ثقافة رأي

برنامج مهرجان قرطاج الدولي الـ58.. تقليص في العروض لا يليق بستينية التأسيس!

صابر بن عامر

معتقلو 25 جويلية

كشف مهرجان قرطاج الدولي، مساء أمس الاثنين، خلال مؤتمر صحفي انعقد بحي المنازل الرومانية بقرطاج (الأحواز الشمالية لتونس العاصمة) عن ملامح دورته الـ58 التي تنطلق في الـ18 من جويلية الجاري وتتواصل حتى الـ17 من أوت القادم بالمسرح الأثري بقرطاج، متضمّنة 18 سهرة فقط، لمجموعة متنوّعة من الأسماء الفنية التونسية والعربية، مع غياب كلي للأسماء الأجنبية اللامعة في ستينية تأسيس أعرق المهرجانات العربية والإفريقية!

وصرّح المدير الفني للمهرجان الموسيقار التونسي كمال الفرجاني، وسط حضور إعلامي قياسي، بأنّ حفل الافتتاح سيكون مخصّصا لتكريم مسيرة نصف قرن من العطاء الموسيقي لابن المهرجان الفنان التونسي لطفي بوشناق، من خلال بادرة من نجليه عبدالحميد بوشناق في الإخراج وحمزة بوشناق في التصوّر الموسيقي.

فيما سيكون الاختتام مع المغنية السورية أصالة نصري، التي تعود إلى المهرجان الذي اكتشفها بعد 30 عاما من الغياب – مرورها الأول كان عام 1994- وفق تصريحه، والحال أنّها مرّت بقرطاج عام 2002؟

دورة تونسية-عربية بملامح دولية

ويشمل البرنامج مشاركة فنانين عرب، من أبرزهم العراقي كاظم الساهر، واللبناني وائل كفوري، والمصري حمزة نمرة، والمغربي أمين بودشار.

كما تعود النجمة التونسية نجاة عطية إلى المسرح الذي عرّف بها جماهيريا أواسط الثمانينات بعد غياب امتدّ لأكثر من عقدين، عبر سهرة خاصة في الـ13 من أوت القادم، احتفاءً بالعيد الوطني للمرأة التونسية.

وشدّد الفرجاني خلال المؤتمر الصحفي على أنّه رغم تقلّص عدد عروض المهرجان هذا العام، إلّا أنها -وفق توصيفه- تتميّز ببرمجة تُراوح بين الفنون الموسيقية وفنون الركح والفرجة من 11 بلدا، هي: تونس، المغرب، مصر، سوريا، العراق، لبنان، السنغال، فرنسا، إسبانيا، بريطانيا وجمايكا.

وذكر أنّ العروض التونسية تستحوذ على نصيب الأسد في الدورة المرتقبة بسبع سهرات، أي ما يعادل 39% من العروض، مقابل 6 سهرات عربية، و5 سهرات من بقية دول العالم.

كما أشار إلى أنّ جميع العروض الدولية وعددها 11 عرضا، حصرية، غير مبرمجة في المهرجانات التونسية الأخرى، بميزانية جملية لا تتجاوز 3 مليون و100 ألف دينار، للعروض كافة.

وأوضح الفرجاني أنّ تقليل عدد العروض إلى 18 سهرة فقط مقارنة بالدورات السابقة التي تراوحت بين الـ28 والـ32 سهرة، مردّه توجّه وزارة الشؤون الثقافية التي ركّزت على الكيف على حساب الكم.

كما أشار إلى أن ميزانية مهرجان قرطاج الدولي انخفضت بنحو 5% مقارنة بالدورة السابقة، لتصبح الأقل كلفة خلال الدورات الأربع الأخيرة.

في غياب فلسطين.. إلّا “ملصقًا”

ورغم غياب نجوم الفن الفلسطيني أو بعض رموز الغناء العربي المناصرين للقضية في زمن الإبادة الجماعية التي تتعرّض لها غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، حمل الملصق الدعائي الرسمي للمهرجان هذا العام علمَيْ تونس وفلسطين، وهو ما اعتبره الفرجاني تعبيرا عن التضامن مع الشعب الفلسطيني في محنته الحالية.

كما شدّد على أنّ القضية الفلسطينية ستكون حاضرة بقوة طيلة العروض، حيث سيتم بثّ أشرطة فيديو مناصرة لفلسطين وللمقامة في قطاع غزة خلال سهرات المهرجان، فهل هذا كاف؟

وحول غياب مارسيل خليفة، مثلا، عن الدورة رغم تداول اسمه بقوة في الكواليس وفي الإعلام، وهو صوت الثورة منذ عقود، أوضح الفرجاني أنّ “الاتصالات بمارسيل خليفة لم تتوقّف، وهي مستمرّة إلى الآن، وربما يكون ضيفا من ضيوف المهرجان”.. هكذا بعد أن أقفلت البرمجة نهائيا!

أين الدبلوماسية الثقافية؟

وإحياءً للذكرى 60 لتأسيس مهرجان قرطاج الدولي (1964-2024) اكتفت إدارة المهرجان بتجهيز معرض وثائقيّ يقع عرضه في الممرّ المخصّص للجمهور، على امتداد ليالي المهرجان، يتضمّن صورا ووثائق نادرة وأشرطة فيديو عن أهم الحفلات والفنانين الذين اعتلوا خشبة المسرح العريق.

كما سيتمّ إصدار كتاب مرجعيّ يوثّق ذاكرة هذه التظاهرة ويخلّد تاريخها، وهو ما يُحسب للقائمين على المهرجان.

عدا ذلك، فقد أكّد المدير الفني للمهرجان أنّ الفنانين العرب سجّلوا حضورهم في ستينية التأسيس بأسعار تفاضلية، لاعترافهم بفضل المهرجان على مسيرتهم الفنية.

فيما لم تنجح إدارة المهرجان في التفاوض مع عدد من النجوم الأجانب بسبب غلاء تكلفة العروض التي يتجاوز بعضها الـ400 ألف يورو، وفق تصريحه.

فهل هذا بعزيز على مهرجان اعتلت خشبته منذ تأسيسه عام 1964 أيقونات الفن العالمي على غرار شارل أزنافور، ويوسو ندور، وداليدا، وجيمس براون، ولويس أرمسترونغ، وراي تشارلز، وألفا بلوندي، وجو كوكر، وسيرج لاما، وإنديلا، وخوليو إغليسياس، وباتريسيا كاس، وياني، وجون ميشال جار، وإروس رامازوتي وغيرهم الكثير.. سيما أنّ المهرجان يحتفي هذا العام بستينية التأسيس!

فما ضرّ القائمين على المهرجان لو استقطبوا اسما لامعا فقط على غرار مغني الراب الأمريكي ماكليمور أو نجمة البوب البريطانية ذات الأصول الألبانية دوا ليبا، المتضامنَيْن دائما وأبدا مع القضية الفلسطينية، أو نجم من أصدقاء تونس الخلّص -من غير المطبّعين طبعا- فللدبلوماسية الثقافية دورها في مثل هذه الحالات، والحال أنّ إدارة المهرجان اتبعت هذا العام سياسة التقليص في العروض بموجب أو دونه.

لكن شتّان بين عرض يبقى في البال لسنوات، بل ولعقود من الزمن، وبين عروض مكرّرة وممجوجة حدّ الملل، في سنة التأسيس لمهرجان أسطوريّ حمل اسم مدينة التاريخ والحضارة “قَرْتْ حَدَشْتْ”؟