تونس سياسة

بعد إصدار بطاقات الجلب الدولية.. تشكيك في إمكانية التنفيذ

أصدر قاضي التحقيق الأول بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب المتعهد بالبحث في ما يُعرَف بقضيتي “تكوين وفاق إرهابي” و”التآمر على أمن الدولة” بطاقات جلب دولية في حق 12 شخصا من المظنون فيهم والمحالين بحالة فرار والذين ثبت تواجدهم خارج التراب التونسي، وبينهم مسؤولون سابقون رفيعو المستوى، وفق ما صرّح به مصدر قضائي مساء أمس الثلاثاء لوكالة تونس إفريقيا للأنباء.
وذكرت الناطقة باسم القطب القضائي لمكافحة الإرهاب والمساعدة الأولى لوكيل الجمهورية بالقطب حنان قداس، أنّ الأشخاص المشمولين بالقرار هم رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد ومديرة الديوان الرئاسي سابقا نادية عكاشة ومعاذ الخريجي وكمال القيزاني ومصطفى خذر وماهر زيد ولطفي زيتون وعبد القادر فرحات وعادل الدعداع وشهرزاد عكاشة وعلي الحليوي ورفيق يحي.وأفادت قداس أيضا بأنّ الأبحاث في هذه القضايا لا تزال جارية بخصوص بقية المظنون فيهم والمحالين بحالة فرار ليتسنى إصدار بطاقات جلب دولية في حقهم.
ويُذكر أنّ السلطات المختصة فتحت ما لا يقلّ عن ثلاث قضايا في ” التآمر عن أمن الدولة. ويتعلّق  الملف الأخير بأكثر من 20 شخصية سياسية شغلت أغلبها مناصب رفيعة في الدولة وكانت علاقتها متميّزة مع رئيس الجمهورية قيس سعيد، بل كان بعضهم من المقرّبين إليه ومن صانعي سياساته ومنفّذيها. 
وفي هذا السياق أكّد المحامي مختار الجماعي، الذي ينوب عددا من المتهمين في القضيّة، أن القضيّة تعود إلى أشهر فارطة ( ماي 2023)  وأنّ المتهمين فيها غادروا حدود الوطن بطريقة قانونيّة أمام مرأى ومسمع من الجميع، مؤكّدا أنه منذ 25 جويلية 2021، وقع إصدار عشرات بطاقات الجلب الدوليّة في ملفات التآمر التي فتحت ولم تنفّذ ولو بطاقة واحدة منها رغم أنّ هؤلاء الأشخاص يمرّون عبر المطارات.
وأوضح الجماعي في تصريح لإذاعة الديوان، أنّ بطاقة الجلب الدوليّة هي صورة موسّعة من منشور التفتيش يسري على الإقليم التونسي  وأنّه إذا ثبت أنّ ذي الشبهة في مكان آخر خارج الدولة التونسية فللدولة التونسيّة بما لها من علاقات ومعاهدات قضائية إقليميّة ودوليّة أن تصدر بطاقات لها نفس القوّة الالزاميّة للمنشور الداخلي وتلتزم كل دولة يقيم عليها هذا الشخص أو ينزل في أحد مطاراتها أو موانئها أو يمرّ بأجوائها أن تسلّمه للدولة التونسيّة.
 وأشار إلى أنّ وهؤلاء معروفة إقاماتهم في  الدول التي تجمعها مع تونس اتفاقيّات ثنائيّة، ورغم ذلك أبدا لم تنفّذ ولو بطاقة جلب واحدة، وفق تعبيره.
وشبّه الجماعي بطاقات الجلب الدوليّة التي أصدرتها السلطة بوعد استرداد الأموال المنهوبة، معتبرا أنّ كلا الإجراءين جُعلا للتمثيل ولتخدير الشعب ولن ينفّذ أيا منها.  وقال: “لا بطاقة الجلب الدوليّة ستأتي بالمظنون فيهم ولا استرداد الأموال ستعيد لنا أموالنا”.
وتوجّه المحامي  إلى السلطة برسالة مفادها أن كل هذه القضايا لن تحلّ الأزمات الاجتماعيّة، مصرّحا: “يمكن لهذه الملفات أن تربح منها زمنا إعلاميّا ويمكن أن تحوّل أنظار التونسيّين عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية لوقت معيّن لكن لا يمكن أن تقوم مقام الحلول”.
في السياق ذاته اعتبر الناشط السياسي ووزير التربية سابقا محمد الحامدي أنّ إصدار بطاقات الجلب الدوليّة هو مجرّد تضخيم للموضوع لإيهام الناس بوجود مؤامرة، مشدّدا على أنّ هذه البطاقات معلوم أنها لن تنفّذ. وقال عبر تدوينة نشرها أمس على حسابه الشخصي في موقع فيسبوك: “الملف فارغ وبش نطولو الحبل ونكبرو الحضبة ونوهمو الناس بمؤامرة نخرجو بطاقات جلب نعرفوها مش بش تتنفذ.. سيب المعارضين.. سيب التوانسة”، وذلك في إشارة إلى أنّ الهدف من هذه البطاقات إلهاء الرأي العام. 
من جانبها اعتبرت المحامية إسلام حمزة إصدار بطاقات الجلب الدوليّة شكلا من أشكال الـ “شعوذة”، مشيرة في تدوينة على حسابها في فيسبوك أنّ “الأنتربول أصبحت ترفض التّعامل مع القضاء التّونسي .. فهي تعلم جيّدا تورّطه في تلفيق القضايا السياسيّة “.  
وتساءل أمين عام التيار الديمقراطي نبيل حجّي قائلا: “أنا كمواطن أقرأ أخباركم، ماذا أفهم من “قضية تكوين وفاق إرهابي”؟ ماذا أفهم من “قضية التآمر على أمن الدولة”؟ خاصة وأنّ القضايا بهذا العنوان تبلغ عد أصابع اليد (إن لم نقل اليدين)”، مضيفا في تدونية على حسابه في فيسبوك: “ثم، كيف أعرف أو أفهم، من الـ12 متهما في القضية الأولى ومن منهم متهم في القضية الثانية؟ طبعا، لا جواب لمن يقرأ الخبر، ولا جواب أو معلومة حتى لمن نشره”. لينهي بتساؤل أكبر “ماذا استفدنا إذن؟”
و بطاقة جلب دولية هي إجراء قانوني يتخذه قاضي التحقيق طبق الفصل (81) من مجلة الإجراءات الجزائية التونسية، عندما يتم استدعاء المتهم أو الشاهد في القضية ويتخلف عمداً عن الحضور إلى المحكمة، غير أنّ تنفيذها يتوقف على قوانين الدولة التي يوجد فيها.
وعلى سبيل المثال طلبت السلطات التونسية، في جانفي 2022، من فرنسا تنفيذ بطاقة الجلب الدولية الصادرة في حقّ رئيس الجمهورية السابق والمعارض السياسي المنصف المرزوقي وذلك بإيقافه وتسليمه إلى تونس لمحاكمته في قضية يتهم فيها بالتآمر على أمن الدولة الخارجي.ورفضت فرنسا تنفيذ بطاقة الجلب الصادرة من القضاء التونسي في حق  المرزوقي.
والأمر ذاته لعديد بطاقات الجلب الدولية في حق عدد من السياسيين لم يقم الإنتربول بتنفيذها على غرار صهر الرئيس الراحل صخر الماطري وسليم الرياحي رئيس حزب الاتحاد الوطني الحر وغيرهم.