الهايكا تنتقد انجراف الإعلام التونسي وراء الاصطفاف السياسي
tunigate post cover
تونس

الهايكا تنتقد انجراف الإعلام التونسي وراء الاصطفاف السياسي

2021-09-14 17:28


إعلام أصيب بعلة الانحياز والانحراف عن الضوابط المهنية، ناقلا للصورة من وجهة نظر واحدة لا تعددية فيها، انطبعت معالمها بتوجيهات “السيد الرئيس” لتدور في فلك التعبير عن مواقفه وافكاره وتصريحاته، وكذلك المقربين منه أو المحسوبين على معسكره.

هكذا بدت مضامين وسائل الإعلام التونسية وتغطيتها منذ 25 جويلية/يوليو الماضي، بحسب تقرير أصدرته الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري “الهايكا” الاثنين 13 سبتمبر/أيلول، شمل عددا من الإذاعات والقنوات العمومية والخاصة.

عمليات الرصد والقياس، كشفت عن انعدام توازن وانحيازا فاضحا على مستوى التغطية الخبرية والحيز الزمني المخصص لبث مواقف القوى السياسية وتصريحاتها من مختلف الاتجاهات.

والتقرير تضمن إحصائيات صادمة، من بينها على سبيل المثال إتاحة القناة الوطنية الأولى مساحة زمنية لمناصري رئيس الجمهورية قيس سعيد بلغت 93 % مقابل 7 % فحسب لمعارضيه.

  كما بلغت الفترة المخصصة لبث تصريحات سعيد وأنشطته ومستشاريه على نفس القناة أكثر من 3 ساعات و20 دقيقة، مقابل 12 دقيقة للحكومة و6 دقائق فقط لرئيس مجلس النواب ونائبيه.

 الصورة ذاتها تتكرر في وسائل الإعلام الخاصة التي انجرفت بدورها بحسب المتابعين مع تيار الاصطفاف وراء رئيس الجمهورية، ضاربة عرض الحائط بأخلاقيات المهنة، ما يثير مخاوف من تبعات هذه الممارسات على استقلالية القطاع مستقبلا وسط تساؤلات عن العوامل التي خلفيات هذه الانزياح المهني الخطير.

الإعلام وتقاليد التأثر بالسلطة   

في قراءته لأبعاد هذا الاصطفاف الذي طبع أداء وسائل الاعلام التونسية، يرى الأستاذ صلاح الدين الدريدي الأكاديمي والباحث في علوم الاعلام والاتصال يعود إلى تقاليد التأثر بالسلطة المركزية التي تحملها المؤسسات الإعلامية التونسية، مبينا إلى أنه وعلى الرغم من مساحة التحرر المسجلة بعد الثورة، إلا أن ما حصل منذ 25 جويلية/يوليو كشف عن إعادة تكييف المشهد الإعلامي وفق الخط السياسي لرئاسة الجمهورية.

واعتبر الدريدي أن ما تضمنه التقرير يلتقي مع المخاوف الكامنة لدى قطاع واسع من الصحفيين بالمؤسسات الإعلامية سواء الخاصة والعمومية من توظيف الخط التحريري لخدمة أجندات سياسية معينة، وهو ما يجعلهم أمام مسؤوليات جسيمة للعمل على تصحيح هذا الانحياز والعودة إلى ضوابط التغطية المهنية.  

وبخصوص الانتقادات الموجهة للإعلام العمومي والتلفزيون التونسي، لاحظ الدريدي أن الإعلام العمومي كان طوال عقود في خدمة السلطة ومرتبطا بشكل عضوي بالدولة، مشيرا إلى أن ترسبات هذه العقلية بقيت حاضرة بعد الثورة منذ مرحلة الترويكا وصولا إلى اليوم، حيث كان القائمون على الإذاعة والتلفزيون التونسي يحاولان إيجاد توافق مع الموجودين في السلطة وبالتالي فما يحدث بعد 25 جويلية/يوليو هو استمرار لهذه الظاهرة.

وحذر الباحث التونسي في علوم الاتصال، أن الاستمرار في هذا “المسار الاصطفافي” لن يساعد على تطوير وسائل الاعلام، ويمكن أن يشكل ضربة لما تحقق طوال 10 سنوات من مكتسبات من حيث حرية التعبير.

وأرجع صلاح الدين الدريدي جانبا كبيرا من المسؤولية عن هذا الاصطفاف وعدم التوازن الى بعض المسؤولين عن المؤسسات الإعلامية، والمستعدين للعب هذا الدور خوفا على مصالحهم وأوضاعهم، وتحسبا من وقوعهم في إشكالات قانونية أو سياسية مع رئاسة الجمهورية ومع أصحاب القرار، ما دفعهم لإبداء نوع من التكيف والاتساق مع سياسة قيس سعيد للحفاظ على مواقعهم.

ولم يستبعد محدثنا في ذات السياق إسهام بعض الصحفيين في هذه الممارسات المسيئة للميثاق القيمي للمهنة، و”المستعدين لتغيير أسلوبهم وطريقة تعاطيهم مع المهنة حسب مقتضيات المصالح وموازين القوى السياسي في البلاد”.

المحاسبة والانتهازية

من جانبه اعتبر الصحفي والمحلل السياسي عائد عميرة، أن تقرير الهايكا أكد حقيقة تجند أغلبية وسائل الإعلام الخاصة والعامة منذ 25 جولية/يوليو لخدمة مشروع قيس سعيد وتسويقه، فكانت الاستضافات والتصريحات حكرا بشكل شبه كامل على المحسوبين على خط الرئيس.

عوامل متعددة تفسر بحسب عميرة هذا التوجه من جانب القائمين على المؤسسات الإعلامية، تشمل الخوف من تعرضهم للمحاسبة القانونية، فضلا عن الانتهازية التي تدفع البعض لتقديم خدماتهم أملا في الفوز بنصيبهم من الكعكة في المرحلة الحالية.

تداعيات عدم الالتزام بالحياد والتوازن المهني ستكون خطيرة على المشهد الإعلامي في تونس بحسب تعبير محدثنا، والذي حذر من انتكاسة كبرى تمس الحريات الإعلامية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للصحفيين، مقابل حصول بعض المؤسسات المنخرطة في دعم مشروع الرئيس على امتيازات كبرى.

وتعليقا على الإخلالات المتعلقة بتغطية القناة الوطنية والتي أبرزها تقرير الهايكا، شدد عميرة على ان الإعلام العمومي وخاصة التلفزيون التونسي لم يخرج عن التدجين طوال العشرية الأخيرة، حيث كان مجندا لخدمة كل طرف موجود في السلطة، مستشهدا في هذا السياق بما وصفه التسويق الإعلامي لفائدة رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي رغم فشله السياسي.

ولفت محدثنا في السياق ذاته، إلى أن الرئيس المدير العام للتلفزيون التونسي سعى إلى ركوب موجة تأييد سعيد سواء بشكل شخصي أو بإيعاز من رئاسة الجمهورية، والتي لن يستبعد ممارستها لضغوط على إدارة المؤسسة ما يكرس عدم مغادرة الإعلام العمومي لمربع التعليمات حتى اليوم.  

تقرير الهيئة يأتي بحسب عائد عميرة بمثابة إقرار من الهايكا بالخطر الذي يهدد القطاع منذ 25 جولية الماضي، وتفاقم ممارسات أخرى مثل إغلاق بعض المقرات الإعلامية والتضييق على حرية العمل الصحفي، داعيا الهياكل المهنية إلى التجند لإيقاف هذا التيار .

الاصطفاف السياسي وراء قيس سعيد#
القناة الوطنية#
انحياز الخط الإعلامي#
تقرير الهايكا#
وسائل الإعلام التونسية#

عناوين أخرى