ثقافة رأي

“باب الرزق”.. في ميزة المغامرة بإعادة توزيع الأدوار والأسماء؟

صابر بن عامر

“باب الرزق” المسلسل التونسي المُنتهية أحداثه في العشرين من رمضان الجاري، يستقيم عنوانه تماما مع مقولة “أرزاق تُساق” من خلال إعادة اكتشاف أسماء مُكرّسة من خارج سجلّها المُتعارف عليه، وأخرى مُكتشفة للتوّ في تأسيس لمستقبل درامي لامع في المستقبل.

باب الرزق درامي أعاد الاعتبار إلى أسماء تمثيلية سامقة كاد يلفّها النسيان، أو بعبارة أدقّ كاد يُقصيها استسهال المخرجين المُستثمرين لنجاحات بعضهم في أدوار بعينها وبشخصيات مُكرّرة، لا تُضيف شيئا إلى رصيدهم، عدا مرور أسمائهم في شارة بداية أيّ عمل جديد لا غير، مع تغيّر اسم الشخصية المجسّدة لا أكثر، أما اللعب الدرامي فهو ذاته، رغم تغيّر اسم المخرج من مسلسل إلى آخر.

اكتشاف وإعادة اكتشاف

عادة مرضية باتت موسومة بها الدراما التونسية، وبعضا من صنّاعها الذين استمرؤوا نجاح بعض الشخصيات في أدوار بعينها، ليُكرّروا دعواتهم للأسماء ذاتها، ليس إيمانا منهم بقوّة التقمّص وعُمق الأداء، بل لعدم قُدرتهم على التغيير والتجديد والبحث عن بدائل تعبيريّة مُغايرة في البطل المُختار لأداء الشخصية المرجو تقديمها على الشاشة، بتعلّة “ضيق الوقت”، مُكتفين بأضعف أساسيات مهنة التمثيل، ألا وهي حفظ النص!

لكن ما يُحسب لـ”باب الرزق” ومخرجه الشاب هيفل بن يوسف، جرأته ومجازفته بتغيير جلد بعض الممثلين، بمنحهم فرصة تقديم شخصيات مختلفة من خارج صندوق العادي والمُعتاد والمألوف، لتأتينا أسماء بن عثمان المُضطربة والمُربكة، الباكية الشاكية في صمت، الشاردة والماردة في آن، عبر شخصية “نرجس” البعيدة كلّ البعد عن دور “دلندة” في السيتكوم الممجوج “شوفلي حل”، مُستعرضة بعضا من طاقاتها التراجيدية المكنوزة، لتغدو نجمة البطولات النسائية في “باب الرزق” دون مُنافسة.

والأمر ذاته انسحب على شريكها في “شوفلي حل” النجم كمال التواتي، الذي قدّم في “باب الرزق” واحدا من أقوى أدواره التراجيدية في الدراما التلفزيونية، عبر شخصية “الحاج الطاهر” بجميع تناقضاته وانفعالاته وتاريخه المُشين والمُهين لكل من حوله، أو من يعارضه في الرأي، وإن كان أقرب الأقربون إليه.

شخصية إشكالية تُبطن أكثر ممّا تُظهر، لتكون الشرّ المطلق في الظاهر والانكسار المُحدق في الباطن..

دور أخرج التواتي من القالب الأوحد الذي وضعه فيه مخرجي تونس -رغم اجتهاد بعضهم أحيانا (سوسن الجمني في “فوندو 1 و2” نموذجا)- والمتمثّل في المسؤول الطريف والحكيم الظريف، وإن تغيّرت مهامه من عمل إلى آخر، لكنّها تتشابه في الحركة والأفيهات، بل وحتى في طريقة النطق.

الأمر الذي جعل كمال التواتي، نجم الكوميديا التلفزيونية على مدار عقدين، هو نفسه تقريبا لفظا وحركة و”لازمات”، انطلاقا من “اضحك للدنيا”، مرورا بـ”الوتيل”، و”عند عزيّز”، و”شوفلي حل”، و”دار الوزير”، وصولا إلى “نسيبتي العزيزة”، و”بوليس حالة عادية”، و”سبّق الخير” و”سوبر تونسي”، بطابعهم الكوميدي الموغل في تكرار الشخصية ذاتها.

وما تقدّم ينسحب أيضا، على خالد هويسة، مع بعض الاختلافات، طبعا، فالأخير والذي تمّ حصره لعدّة سنوات في دور المحقّق عبر “ناعورة الهواء” و”شورّب”، أو رجل المخابرات في “مشاعر”، أو وكيل النيابة في “13 نهج غاري بالدي”، أو الحبيب الوسيم في أكثر من عمل تلفزيوني، يأتينا في “باب الرزق” بشكله الجديد، الأشبه برعاة البقر، وهو العائد إلى وطنه بعد غربة قسرية في بلاد “العم سام” دامت زهاء الـ23 عاما.

هويسة تماهى مع الشخصية المُركّبة دون إرباك، مُقدّما “سليم” الباحث عن حقيقة ماضيه في دوامة الإبهام، بسلاسة المتمكّن من آلياته الأدائية، بعيدا عن التشنّج والصراخ والمبالغة في اللفظ والحركة، وهو ما يُحسب لكاتب السيناريو محمد علي دمق ومخرج العمل هيفل بن يوسف اللذين راهنا في “باب الرزق” على الخرافة أصل الدراما، لتأتي القصة البطل الحقيقيّ للعمل.

الخرافة نجم العمل.. لولا!

الخرافة في “باب الرزق” -بما حوته من بداية وعقدة فانفراج، ثمّ عود على بدء، بطرح سؤال: من هو والد البطلة “عائشة”؟ تأسيسا لجزء ثان مُنتظر، يُواصل سرد الحكاية إلى النهاية في رمضان 2025- استطاعت بوصفها نجم المسلسل الأوحد، أن تُقدّم أسماء جديدة وأخرى أُعيد اكتشافها، على غرار الممثلة-المطربة أماني الرياحي (عائشة)، وعاطف بوزيد (منتصر) ومراد بن نافلة (عدّولة)، دون الاضطرار إلى الاستناد على الأسماء الرنّانة القادرة على تسويق العمل بفخامة الاسم، فقط.

ميزة أخرى تُحسب أيضا للسينارسيت محمد علي دمق والمخرج هيفل بن يوسف، بمجازفتهما بأسماء غير مُستهلكة أو مُهترئة.

فأتى عطاء الممثلين الآنف ذكرهم على قدر إيمان مؤلّف العمل ومُخرجه بهم.. سلسا، مرحا ومُبهرا، ليثبتوا من خلال “باب الرزق” أنهم جديرون باحتلال مكان ساطع في سماء الدراما التونسية.

والمطلوب ها هنا قليل من الاجتهاد في انتقاء الممثل المناسب للدور المناسب، بعيدا عن منطق “أحفظ نصّك وإيجا (وتعال)” أو الشليلية، اللذين أفقرا الساحة الدرامية في تونس من طاقاتها الإبداعية.

بقي أمران آخران، لا بدّ منهما قبل إنهاء هذه الورقة، مفادهما أنّ النص بكلّ ما حمله من تشويق وإثارة إلى آخر حلقة منه، عانى في أجزاء منه من التمطيط في سرد الأحداث المكتشفة ما قبليا أو إيحائيا، وهو ما أسقط بعض الحوارات في الرتابة، كما أنّ إطناب بطلته أماني الرياحي في الغناء بموجب أو دونه، أفقدنا لذّة الاكتشاف!