مدونات

انتقام في رأس السنة الميلادية

سمية المرزوقي

خلت الطرقات والأحياء من الحركة ليلة رأس السنة، وبدأ سكان بالتيمور بماريلاند الأمريكية أجواء الاحتفال بالمناسبة داخل البيوت. لكن أحد رجال الإطفاء المتطوّعين غادر بيته لتلبية نداء المركز الذي يعمل فيه.

قبل بلوغ المقر، تفاجأ بألسنة اللّهب تتطاير في الظلام في إحدى الغابات المتاخمة للطريق، فسارع بجلب قارورة إخماد الحريق من سيارته واقترب لاستجلاء الأمر، ليكتشف أنّه أمام اشتعال جسد بشري وسط الأشجار.

منذ الوهلة الأولى، بدا من المستحيل تحديد هوية الضحية، ولا وجود لمؤشّرات سوى أنّه من ذوي البشرة السمراء.

حذو الجثّة المتفحّمة، عثر المحقّقون على قارورة مواد سريعة الاشتعال، وهو ما يوحي برغبة الفاعل في التخلّص من الضحية بشكل سريع.

وعلى بعد أمتار تمّ اكتشاف قدّاحة يُرجّح أنّه تمّ استخدامها في إشعال النار، ومن ثمّة رميها بعيدا بعض الشيء عن مكان الجريمة.

استخرج رجال الشرطة قطعا من القماش الشمعي الذائب من تحت الجثة، ورجّحوا وجود شخصين متورّطين في ارتكاب الجريمة، لأنّ فردا واحدا لا يمكن أن يقدر على حمل الجثّة والمرور بها فوق الحاجز الحديدي المتاخم للطريق.

الصورة التقريبية تتحدّى النار

كشف الطبيب الشرعي أنّ الضحية قد تعرّض لطلق ناري بثلاث رصاصات اخترقت الجمجمة. وكشفت الفحوصات أنّ الرئتين كانتا خاليتين من أيّ آثار لاستنشاق كربون الحريق، وهو ما يدلّ على أنّ الضحية قد قُتل قبل اندلاع النار.

بدا من البديهي أنّ القتيل قد قُيّد من اليدين والرجلين، ثم تمّ حرقه لطمس هويته وعدم التعرّف إليه. لذلك لم يجد المحقّقون مفرّا من رسم صورة بيانية للضحية اعتمادا على المعلومات القليلة التي بحوزتهم.

فالرصاصات التي اخترقت جمجمة الضحية خرّبت كل أسنانه، ولم ينج وجهه الذي تعرّض شطره لحروق بليغة، بينما انتفخ الشطر الثاني جراء ارتفاع الحرارة.

ومن حسن الحظ، كانت الجمجمة في حالة جيّدة، ممّا ساعد الشرطة على تحديد حجم الجبين والخدود وطول الفكّ وعرضه.

وبقيت بعض الملامح سليمة ممّا سمح لأحد المفتّشين برسم صورة مشابهة للشكل الحقيقي للقتيل، بعد الانكباب على العمل لمدة يومين.

قال المحقّق مايكل كونسيغليو لوسائل إعلام أمريكية: “استمرار النيران لمدة 15 دقيقة إضافية، كانا كفيلا بمسح كل الآثار والملامح”.

وزّعت الشرطة الصورة التقريبية للضحية على كل وسائل الإعلام بالمنطقة، بحثا عن شهود أو أيّ معلومات جديدة.

هوية الضحية

بعد مرور 3 أيام على نشر الصورة التقريبية، اتّصلت فتاة من بنسلفانيا بالشرطة لإخبارها بأنّها تعرف هوية صاحبها، وهو صديقها واسلي برسن ذي الستة والعشرين سنة. وأكّدت أنّه كان يرتدي عادة قرطا في أذنه اليسرى.

لم يكن واسلي غريبا عن الشرطة، التي كانت تحقّق في تورّطه في قضية مخدّرات منذ ستّ سنوات.

لكن عند فحص بصماته في محاولة لمطابقتها مع ما لديهم في السجّلات، تبيّن أنّ جميع أصابعه تضرّرت من النيران، ما عدا إصبعين فقط بقيت عليهما بعض بصمات جزئية ظلّت محمية بالقماش الذي لُفّت فيه الجثّة، والذي لم يحترق كلّه.

ونجح المحقّقون بذلك في الكشف بشكل قاطع عن هوية القتيل، والتأكّد من أنّه واسلي برسن. لكن بقي عليهم الآن تحديد اسم الفاعل، وقبل ذلك ينبغي في البداية معرفة مكان ارتكاب الجريمة.

كشفت التحريات أنّ قريب واسلي كان آخر من شاهده حيّا. وباستنطاقه، لم ينكر ذلك، وأخبر الشرطة أنه ذهب برفقته لشراء بعض المقتنيات الخاصة بالاحتفال برأس السنة، ولفت إلى أنّه لاحظ وجود مبالغ مالية كبرى بحوزة الضحية، آنذاك.

وبمجرّد الانتهاء من تبضّعهما، أكّد قريبه ستيفن وايكلين أنّه تركه رفقة أشخاص لا يعرفهم. وشعر في تلك الليلة أنّ هناك بعض التوتّر بين واسلي وصديقيه.

ظلّ ستيفن يراقب عن بعد حتى يمنع اندلاع أيّ شجار بينهم، لكنّهم سرعان ما صعدوا إلى السيارة وغادروا سريعا.

ولم يظهر واسلي حيّا منذ تلك الليلة. وتمكّن المحقّقون من معرفة الشخصين اللّذين تحادثا مع الضحية في ذلك الوقت وهما جاستين غلوفر ولورنس مورال.

أنكرا أنّ لهما أيّ ارتباط بمقتل صديقهما واسلي، وأكّدا أنهما أوصلاه إلى بيته، ثم لم يلتقيا منذ ذلك الوقت.

عند تفتيش بيت واسلي، وجدت الشرطة كل المقتنيات التي اشتراها، وهو ما يؤكّد أنّه قد عاد فعلا إلى بيته تلك الليلة.  

كما تحقّق المفتّشون من خلو بيته من أيّ آثار للدماء، وهذا يعني أنّه لم يُقتل هناك. وتمّ فحص سيارة مورال التي صعد واسلي على متنها. لكن لا وجود لآثار إطلاق النار أو الدماء.

في تلك الأثناء، اكتشف الطبيب الشرعي وجود بعض مكوّنات البناء، التي لم تصلها النيران، على أطراف القماش الشمعي الذي لُفّت به الجثّة.

المكونات كانت لحطام جدار ملوّن وبعض الجصّ. وما لفت انتباه المحقّقين وجود خيط يخترق هذه المكونات.

وبمجرّد عرض الخيط على الفحص المخبري، اكتشفت الشرطة أنّه وبر حيوان. وهي عادة قديمة كانت تُستخدم قبل فترة الأربعينات، حيث كان الناس يعمدون إلى وضع وبر الحيوانات لتقوية تركيبة الجص وجعلها متماسكة أكثر.

ويشير ذلك إلى فرضية ارتكاب الجريمة داخل مبنى بُني قبل الأربعينات. لكن هذا النوع من المباني يعدّ بالآلاف في تلك المنطقة.

وبالعودة إلى المعلومات التي قدّمها قريب واسلي، بحث المفتّشون في سرّ حمله مبالغ ضخمة، وهو العاطل عن العمل. واكتشفوا أنّ واسلي وصديقيه كانا محلّ تحقيق عن تورّطهم في تدليس وثائق للتمتّع بقروض بنكية، وصلت إلى حدود 120 ألف دولار خلال سنتين.

البيت القديم يبوح بأسراره

رغم توفّر الدافع وعدد من المعلومات الجدية عن تورّط لورنس وجاستين في مقتل صديقهما واسلي، أصرّ رجال الشرطة على البحث عن دليل دامغ يقنع هيئة المحلّفين بما لا يدع مجالا للشكّ.

وتمكّن المحقّقون من التوصّل إلى معلومة بالغة الأهمية، وهي أنّ لورانس مورال يقوم بشراء البيوت القديمة ويعيد بناءها حتى يبيعها بسعر أكبر.

وتعدّ هذه التفاصيل مهمّة لارتباطها بالقماش الذي لُفّت به جثة واسلي، والذي يُستخدم عادة في مواقع إعادة البناء.

لذلك سارعت الشرطة بمعاينة البيوت التي كان مورال يشرف عليها وقت ارتكاب الجريمة. وكان تاريخ تأسيس أحد هذه البيوت يعود إلى سنة 1930.

وثبت تطابق الجص والمكونات الكيميائية لدهن الجدران، مع العيّنات التي استخرجتها الشرطة من القماش العالق بظهر الضحية.

وعلاوة على كل ذلك، تمّ العثور على عيّنة من دم واسلي أسفل البيت القديم. ولم يبق سوى إثبات وجود مورال وغلوفر في المكان ذاته الذي تمّ فيه ارتكاب الجريمة.

رغم إصرار الصديقين على امتلاكهما حجّة غياب عن مسرح الجريمة، فإنّ الشرطة تمكّنت من رصد أثر الهاتف الجوال قرب المكان الذي احترق فيه جسد واسلي بدل وجودهما في مكان آخر مثلما ادّعيا.

وبعد عشرة أسابيع عن مقتل واسلي، تمّ القبض على صديقيه ووجّهت إليهما تهمة التآمر والتخطيط والتنفيذ بشكل رسمي.

وتوصّل فريق المحقّقين إلى أنّ الدافع الحقيقي للجريمة، هو عدم تمكّن مورال وغلوفر من استلام نصيبهما من القرض البنكي.

فشل الصديقان في الإفلات بفعلتيهما، ووجّهت إليهما المحكمة تهمة القتل العمد، وحوكما بالسجن المؤبّد دون الحقّ في التمتّع بالسراح المشروط.