عناصر تنظيم “داعش” الإرهابي من التونسيين، عقب إعلان السلطات العراقية، عن وجود 234 تونسيا ضمن المعتقلين التي جرى نقلهم من سوريا في الأيام الماضية.

وكانت وزارة الداخلية العراقية، قد أعلنت عن تسلم 5704 عنصرا إرهابيا ينتمون إلى 61 جنسية مختلفة، نقلوا من السجون السورية، إلى مراكز احتجاز في العراق من قبل السلطات الأمريكية.

وطرح موضوع مصير المقاتلين التونسيين ممن تحولوا إلى سوريا للقتال، عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، حيث تداولت في الأوساط الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني، تساؤلات عن مصير الآلاف من الشباب التونسيين الذين سفروا إلى “جبهات النار”، وانخرطوا في صفوف جماعات المعارضة المسلحة، أو ضمن تنظيم “داعش” الإرهابي.

تتباين الإحصائيات المتعلقة بالشباب الذين تحولوا إلى سوريا، في ذروة موجة التسفير ما بين سنتي 2012 و2014، لكن أغلب التقديرات تجمع على أن الذين وقع استقطابهم تتراوح أعدادهم بين 4000 إلى 6000 شخص.

وفي ظل مطالبة بغداد الدول المعنية بتسلم مواطنيها من المعتقلين “الدواعش” لديها، تتعمق التساؤلات عن المقاربة المفترضة للتعامل مع هؤلاء العناصر التي انخرطت وقاتلت في صفوف التنظيم الإرهابي، في سوريا والعراق، سواء على المستوى القانوني والأمني، أو على الصعيد الاجتماعي، عبر إعادة تأهيلهم وإدماجهم.

بوابة تونس طرحت هذه الاستفسارات المتعلقة بهؤلاء الإرهابيين بخلفياتهم الفكرية وارتباطاتهم التنظيمية، على محللين سياسيين ونشطاء مدنيين ضمن الورقة التالية.

قنبلة موقوتة

في حديث لبوابة تونس، تصف الكاتبة الصحفية والمحللة السياسية آسيا العتروس ملف الدواعش التونسيين، بكونه “قنبلة موقوتة”، وهو ما يفسر مطالبات بغداد تجاه مختلف الدول وبينها تونس بتسلم مواطنيها من العناصر الإرهابية.

وأضافت: “هذه المسألة تمثل قنبلة موقوتة، تستدعي استباق المخاطر على المسار القانوني والاجتماعي، خاصة في ما يتعلق بعوائل هؤلاء الإرهابيين وأطفالهم”.

  ولفتت العتروس، إلى وجود مخاوف في ظل النظام الجديد في سوريا، من فرار تلك الأعداد الكبيرة من العناصر التي قاتلت في صفوف تنظيم داعش، والمشكل ذاته قائم الذات في العراق، حيث سبق تسجيل فرار بعض قيادات الإرهابيين.

وتابعت: وصلنا إلى المرحلة النهائية، وصار محتما على الدولة التونسية، تحديد خيارها النهائي، أمام القبول بتسلم هؤلاء العناصر، أو الرفض.

وشددت المحللة السياسية، على أن القبول بتسلم “الدواعش” التونسيين، سيترتب عنه التزامات معقدة وكبيرة أمنية وقانونية وقضائية، لا تقتصر على العناصر الإرهابية لوحدهم، بل تشمل كذلك المئات من النساء والأطفال، الموزعين في عدة مخيمات اعتقال في العراق وسوريا، على غرار ما يعرف بمخيم “الهول”.

وتطرح وضعيات نساء وأطفال عناصر الإرهابيين التونسيين بتنظيم داعش، تحديات قانونية وإجرائية على السلطات التونسية، في حالة تسلمهم، باعتبار افتقار أغلبهم إلى أوراق ثبوتية، و أي وثائق هوية، فضلا أن عقود الزواج غير موثقة بشكل قانوني، ما يطرح عدة صعوبات على مستوى تقنين أوضاعهم وإعادة غدماجهم في المجتمع.

وتابعت: “بقطع النظر أن عقود زواج هؤلاء العناصر، خارج الإطار القانوني، فهناك جيش من الأطفال لم يعرفوا في الحياة غير المخيمات، ولا يمتلكون أي دراية عن الحياة خارج المخيمات، أو المواقع التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم داعش”.

وحسب آسيا العتروس، فإن الإشكالية كبيرة جدا، باعتبار أنها ترتبط بعدد العناصر الإرهابية الذي ستسمح الدولة التونسية بعودتهم، والعائلات اللواتي سترافقهم، وهو أمر يرتبط بإمكانياتها، وقدرتها على تحمل مسؤولياتهم.

وتؤكد آسيا العتروس التحديات المرتبطة بإعادة تأهيل أطفال الإرهابيين وعائلاتهم، في صورة تسلمهم، وردة فعلهم تجاه المجتمع، ما بين الرفض أو القبول.

واستدركت: “المسألة مستحدثة وتستوجب دراسات دقيقة، وتتطلب عمل مشترك من المستوى السياسي والقانوني، إلى  مختصين وخبراء نفسيين واجتماعيين”.

المقاربة السجنية غير كافية

 على الطرف المقابل، يرى محمد إقبال بن رجب رئيس “جمعية إنقاذ التونسيين العالقين في الخارج”، أن حالة الجمود الدبلوماسي والسياسي، الحالية بين تونس والسلطات السورية، لا يخدم هذا الملف.

ويشير إقبال بن رجب نقلا عن مصادر مطلعة على عملية تسليم العناصر الإرهابية من سوريا إلى العراق، إلى أن نساء الإرهابيين وأطفالهم، ما يزالون موجودين بالمخيمات الواقعة شرق سوريا، على غرار مخيم “الهول”.

ويضيف: أعتقد أنه من واجب الدولة التونسية قانونيا وإنسانيا، استلام هؤلاء الأشخاص، ما قد يمكن من إحالتهم إلى برنامج إدماج وإعادة تأهيل العائدين من بؤر التوتر، والذي اشتغلت عليه عدة دول في السابق، مثل مصر والمغرب والسعودية.

وأوضح بن رجب أن جمعية إنقاذ التونسيين العالقين في الخارج، تتبنّى مقاربة تقوم على إعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي والنفسي والفكري لهؤلاء الذين تورّطوا مع الجماعات الإرهابية، مع التشديد على أنّ ذلك لا يلغي العقوبات القانونية والسجينية في حقهم.

تعد الجمعية أحد أبرز منظمات المجتمع المدني، التي عملت على ملف التسفير إلى سوريا والعراق منذ 2012.

ويعتبر المتحدث أن العقوبة الزجرية والسجنية، بحق هؤلاء العناصر عند عودتهم إلى تونس، لا تكفي لمعالجة ظاهرة التطرف والتكفير، مستشهدا بعشرات العناصر المتشددة التي ألقي عليها القبض قبل 20 سنة فيما عرف بعملية سليمان، وبعد مغادرتهم السجن عقب الثورة، اندمجوا مجددا في الجماعات المتطرفة والإرهابية داخل تونس وخارجها.

وأردف: المقاربة السجنية غير كافية، والمطلوب مقاربة اجتماعية وفكرية إلى جانب القانونية، لإعادة احتوائهم.

وعلى صعيد متصل، يلفت رئيس جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج، إلى ضرورة اعتماد معايير خاصة إلى العناصر الإرهابية، وإيواءهم في سجن خاص بمفردهم، وعدم اختلاطهم مع سجناء الحق العام، تفاديا لتكرار عمليات الاستقطاب الفكري والتي مارسوها في السابق، داخل السجون التونسية.

وإجابة عن سؤال بوابة تونس، يتفق المتحدث مع الرأي القائل بوجوب صياغة إجراءات قانونية خاصة، لمعالجة وضعيات زوجات الإرهابيين التونسيين وأبنائهم على المستوى القانوني.

وتطرق إقبال بن رجب في هذا السياق، إلى برنامج نموذجي تقوم وزارة الأسرة بتطبيقه منذ حوالي سنتين، لفائدة الأطفال العائدين من بؤر التوتر، ويستفيد منه حوالي 50 طفلا ممن عادوا إلى تونس صحبة عائلاتهم، في السنوات الماضية.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *