اليونسكو يحذر من التلاعب الرقمي

اليونسكو
أصدر كرسي اليونسكو للبيانات والإعلام والمجتمع بجامعة كارولينا الجنوبية تقريرا بحثيا معمقا بعنوان “تمكين الفظائع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والسودان”، يكشف عن وجود بنية تحتية رقمية ضخمة ومنسقة تستخدم للتلاعب بالرأي العام.

يحلل التقرير كيف تعمل جيوش إلكترونية تتجاوز 27 ألف حساب وهمي على غمر الفضاء الرقمي بسرديات موجهة في السودان والشرق الأوسط، محذرا من أن هذه العمليات لا تكتفي بتغيير الوعي، بل تساهم في تبييض الفظائع وقتل فرص المساءلة السياسية والحقوقية.

آليات التلاعب الجيوسياسي والأدوار الإقليمية

يوضح التقرير أن الفضاء الرقمي في المنطقة تحوّل إلى ساحة تنافس محموم بين قوى إقليمية تستخدم “الدعاية الحسابية” كأداة أساسية لسياستها الخارجية.
تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة لاعبا إستراتيجيا يستخدم “الاستبداد الرقمي المعتمد على الاستعانة بمصادر خارجية”، حيث تستخدم شبكات ذات بنية خلوية معقدة لترويج سرديات تدعم قوات الدعم السريع في السودان، وهو دعم يربطه التقرير بمصالح اقتصادية تضمن دمج هذه القوات في “اقتصادات الأمن الخليجية” وتسهيل تصدير الذهب عبر دبي لحماية استثمارات إقليمية.
وتلعب المملكة العربية السعودية دور الشريك في هندسة الدعم السياسي والعسكري لأطراف الصراع في السودان، حيث تعتمد تكتيكاتها على إغراق الفضاء الرقمي بالحسابات المنسقة لجعل الحوار العام مشوشا، مما يحمي الأجندات السياسية من النقد الشعبي ويطمس الحقائق حول الفظائع المرتكبة.
وفي السياق ذاته، تعمل مصر كقوة تمتلك ترسانة رقمية مركزية تُدار بعقلية أمنية، حيث تستخدم التقنيات للتتبع والتحجيم الرقمي للمعارضين والصحفيين، وضمان عدم خروج السردية السياسية في دول الجوار عن إطار “الدولة القوية” لضمان استقرار الأنظمة المتحالفة.
أما بالنسبة إلى إيران وتركيا، فتعتمد إيران على الأدلجة العابرة للحدود عبر بناء هوية رقمية قائمة على خطاب “المقاومة” لحشد الدعم لميليشياتها، بينما تستخدم تركيا براغماتيتها الرقمية لترويج نموذج “القيادة الوطنية” ودعم أطراف حليفة في ليبيا والمشرق العربي من خلال حملات وسم منسقة توهم الجمهور بوجود إجماع شعبي.
وتتصدر إسرائيل المشهد كـ”مزود تكنولوجي للقمع” من خلال تصدير برمجيات التجسس المتطورة مثل “بيغاسوس”، التي تمنح الحكومات سلطة مطلقة لمراقبة الناشطين والصحفيين، مما يجعلها أداة أمنية مباشرة تفوق في خطورتها الحملات الإعلامية.

تونس وليبيا: ساحات اختبار النفوذ الرقمي

يؤكد التقرير أن تونس وليبيا تعدّان من أكثر المناطق استهدافا بالحملات العابرة للحدود ضمن المنطقة، حيث تستخدم كساحات اختبار لإعادة تدوير السرديات المؤدلجة.
في ليبيا، تعد الساحة الأكثر تعقيدا، حيث توظف الشبكات الرقمية لتضخيم صور “الانتصارات العسكرية” التي تحققها قوات المشير خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي، وذلك عبر حملات تضليل ممنهجة تهدف إلى تأجيج النزاع الميداني وتصوير التوسع العسكري كحاجة وطنية.
وتكشف المعطيات عن استخدام هذه الجيوش الإلكترونية الترويج للسرديات الداعمة لشرعية حفتر وتشويه خصومه في الغرب الليبي، مع التركيز على خلق انطباع بوجود دعم شعبي واسع لسياسات السلطة في الشرق الليبي، مما يساهم في إطالة أمد الانقسام السياسي.
أما في تونس، فتهدف الحملات إلى تطويع الوعي العام عبر ضخ معلومات مضللة تستغل حالة السيولة السياسية في البلاد، حيث تسعى هذه الجيوش إلى توجيه البوصلة السياسية نحو الاصطفاف مع محاور إقليمية معينة، عبر نشر أخبار كاذبة تستهدف استقرار الدولة ومحاولة دفع الرأي العام الافتراضي نحو تبني أجندات القوى التي تدير تلك الحسابات.

التحذير من تسميم الحقيقة بالذكاء الاصطناعي

يختتم التقرير بتحذير تقني خطير من أن هذه الشبكات بدأت بدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي لخلق شخصيات وهمية يصعب تمييزها عن البشر. هذه التقنية لا تهدف فقط لنشر الأكاذيب، بل لتسميم نماذج اللغة الكبيرة، مما يضمن أن تصبح الدعاية المضللة هي المرجع الافتراضي للمستخدمين عند بحثهم عن المعلومات.
هذا التلاعب يجعل من الحقيقة مصنعة وغير قابلة للتحقق، مما يهدد بنسف أسس الصحافة المستقلة ويغلق أي مساحة للحوار الديمقراطي في المنطقة، محولا التكنولوجيا من جسر للتواصل إلى أداة لترسيخ الاستبداد الرقمي.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *