رأي عرب مدونات

اليوم الثاني للهدنة.. غزة تلملم جراحها والضفة تفرح بـ”استحياء” بِحريّة أسيراتها

أنيس العرقوبي

لأول مرة منذ سبعة أسابيع، لا يفيق الغزاويون على أصوات القذائف وضجيج جنازير الدبابات وهدير الطائرات المغيرة بعد ليلة نصف هادئة لا تفسدها سوى الذكريات الأليمة والجدران المتهاوية والأهل الذين رحلوا دون وداع أخير.

غزة تلملم جراحها

تبحث الطفلة وسط الركام عن صندوقها الصغير الذي تضع فيه حليّها وبعض الصور، فيما يربش والدها والجيران التراب لانتشال بعض المفقودين الذين تعذّر إخراجهم في الأيام القليلة الماضية بسبب الاستهداف الإسرائيلي المتواصل برا وجوا وبحرا.


ويجلس رجل عجوز لا يقدر الوقوف على قدميه فوق قطعة خرسانة متّكئة فوق الركام كانت بالأمس أساسا لمنزله المنهار، يراقب كل ركن فيه وهو يتخيّل امرأته التي استشهدت في غارة جبانة تجوب البيت ذهابا وإيابا كلها عزم ونشاط.


في المنزل المجاور، تنفض امرأة في مقتبل العمر غطاء تكاد تظهر زينته من كثرة غبار الناجم عن القصف وانهيار الحيطان، تقفز متخطّية الجدران المتهاوية والسقف القابع على الأرضية محاولة ترتيب بيتها الذي كان.


يقول العقل كيف يرتّب بيت سويّ بالأرض؟ فتجيبه حركاتها بأنّ فن البقاء لا يعرفه إلّا أهل غزة وما تمسّكهم بالمنازل المتهاوية إلّا جهاد ورثوه أبا عن جد.


وأمام مستشفى خرج عن الخدمة بعد قصف أقسامه الرئيسية وإجلاء المرضى منه بالقوة، يقف طبيب بدا السواد محيطا بعينيه من أثر الإرهاق ونقص التغذية مذهولا متردّدا لم يعرف بعد أيّ الاتجاهات يسلك يمينا أو شمالا.. يعود إلى منزله ليرتاح قليلا، ثم يتذكّر أنّ لا مكان يأوي إليه فكل الأبنية سُوّيت بالأرض.


يمشي خطوة ويتوقّف وعيناه مدمعتان وقد تذكّر أنّ أسرته المكوّنة من زوجته وولديه استشهدت في القصف الإسرائيلي الغاشم، كأنّي به يقول: “يا رب لك الحمد على كل شيء ولكن أرشدني إلى أين المسير؟”.

يعود بذاكرته وهو يجول بناظريه في المكان -دمار هائل وركام كالجبال التي دكّت فجأة- مرضى يصيحون في أروقة المستشفيات وجعا وجرحى بانتظار التدخّل الجراحي العاجل وشهداء لم يسعفهم الحظ في الوصول إلى مرقدهم الأخير فدفنوا في محيط المرفق الصحي، وقصف من كل صوب وحدب يروّع أطفالا لا أهل لهم.


تنجلي الغمامة جزئيا فيقرّر الانتقال إلى مستشفى آخر يسند زملاءه المرهقين ويطبب من مازال به ألم.. أخيرا وجد طريق المسير.


في الشارع المقابل الذي يضج بالحركة، عربة يجرّها حمار تحمل أمتعة لأسرة عائدة إلى حيها رغم تحذيرات المحتل ورصاصه المحذّر، ورجل يحمل ابنته على كتفيه وصرّة أخذها معه على عجل يمشي هرولة يريد الالتحاق بباقي أسرته التي تجمّعت حول ركام بيته ونصبت خيمة.


وفي الشارع ذاته، عادت بائعة الحلوى تعرض على المارة طبقها الزهري رغم ألم الفراق بعد استشهاد عائلتها، ترسم ضحكة كلما استبشر لها وجه أحدهم سواء ابتاع منها أو مسح على شعرها الأصفر المتجعّد.


في غزة، لن يكون مصير بائعة الحلوى الجميلة كبائعة الكبريت في أوروبا التي ماتت بردا وجوعا، فهي ابنة شهيد وشهيدة تأكل مما يأكل أهل القطاع وتلبس مما يلبسون وتفترش فراشهم وتقتسم طعامهم بل قطعا تسبق أطفالهم في العطايا والهدايا.


تنفلق الظلمة في غزة شطرين فيخرج نور المارين في الشوارع المغبرة كأنّ الحياة بعثت فيهم من جديد وألسنتهم تردّد: “اقتلونا واقصفونا أو اصلبونا لكنم لن تُفنوننا.. خبرنا البقاء وأساليبه وهذه الأرض لن ترضى بغيرنا على ظهرها نحن منها وهي تعرفنا”.

في غزة، تتشابك القصص الإنسانية فلا تدري أيّهما تنقل قصة أم زياد أو عاتكة التي فقدت كل أولادها أو غيث العروس الجديد، فلكل مار في الشارع حكاية مؤلمة وألم مدفون مروّع ينتظر البوح ولكنه لا يثق في الكلمات.


مشاهد الشهداء الممدة في الشوارع والمستشفيات التي تقشعّر لها الأبدان وتهتز لها الأفئدة قد لا تنقشع بسهولة من مخيّلة أطفال غزة الذين يعانون أصلا من نقص في الغذاء والملابس وكل المرافق الحياتية الضرورية، لكن الهدنة المؤقتة أعطتهم فسحة لجمع قواهم المنهارة وشتات أفكارهم المبعثرة، فانطلقوا إلى شاطئ البحر في مدينتي دير البلح وخان يونس لعل آفاقه الممتدة تمسح تلك الصور الشنيعة.

في منطقة الألعاب على الشاطئ، أطلق الأطفال العنان لسيقانهم الصغيرة- التي كانت محاصرة بين جدران الخوف- ركضا وقفزا بحثا عن ساعات للترفيه والمتعة رغم اشتيقهم إلى النوم الهانئ العميق الذي قطعه العدو الصهيوني بآلات قتله الهمجية.


الضفة.. بين الفرح والحزن

بين غزة والضفة روابط تكسر كل الحواجز التي يصنعها الكيان الإسرائيلي وسلطة رام الله بقيادة محمود عباس، يتوجّع أهل غزة فيألم أهل الضفة والعكس صحيح أيضا وهو أمر أكّدته مخرجات اتفاق الهدنة الأخير الذي بموجبه اشترطت حركة حماس خروج الأسيرات والأسرى الصغار وأكثرهم من خارج قطاع غزة.

غابت دموع الفرح من مقلة المفرجين عنهم في الضفة الغربية وعوّضتها دموع الألم والقهر لاستشهاد نحو 15 ألف فلسطيني من القطاع في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.


وعبّرت الأسيرة المحررة فاطمة شاهين (مخيّم الدهيشة في بيت لحم) على استحياء عن سعادتها بالإفراج عنها، لكنها في المقابل كشفت عن حزنها الشديد للخسائر الكبيرة التي لحقت بغزة خلال العدوان على القطاع.


وفاطمة شاهين هي أسيرة فلسطينية جريحة، أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي النار عليها في 17 أفريل 2023، واعتقلتها بدعوى تنفيذ عملية طعن في “غوش عتسيون” بين الخليل وبيت لحم، وهو ما أدّى إلى إصابتها بإصابة خطيرة جعلتها على كرسي متحرّك.


أما والد الأسيرة المحرّرة فاطمة عمارنة فعبّر عن دعمه وامتنانه لغزة بطريقته الخاصة، وقال :“ليس عندي أيّ مظاهر احتفال ولن أرقص على دم إخواني في غزة.. كل الأسرى أولادنا وتاج رؤوسنا، وأهل غزة أهلي وإخواني المسلمين”.


وفي مشهد آخر يدلّ على الترابط والامتنان لغزة، هتفت الأسيرة المحرّرة روضة أبو عجمية للمقاومة الفلسطينية وقائد كتائب القسام محمد الضيف لدى وصولها إلى مخيّم الدهيشة في بيت لحم.


وكانت الاحتفالات عمّت مدن جنين ونابلس والقدس وبيت لحم وغيرها، حيث وُزّعت الحلوى وأطلق الشبان الألعاب النارية، رغم محاولات قوات الاحتلال منع مظاهر الاحتفال بتحرير الأسرى ضمن صفقة التبادل بين الكيان وحركة حماس.


وردّدت الحشود هُتافات تحيي غزة وأهلها، كما هتفوا لرئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار، حيث قال بعضهم “روّحت الحرة على الدار، يديم عزك يا سنوار” و”الشعب يريد كتائب القسام”، وظهرت أعلام حركة حماس في الحافلة بيد الأسيرات، فيما هتف الحاضرون لدى وصول المفرج عنه بكلمات معبّرة عن شكر المقاومة من بينها؛ “شكرا شكرا يا غزة”.

https://twitter.com/TurkiShalhoub/status/1728123064477708481

وقالت الفلسطينية المحرّرة حنان البرغوثي إنّه “لولا المقاومة ما رأينا الحرية”، مشيدة بالفصائل الفلسطينية، وذلك بعد الإفراج عنها من السجون الإسرائيلية، الجمعة، في إطار اتفاق تبادل أسرى وهدنة إنسانية مؤقّتة.


 وأضافت: “حريتنا بوجودهم، وعزتنا بوجودهم، ورفع رؤوسنا بوجود المقاومة، ولولا المقاومة ما أطلق سراح أسير”.


وردّدت البرغوثي وحولها جمع من الفلسطينيين المحتفلين بخروج الأسرى، شعارات تدعم فصائل المقاومة. وقالت: “هيه هيه هيه.. كتائب قسامية (في إشارة إلى الذراع العسكرية لحركة حماس)”.

من جانبها، قالت الأسيرة المحرّرة سارة عبد الله من نابلس، وهي المحكوم عليها بالسجن 8 سنوات، “شكرا لحماس التي أخرجتني وأرسل حبي وقبلاتي للحركة”، مضيفة: “قائد كتائب القسام محمد الضيف وقائد حركة حماس في غزة يحيى السنوار وقفوا معنا وفي صفنا”.


تسطع الأضواء في الضفة الغربية بعد الإفراج عن الأسرى رغم الظلام الذي يخيّم على القطاع بفعل الحصار والقصف، فيما تؤكّد المقاومة أنّ صدّ العدوان لا يقف عند حدود غزة بل يشمل كل الحدود الفلسطينية لا يستثني أيّ شبر من البلاد.