اليوم الوطني لإلغاء الرقّ في تونس: تاريخ كلّل ريادة التجربة التونسية وعراقة مبادراتها الحقوقية
tunigate post cover
تونس

اليوم الوطني لإلغاء الرقّ في تونس: تاريخ كلّل ريادة التجربة التونسية وعراقة مبادراتها الحقوقية

2021-01-23 16:59

لحظة تاريخية فارقة وصفحة حضارية مُشرقة، سجّلت ريادة تونسية عربية وعالمية في سفر حقوق الإنسان، رسّخت قيمة الحرية والمساواة، ومنهية بذلك قرونا من ممارسات الاستعباد والاسترقاق.

23 جانفي 1846 تاريخ تأخّر الاحتفاء به رسميا، وتدوينه ضمْن قائمة الأيام الوطنية عقودا طويلة منذ الاستقلال، حتّى كاد بريقه يخبو ورمزيته تضيع بين زحام التقلبات السياسية التي عاشتها تونس منذ الثورة.

أعادت مبادرات حقوقية وتشريعية متنوعة مكانة هذا الحدث التاريخي، وكلّلت بإصدار قانون مكافحة الاتّجار بالبشر سنة 2016، الأمر الذي مثّل دافعا للرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي لتخليد الذكرى سنة 2019 بإعلانها يوما وطنيا لإلغاء العبودية والرق، مختزلا مسارا حقوقيا وإصلاحيا بدأ منذ منتصف القرن التاسع عشر.

منظمة اليونسكو كانت السباقة لتدوين التجربة التونسية في إلغاء العبودية قبيل اعتماده وطنيا منذ 2017، وذلك عبْر تسجيله رسميا في سجل “ذاكرة العالم” بما مثّل اعترافا ببُعدها التشريعي والحقوقي والاجتماعي، وإجماع اللجنة الاستشارية للمدونة على طابعها الإنساني.

ما يزال المسار التونسي مستمرا بعد 175 عاما على إلغاء الظاهرة بهدف القطع مع بعض المظاهر الاجتماعية والسلوكات العنصرية المرتبطة بإرث ثقافة العبودية، وهو ما تجسّد في حُكمٍ قضائيٍّ صدَر في أكتوبر الماضي ويقضي بحذف كلمة “عتيق” من لقب مواطن تونسي ووثائقه، والتي تُشير إلى أصول العائلة التي كانت مُستعبدة، قبل أنْ تحمل كنية أسيادها السابقين الذين اعتقوها.

إعادة الاعتبار لمسار تاريخي إصلاحي

لم يكن صدور مرسوم إلغاء الرق وتحرير العبيد في تونس في الثالث والعشرين من جانفي 1846، سوى استكمالا لمسار مرحلي انتهجه المشير أحمد باي لإنهاء هذه الظاهرة، ضمْن مشروع لتحديث البلاد على المستوى الثقافي والاجتماعي.

ويُجمع المؤرّخون الغربيّون على اعتبار المرسوم التونسي علامة تاريخية فارقة وتقدمية، مقارنة بعصرها وسابقة لعديد من الأمم المتحضّرة على غرار فرنسا وكذلك الولايات المتحدة.

 أرّخ المصلح والوزير أحمد بن أبي الضياف في مؤلفه “الإتحاف”، لتفاصيل التجربة التونسية وظروفها والعوامل التي أسهمت في تشكّل هذا القرار لدى المشير أحمد باي، والذي اشتهر بنزعته الإصلاحية وانفتاحه على قيم النهضة الأوروبية على المستوى السياسي والفكري.

ترسّخت الفكرة لدى الباي التونسي المصلح بحسب ما يذكره ابن أبي الضياف، انطلاقا من تأثّره بالحملة التي تزعّمتْها بريطانيا منذ سنة 1839 لإلغاء الرّقّ، وتحوّلت إلى مشروعٍ اختمرتْ تفاصيله في النقاشات مع العلماء والمفكّرين والوزراء الذين تداول معهم الفكرة، “انطلاقا من ميْله إلى الرأي القائل بأنّ الحضارة أساسها الحرية، ولأنّه لم يكُن يمارس الرّقّ في بلاطه”.

ويذكر ابن أبي الضياف أنّ القنصل البريطاني عندما زار الباي في أفريل 1841 للترويج لفكرة تحرير العبيد، دُهش من عدم وجود أيّ مظْهرٍ للرّقِّ بالقصر انطلاقا من قناعة المشير بالفكرة.

انتهج الباي أسلوب التدرّج في اجتثاث العبودية لاقتناعه بعدم إمكانية القضاء على هذه الظاهرة في وقت وجيز، وضرورة اعتماد المرحلية لتهيئة المجتمع للتخلّص من ثقافة الاسترقاق وملك اليمين، والتي تكرّستْ طوال قرون نتيجة ممارسات ثقافية واقتصادية وقراءات معينة للنص الديني.

في السادس من  سبتمبر 1841 أصدر أحمد باي أمرا يقضي بمنْع الاتّجار في الرقيق واستيرادهم وبيْعهم في أسواق تونس، كما أمر بهدْم الدكاكين التي كان يُباع فيها العبيد بسوق البركة بالمدينة العتيقة، ثمّ جاءتْ المرحلة الثانية بعد هذا القرار بعام وبضعة أشهر وتحديدا في ديسمبر 1842، بإصدار أمر عليٍ يعتبر كل من يولد بالتراب التونسي حُرّا لا يُباع ولا يُشترى، ما أسهم في إنهاء مُعضلة توارث العبودية بين العبيد وأبنائهم، قبل أنْ يُصدر المرسوم النّهائي في 1846 ليقضي بعتْق جميع العبيد في المملكة وإبطال العبودية نهائيا.

ويُجمع الباحثون المعاصرون على الدوْر الطليعي الذي لعبه رجال الدين من خلال قراءتهم وفتاويهم واجتهاداتهم التي عُدّت سابقة لعصرها، في الترويج لإلغاء العبودية وتقبلّها اجتماعيا، حيث أصدر كل من شيخ المالكية وباش مفتي الحنفية فتاوى تقطع بشرعية القرار وتضفي عليه بعدا دينيا.

عندما استنجد لينكولن بالتجربة التونسية

تحوّل إنهاء العبودية في تونس إلى حدَثٍ تجاوز إطاره المحلّي، وتناقلتْ أصداءَه بين العالم الإسلامي والغربي، ليتحوّل إلى نموْذجٍ مُلهمٍ ومثالٍ يُحتذى، دفعتْ الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن إلى الاستئناس بالتجربة التونسية سنة 1862 بعد 16 عاما من تطبيقها.

كان قرار لينكون بإلغاء العبودية مثار انقسامات سياسية واجتماعية واسعة مهّدت للحرْب الأهلية في البلاد بعد دخوله حيّز التنفيذ في جانفي 1863، ما دفعه لمراسلة الحكومة التونسية للتّعرّف على أبعاد المقاربة المتعلّقة بإلغاء الرّقّ ومنافع قانون منْع العبودية بهدف الاستفادة منها وتوظيفها كسنَدٍ فِكْريٍّ في تسويق مشروعه.

إجابة على الطلب الأمريكي بعَث الجنرال حسين أحد أبرز رواد التيار الإصلاحي الوطني في القرن التاسع عشر، وأول رئيس لبلدية الحاضرة بعد تأسيسها رسالة إلى لينكولن عبْر القنصل أموس براي، قدّم فيها سردًا لمراحل إلغاء العبودية في تونس وفلسفتِها الاجتماعية والإنسانية مُستشهدا بآيات قرآنية في السياق.

فسّر الجنرال حسين قرار الحكومة التونسية بمنْع العبودية، انطلاقا من مقاصد الشريعة الإسلامية التي تعتبر أنّ الأصل في الإنسان هو الحرية وأنّ الرق طارئ عليه.

بعد إطلاعه على الرسالة أمر أبراهام لينكولن بإعادة طبْعها بالكامل ونشْرها، لتتحوّل إلى مادّةٍ لنقاشٍ واسعٍ على أعمدة الصُّحُف الأمريكية.

وتحتفظ مكتبة جامعة هارفارد حتّى اليوم بنسخة نادرة من رسالة الجنرال حسين مطبوعة في كُتيِّبٍ صغيرٍ، يُعتبر شاهدا على الريادة الإنسانية لتونس ومبادراتها التي مثّلتْ قُدوةً لكثيرٍ من الشعوب والحضارات.

ابراهام لينكولن#
احمد باي#
اليوم الوطني لالغاء العبودية والرق#
مرسوم الغاء الرق#

عناوين أخرى