بعد “الفتنة”.. “خطيفة” سوسن الجمني ينتصر مجدّدا للعائلة

"خطيفة" سوسن الجمني

صابر بن عامر

بعد ثلاثية حرف “الفاء” التي طبعت عناوين المخرجة التونسية سوسن الجمني في مسلسلاتها الثلاث: “الفوندو” بجزأيه في رمضان 2021 و2022، و”فلوجة” بجزأيه في رمضان 2023 و2024، و“الفتنة” في رمضان 2025، ظننا أنها تخلّت نهائيا عن الحرف العشرين بالترتيب الهجائي، والسابع عشر بالترتيب الأبجدي، لتأتينا هذا العام بحرف جديد افتتاحا لعنوان مسلسلها الرمضاني الأخير “خطيفة”، وهو حرف “الخاء” الحرف السابع بالترتيب الهجائي، والرابع والعشرين بالترتيب الأبجدي، ربما مبتدئة ثلاثية جديدة.. من يدري؟

لكنها في المقابل، لم تتخلّ وللسنة الثانية على التوالي عن الانتصار للعائلة والترابط الأسري بين الأشقاء، منهية الحلقة الـ22 والأخيرة من مسلسل “خطيفة” الذي عرض على قناة الحوار التونسي الخاصة، بنهاية سعيدة، كحال مسلسلها السابق “الفتنة”، عكس مسلسليها الأولين “الفوندو” و”فلوجة” اللذين انطلقا بوجع وانتهيا بآلام مضاعفة.

بدايات موجعة ونهايات سعيدة

فبعد أن قدّمت الجمني في الموسم الرمضاني الماضي صراعا أسريا مريرا على الميراث داخل عائلة إثر وفاة الأب “العربي السلّامي” (الأسعد بن عبد الله)، ليكتشف الأشقاء الثلاثة ديونا ضخمة، وذلك قبل أن تظهر وثائق تخفي ممتلكات استولى عليها بالاحتيال الأخ الأكبر “إدريس” (محمد علي بن جمعة)، الأمر الذي أشعل صراعات وخيانات بين الأشقاء، سيما مع دخول أطراف خارجية أجّجت هذه الخلافات، لينتهي العمل بتصالح الإخوة الأعداء، رغم عمق الندوب التي نخرت العلاقة بينهم بعد اننتحار الأب الغامض.

الأمر ذاته تكرّر هذا العام في مسلسل “خطيفة”، سيما في حلقته الأخيرة التي أتت أيضا سعيدة بلمّ شمل عائلة “خديجة” (لمياء العمري) بعد فاجعة ألمّت بها امتدّت لربع قرن.

سعادة طافحة على الأم والأشقاء الثلاثة، إلّا من بعض الوجع الذي بدا على ملامح “فاروق/ يوسف” (محمد مراد) المقسّم بين خيارَي العقل أو القلب، أمّ بالتبني أو بديلة آثمة وأخرى بيولوجية مكلومة ومصدومة.

والمسلسل تدور أحداثه حول فاجعة الأم “خديجة” التي تفقد طفلها الصغير “يوسف” في زحام السوق، لتستمرّ معاناة البحث لسنوات دون جدوى، وذلك بعد أن وجدته “آسيا” (ريم الرياحي) في قصرها الريفيّ، فصدّقت أنّ القدر ساقه إليها تعويضا عن عدم قدرتها على الإنجاب، بعد أن استأصلت الرحم، في أولى سنوات زواجها بـ”الأزهر” (كمال التواتي) إثر إصابتها بالمرض الخبيث.

وبين معاناة أم مكلومة وأخرى “محرومة” من الإنجاب يغوص العمل في تداعيات الطلاق وتأثيره على العائلة والأبناء، متتبعا صراعات إنسانية وقضايا اجتماعية مركبة بأسلوب فني هادئ، مع تناول مشكلة خطف طفل من عائلته الأصلية، وما ترتّب عليه من رحيل الأب الأصلي الذي لم يتحمّل صدمة فراق أصغر أبنائه، وهو العائل لأسرة بسيطة، لكنها سعيدة.

وهنا يُحسب لسوسن الجمني، مرّة أخرى، دقّة اختيارها لعناوين مسلسلاتها التي أتت جميعها من لفظ واحد، بسيط في النطق عميق في المعنى.

فـمعلوم أنّ “الخطيفة” (طائر الخطاف) يصنع الربيع، أو بعبارة أدقّ، يُبشّر بقدومه، فكان “خطف” الابن يوسف الذي تحوّل إلى فاروق صانعا لربيع عائلة “آسيا” ولو إلى حين، ومنذرا بخريف طويل الأمد والتعب لعائلة “خديجة”، قبل أن تجد فلذة كبدها “المخطوف”.

كما أنّ سبب ضياع يوسف حبّه الكبير للطيور، ومنهم طائر الخطاف، حيث أفلت من يد أمه في السوق بعد أن لمح طير حمام جريح بشاحنة سائق العائلة (الصادق حلواس)، ليمتطيها، وينام، قبل أن يفيق ليجد نفسه في بيت “آسيا” القاسية إلّا معه.

سوسن الجمني، في “خطيفة” شأنها في ذلك شأن “الفتنة”، انتصرت للعائلة، عبر تطرّقها لرحلة بحث طويلة ومؤلمة عن طفل مفقود، وتأثير هذا الفقد على نفسية الأم والمحيطين بها.

كما سلّطت الضوء على ظاهرة الطلاق ومساوئها وتأثيرها المدمّر على بنية العائلة والأبناء، سواء في عائلة “كلود/ خالد” (غانم الزرلي) الذي كاد أن يفقد ابنته غرقا، باستهتاره وهو المُقامر بكلّ شيء حتى حياة وحيدته أو من خلال عائلة “زينب” (عزة سليمان) المطلّقة التي اختارت الحرية الواهية والحب الممنوع على سعادة ابنتها بأن تراها ووالدها سوية. كل ذلك يحصل قبل أن يثوب هو إلى رشده وتعود هي إلى أمومتها، متخلية عن العلاقة العابرة التي جمعت بينها وبين “كلود”، لتختار العودة، وإن بالتلميح إلى طليقها، من أجل إسعاد وحيدتهما.

انتصار للعائلة، تجسّد أيضا بتخلّي “جمال” (نوردو) عن المرأة التي اختارها زوجة له “يامنة” (آية بالأغا)، ليلة زفافهما، بعد أن علم أنّ أخاه الأصغر “علي أو يوسف” (فارس عبد الدايم) الذي ولد بعد فقدان الأم “خديجة” لابنها “المخطوف” يوسف، فسمته “يوسف” تعويضا عن فقدها الأليم في زوجها الذي تركها وهي حامل، وفي ابنها الذي غاب عن ناظريها، فكاد أن يُفقدها بصرها بكاءً وعويلا عليه.

“جمال” الحازم والقاسي، تخلّى عن زوجته أو من كانت ستكون زوجته في ليلة زفافهما، لينتصر لعاطفة الأخوة، وهو الأخ الأكبر والابن البكر لعائلة مكلومة في الأب والأخ معا، فاختار أن يكون هو الأب لأخيه الصغير على حساب حبه لـ”يامنة”.

انتصار للدراما العائلية

انتصار سوسن الجمني للعائلة وترابطها رغم إكراهات القدر أحيانا وأطماع النفس البشرية دائما، في مسلسليها الأخيرين “الفتنة” و”خطيفة”، هو انتصار منها للدراما العائلية، من حيث تدري، وربما لا تدري، صورةً وطرحًا وأداءً تمثيلي غير خادش للحياء، أو مُربك للفرجة العائلية، رغم جرأة القصّة وصدمة المحتوى، سيما في “خطيفة”، فخطفت قلب المُشاهد تعاطفا مع شخصياته المركّبة والمُربكة دون افتعال ولا ابتذال، قبل أن تسلب عقله بالتفكير مليّا في قيم الأخوة والأمومة والصداقة في زمن الفردانية المُفرطة والأنانية المُطلقة.

في النهاية، وبعد أن اختارت سوسن الجمني الخوض في الصراعات العائلية لتنتهي بالانتصار لوحدتها عوض شتاتها عبر “الفتنة” وبشكل أوضح في “خطيفة”، تبشير منها باستعادة ربيع الدراما التونسية القادرة على جمع الفرجة العائلية المجتمعة أمام شاشة واحدة، بعد أن فرّقتهم موجة دراما الخيانات الزوجية والفوارق الطبقية والنعرات الجهوية، المشحونة بعنف لفظي ومادي، بل وحتى قيمي هدّد السلم المجتمعي لأكثر من عشريّتين؟

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *