محمـــد بشيـــر ســــاسي
لم يكُن ينقص المملكة المتحدة تراجع مكانتها الدولية والإقليمية بسبب تراكم أزمات هيكلية، وضغوط اقتصادية متشابكة إلى أن ضرب زلزال عنيف مشهدها السياسي، وتحديدا الجبهة السياسية الداخلية لحزب
العمال الذي عاد إلى السلطة بعد 14 عاما من الانتظار، وقد وعد بإعادة الاستقرار إلى الحياة السياسية البريطانية وإنهاء سنوات من الاضطراب الحكومي.
ضــربة موجــعة
فبعد نتائج وُصفت بـ”الكارثية ” في الانتخابات التي شملت نحو 5 آلاف مقعد في 136 مجلسا محليا في بريطانيا، بالإضافة إلى البرلمانات المفوضة في أسكتلندا وويلز، وجدَ الحزبُ الحاكم في بريطانيا نفسه منذ الوصول إلى سدة الحكم في منتصف 2024، محاصرا بأزمة قيادة غير مسبوقة إلى درجة تصدّعه بسبب انقسامات حادة حوّله إلى ثلاثة معسكرات متصارعة، أحدها يؤيّد بقاء رئيس الوزراء كير ستارمر في السلطة بينما يلتقي المعسكران الآخران في المطالبة باستقالته ويفترقان بشأن من يخلفه.
وانفجرت الأزمة بصورة علنية بعدما تجاوز عدد نواب حزب العمال الذين طالبوا ستارمر بالتنحي أو تحديد جدول زمني لرحيله أكثر من 80 نائبا، وهو النصاب القانوني الذي يفتح الباب رسميا للإطاحة به.
وزاد المشهد تعقيدا مع استقالة عدد من الوزراء من الحكومة آخرهم وزير الصحة ويس ستريتنغ الذي دعا علنا إلى وضع ترتيبات مرحلة ما بعد ستارمر بالإضافة إلى شخصيات بارزة مثل جيس فيليبس وزيرة الحماية في بريطانيا التي أكدت في خطاب استقالتها أن ستارمر “رجل جيد” لكنه لم يعد قادرا على إحداث التغيير المطلوب.
بينما دعت وزيرة المجتمعات المحلية مياتا فاهنبوليه التي كانت الأولى في مسار الاستقالات رئيس الوزراء إلى “انتقال منظم للسلطة”. وانضم أيضا إلى موجة الاستقالات كل من وزير الدولة زبير أحمد ووكيلة وزارة العدل البريطانية أليكس ديفيز-جونز.
ورغم أن استقالة وزير الصحة لا تعني تلقائيا بدء مواجهة رسمية على القيادة، فإنها تقرّب حزب العمال من حدوث منافسة داخلية فيه مع ستارمر، فخلافا لحزب المحافظين لا توجد آلية في حزب العمال لإطلاق عملية تصويت بسحب الثقة من رئيس الوزراء من دون وجود مرشح يطالب بخلافته، إذ تنص لوائح الحزب على ضرورة إعلان من ينافسه على المنصب عن نفسه ويجمع التواقيع اللازمة لذلك. وينص النظام الداخلي للحزب على أن أي منافس محتمل يحتاج إلى دعم 20% من الكتلة البرلمانية العمالية (أي 81 نائبا) لتفعيل آلية الإزاحة.
سباق الأسماء
لكن وراء مشهد الدعم العلني الذي أعلنه بعض الوزراء لستارمر وتوقيع أكثر من 100 نائب من حزب العمال رسالة تؤكد أن “الوقت ليس مناسبا لمعركة على القيادة” في محاولة لإظهار الدعم لستارمر داخل الحزب، تتصاعد معركة حول من سيقود حزب العمال إذا سقط رئيس الوزراء.
وتتّجه الأنظار إلى عدد من الأسماء داخل حزب العمال في حال فُتح سباق القيادة رسميا، ويعد ستريتنغ (43 عاما) أحد أبرز المرشحين المحتملين، ويَحظى بدعم داخل الجناح اليميني للحزب.
كما يبرز اسم أنجيلا راينر -نائبة ستارمر السابقة- بعد إعلان تبرئتها من اتهامات بارتكاب مخالفات ضريبية متعمدة، وهو ما كان يشكل عقبة أمام أي محاولة محتملة لها لقيادة الحزب.
ويُطرح أيضا اسم رئيس بلدية مانشستر الكبرى آندي بورنهام الذي يحظى -مثل راينر- بشعبية لدى الجناح اليساري في حزب العمال.
وأعلن بورنهام -الذي كان عضوا في البرلمان بين عاميْ 2001 و2017- أنه سيسعى للترشح عن حزب العمال في انتخابات فرعية مرتقبة في شمال غربي إنكلترا. ومن شأن عودته إلى البرلمان أن تفتح الباب أمام منافسته المحتملة على زعامة الحزب، إذ لا يستطيع خوض سباق القيادة من موقعه الحالي كرئيس لبلدية مانشستر الكبرى.
ومن بين الأسماء الأخرى المتداولة وزير أمن الطاقة وصافي الانبعاثات الصفرية إد ميليباند، ووزير القوات المسلحة آل كارنز، وهو ضابط سابق في البحرية الملكية ويُنظر إليه داخل الحزب بوصفه وجها جديدا.
انهيــار الشعبــية
في قلب العاصفة السياسية التي تضرب حكومته، ما يزال ستارمر المترنح يرفض الانحناء أمام الرياح العاتية، متعهدا بصوت عال بـإثبات خطإ “المشككين” داخل الحزب وبين الناخبين عموما.
وخلال خطاب ألقاه في لندن أمام حشد من نواب حزبه ونشطائه أكد ستارمر أنه سيواجه التحديات الكبرى، وسيعيد “الأمل” إلى البلاد، ويشمل ذلك التقارب مع الاتحاد الأوروبي ووضع بريطانيا في قلب أوروبا”، بعد عقد من استفتاء بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست).
يرى مراقبون أن الانتخابات الأخيرة كانت في الواقع الاختبار الشعبي الأهم لستارمر الذي بدأت شعبية في الانهيار بعد وقت قصير من قيادته حزب العمال وتحقيقه فوزا كاسحا في انتخابات 2024، وكذلك مؤشرا مبكرا على اتجاهات المزاج السياسي في الشارع البريطاني قبيل الانتخابات العامة المقبلة المقررة عام 2029.
ويعزو محللون للمشهد السياسي في بريطانيا هذا الانهيار السريع في شعبيّة ستارمر إلى جملة من العوامل:
– شعور قطاع واسع من البريطانيين بأن الحكومة أخفقت في تقديم أي رؤية واضحة للحكم منذ وصولها إلى السلطة عام 2024، وأن ستارمر، الذي نجح في إعادة حزب العمال إلى الواجهة بعد مرحلة جيريمي كوربين، لم يتمكّن من التحول إلى قائد سياسي يمتلك مشروعا حقيقيا لإدارة البلاد لإنقاذها من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
– تصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بدلا من أن تتراجع، من ضعف النمو الاقتصادي، وتدني مستويات المعيشة، إلى تفكك التماسك الاجتماعي واتساع الشعور العام بالإحباط.
في المقابل، بدا رئيس الوزراء مترددا وعاجزا عن اتخاذ قرارات حاسمة أو شرح أولوياته السياسية للناخبين -بحسب الصحيفة- ما خلق انطباعا متزايدا بوجود “فراغ قيادي” داخل الحكومة البريطانية.
– مساهمة التراجعات المتكررة عن الوعود الانتخابية وتغيير مواقف الحكومة في تقويض الثقة الشعبية بستارمر، فالبريطانيون، حتى عندما يقبلون بقرارات صعبة أو غير شعبية، يريدون قيادة تبدو واثقة من مشروعها السياسي وقادرة على تبرير خياراتها، وهو ما فشل رئيس الوزراء في تقديمه.
– اتسام ولاية ستارمر بالعديد من التقلبات في سياسات الحكومة، وتغيير مستمر في فريق المستشارين، والتعيين الكارثي لبيتر ماندلسون سفيرا للمملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة، وقد أُقيل ماندلسون بعد 9 أشهر من توليه المنصب بسبب علاقته بالملياردير الراحل جيفري إبستين المدان بارتكاب جرائم جنسية في الولايات المتحدة، وهي الخطوة التي اعتبرها كثيرون انفصالا عن نبض القواعد الحزبية.
صعــود اليمــين
في خضم الاستياء الشعبي من أداء حكومة ستارمر والغضب تجاه النخب التقليدية والأحزاب الكبرى، استطاع حزب “إصلاح المملكة المتحدة” أن يستغل الظروف لصالحه ويقدّم نفسه البديل الأكثر وضوحا وحسما.
وقد نجح الحزب بقيادة بقيادة زعيمه نايجل فاراج في استثمار المخاوف المتعلقة بالهجرة وتراجع الهوية الوطنية والأوضاع الاقتصادية، وهي الملفات التي يشعر الكثير من الناخبين بأن حزب العمال والمحافظين أخفقا في التعامل معها.
ويؤكد حزب “إصلاح المملكة المتحدة” أن هدفه يتمثل في تعزيز سيادة القانون عبر منح الأولوية للسيادة البرلمانية، وتقليص معدلات الهجرة، والحد من نفوذ الهيئات الدولية.
قد لا يفقد حزب العمال مكانته السياسية بعد التقدم الذي حققه حزب “إصلاح المملكة المتحدة”، أن الوقت ما يزال مبكرا للقول إن الأخير سيصل للسلطة، وحتى لو لم ينجح حزب فاراج في حسم الانتخابات العامة المقبلة، فإنه قد يزداد قوة في الحياة السياسية، على غرار حزب مارين لوبان اليميني التجمع الوطني الذي أصبح أكثر حضورا بعد نجاحه في الانتخابات البلدية بفرنسا.
تحول سياسي
يعتقد متابعين للشأن السياسي داخل بريطانيا أن هذه النتائج تعدّ جزءا من تحول المشهد السياسي البريطاني وبداية نهاية فكرة الثنائية الحزبية التقليدية في البلاد واحتكار الحزبين (العمال والمحافظين) للحكم كما هو الحال في فرنسا وألمانيا وإيطاليا.
فالأحزاب اليمينية التي تعادي المهاجرين والمسلمين في تقدير كثير من المراقبين تلعب على وتر العواطف، لكن فوزها بالانتخابات المحلية لا يعني أنه ستحدد السياسات العامة للمملكة المتحدة، فضلا أن الناخبين “دأبوا على معاقبة الحكومة بالتصويت ضدها في الانتخابات المحلية”.
وقد حذرت تحاليل في الصحافة البريطانية من أن الأزمة الأعمق لا تتعلق فقط بالأحزاب أو القيادات، بل بتفكك البنية السياسية والاجتماعية التي كانت تقوم عليها الحياة الحزبية في بريطانيا.
وأشارت التحليلات إلى أن المجتمعات الصناعية القديمة التي كانت تشكل قاعدة صلبة لحزب العمال تتآكل تدريجيا، بينما تتغير خريطة الضواحي والمناطق الحضرية بشكل يجعل الولاءات الانتخابية أكثر سيولة وعدم استقرار.
ويرى كتاب أن المشهد الحالي ليس استبدالا سريعا لطبقة سياسية بأخرى، بل مرحلة طويلة من تفكك النظام الحزبي التقليدي الذي كان قائما على حزبين رئيسيين، لصالح حالة سيولة سياسية مفتوحة، وأن التراجع الحاد في حزب العمال يتزامن مع ضعف مماثل في حزب المحافظين مما خلق فراغا سياسيا استغله حزب الإصلاح.
وبالتالي فإن هذا التحول السياسي البريطاني يعكس مرحلة غير مسبوقة من التشظي الحزبي وإعادة تشكيل عميقة، إذ يمكن أن يوجّه بريطانيا نحو نظام سياسي أكثر تعقيدا، قد يضم خمسة أو ستة أحزاب مؤثرة بدلا من النظام الثنائي التقليدي، مما يجعل نتائج الانتخابات المستقبلية أقل قابلية للتنبؤ.
يتناقض اليوم انعدام الاستقرار السياسي مع الشعار البريطاني الشهير إبان الحرب العالمية الثانية “حافظ على هدوئك وأكمل”.
فمنذ عشر سنوات، وتحديدا منذ الاستفتاء حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، دخلت بريطانيا أزمة حكم مفتوحة بعد تعاقب ستّة رؤساء حكومات على المملكة المتحدة في تحوُّل لافت مقارنة بفترات سابقة عرفت استقرارا أطول، إذ شهد البريطانيون على مدى 37 عاما (بين 1979 و2016) خمسة رؤساء حكومات، من بينهم المحافظة مارغريت تاتشر التي بقيت في منصبها 11 عاما، والعمالي توني بلير الذي احتفظ بالسلطة عشر سنوات.
اضمحلال الزعامة
لطالما ارتبط المشهد السياسي في المملكة المتحدة بفكرة بقيادات وشخصيات سياسية كاريزماتية ثقيلة أثّرت في مجريات التاريخ العالمي ، حتى أصبحت الزعامة جزءا من هويتها ومؤسساتها العريقة ونظامها السياسي المستقر.
أما اللحظة الراهنة، فثمة شعور متزايد داخل بريطانيا وخارجها بأن البلاد لم تعد تنتج الزعماء الكبار بالمعنى التقليدي للكلمة، فالبلد الأوروبي العريق بدى حاضره مختلفا تماما، فالتغيير السريع لرؤساء الحكومات، والانقسامات الداخلية الحادة، وضعف الثقة الشعبية بالأحزاب، كلها مؤشرات على أن بريطانيا لم تعد قادرة على إنتاج الزعماء الكبار بالمعنى التقليدي للكلمة إذ هناك سياسيون وإداريون ومحترفون انتخابيون، لكن نادرا ما تظهر شخصية تمتلك ذلك المزيج القديم من الكاريزما، والرؤية الفكرية، والقدرة التاريخية على قيادة الأمة في لحظة تحول كبرى.
ربما لا تكون بريطانيا استثناءً كاملا، فمعظم الديمقراطيات الغربية تعاني أزمة مشابهة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وحتى الولايات المتحدة، أصبح من الصعب ظهور شخصيات تمتلك حضورا تاريخيا طويلا.
وبما أن التاريخ لا يتحرك بشكل خطي، والأمم غالبا ما تنتج قادتها الكبار في لحظات الأزمات الكبرى، فإن بريطانيا قد تواجه خلال العقود المقبلة تحديات اقتصادية أو اجتماعية أو جيوسياسية تدفع إلى ظهور شخصيات استثنائية قادرة على إعادة تعريف الدولة البريطانية.
لكن هذا يتطلب شروطا أعمق من مجرد وجود سياسي موهوب يحتاج إلى بيئة سياسية حية، وأحزاب تمتلك أفكارا واضحة، وإعلام أقل استهلاكا، ومجتمع يشعر بأن لديه مشروعا وطنيا جامعا.


أضف تعليقا