“الهاربات” أفضل عمل متكامل في مهرجان “مواسم الإبداع” التونسي (صور)

"الهاربات" أفضل عمل متكامل في مهرجان "مواسم الإبداع"

صابر بن عامر

اختُتمت، مساء أمس السبت، فعاليات الدورة الثالثة من المهرجان الوطني للمسرح التونسي “مواسم الإبداع“، بحفل احتضنته قاعة الفن الرابع بتونس العاصمة، بحضور عدد من المسرحيين والمثقفين والإعلاميين.

وقد توّجت خلاله مسرحية “الهاربات” للمخرجة وفاء الطبوبي بجائزة أفضل عمل متكامل، وهي الجائزة الكبرى للمسابقة التي تبلغ قيمتها 30 ألف دينار تونسي.

الهاربات من التهميش إلى النسيان

و”الهاربات” مسرحية من 82 دقيقة عن نص وسينوغرافيا وإخراج: لوفاء الطبوبي في ثالث تجربة مسرحية لها بعد “أرامل” و”آخر مرة”، في إنتاج مشترك بين المسرح الوطني التونسي وشركة “الأسطورة”، ترصد قصة 5 سيدات ومعهنّ رجل، حيث تنطلق الحكاية في محطة حافلات.. يوم عادي، خمسُ غريباتٍ (أستاذة نائبة، وعاملة في مصنع خياطة، وكاتبة محام، ومعينة منزلية، وجامعة قوارير بلاستيكية، وسادسُهُم عامل بمصنع “كوابل”(، ينتظرون.. فعلٌ عاديّ ومتكرّر! لكن المنتظَر لم يأتِ، حدثٌ عاديّ ومتكرّر!

الجميع عاد إلى دياره.. ردّةُ فعلٍ عاديةٌ ومتوقّعة! وهم لم يعودوا، لأنهم لم يعتادوا الطريق.

رغم أنّ طريقهم مختلف، إلّا أنهم يتّفقون على الترجّل، وترك الانتظار الضيّق نحو انتظارٍ أوسع في التخيّل، أكبر في الغياب، أعمق في الخوف والألم.

لقد غيّروا خطواتهم أملًا في تغيير طريقهم، فضاعوا، وحضر الشكّ. هو شكّ في الوجود وفي العدم، في الكيفِ ولِمَ؟ ومتى؟ وماذا بعد؟

حتى ماذا بعد؟.. لم تأتِ، ولكن، لن يعودوا كما كانوا جميعا.

“الهاربات” بهذا المعنى صرخة ضد الصمت، ضد الخنوع، ضد التهميش، نص مكتوب بكثير من الوجع، وبحرفية عالية، فيكفي أن نُشير هنا إلى المعينة المنزلية التي أبدعت في تجسيد دورها فاطمة بن سعيدان، أكبر الغريبات عمرا، والتي تُحاول أن تدلّهنّ على الطريق، وهي بدورها تتلمّس طريقها، في إشارة إلى تونس الأم الحاضنة لنا جميعا، والتي ظلّت الطريق بدورها، محاولة النهوض من جديد.

كذلك يحضر الرجل بين 5 سيدات (قام بالدور أسامة الحنايني)، ليحكي آلامه مع “النفقة” وطليقته، مشكلته الوحيدة التي أرهقته، وهو الذي لا يعلم أنّ مشكلات النساء في مجتمع ذكوري حتى العظام، أشدّ وأعظم ممّا يشتكي، فالأعمال والأثقال التي تأتيها النساء في يومياتهنّ هي خمس ما يُكابده الرجل في يومه الذي يراه مريرا، وما هو بمرير مقارنة بإكراهاتهنّ، ولذلك أتى العرض بخمس سيدات ورجل واحد، في تذكير بأنّ السيدات الأمهات أو حتى العازبات يشتغلن يوميا خمس أضعاف ما يشتغل الرجل، في مواقع العمل وفي البيت وحتى في أحلامهنّ غير المتحقّقة دائما حتى في الأجر الذي يكون في الغالب أقلّ من أجر الرجل وجهده؟!

طرح بيئي استعرضته جامعة القوارير البلاستيكية (منيرة الزكراوي) التي تذمّرت من تكدّس قوارير البلاستيك في تونس، رغم أّنّ جمعها هو مصدر رزقها الوحيد.

أما العاملة بمصنع الخياطة (لبنى نعمان) فتحدّثت عن التيلرة والفوردية في المجتمعات الرأسمالية التي لا ترى في العاملة وأوجاعها سوى الفاعلية والإنتاجية.

كلّ سيدة من سيدات “الهاربات” تحدّثت عن آلامها، إن كنّ من الطبقة الوسطى التي اهترأت ككاتبة المحامي الطامحة إلى أن تكون محامية في يوم ما، أو الأستاذة النائبة التي ترنو إلى الإدماج، أو المعينة المنزلية التي تحلم بالاعتراف، وعاملة المصنع التي تتطلّع إلى الاستقرار الوظيفي بعيدا عن المردودية والإنتاجية، أو جامعة القوارير البلاستيكية التي تتمنى أن ترى بلدها بلا قوارير ولا أكياس بلاستيكية، وإن فقدت مهنتها؟

هي تونس الأخرى تونس الوجع والتعب والتهميش والإنكار، هي تعبيرة منفلتة على الواقع التونسي، تجربة فنية ومسرحية ترجّ وتعجّ بالمتناقضات.

“الهاربات” نداء مباشر للثورة على المتكلّس والمُعاد، صرخة على سكوت الإنسان ضد “أخيه” الإنسان، أو هكذا خيّل لهن”؟ ضد القوانين الجائرة والطبقية الظالمة.

المسرحية تنصت لمن هم تحت في الدرك الأسفل من المجمتع، للعاملات الكادحات اللاتي يخرجن من بيوتهنّ و”الدنيا ظلام ويعدن والدنيا ظلام”، كما جاء في نص المسرحية، فمتى ينجلي هذا الظلام؟

اكتساح المسرح الوطني للجوائز

وفي قائمة الجوائز الفردية، نال الفنان نعمان حمدة جائزة أفضل أداء رجالي (10 آلاف دينار) عن دوره في مسرحيته “سقوط حر” وهي أيضا من إخراجه، فيما حصدت الفنانة فاطمة بن سعيدان جائزة أفضل أداء نسائي (10 آلاف دينار) عن دورها في مسرحية “الهاربات”.

أما مسرحية “جاكرندا” للمخرج نزار السعيدي، إنتاج المسرح الوطني الشاب، فقد كانت من أبرز الفائزين بعد حصولها على ثلاث جوائز، وهي أفضل نص لعبد الحليم المسعودي، وأفضل سينوغرافيا وأفضل إخراج، وقيمة كل جائزة منها 10 آلاف دينار.

وأقيمت الدورة الثالثة من هذا المهرجان من 24 أكتوبر إلى 8 نوفمبر 2025 بمبادرة من المسرح الوطني التونسي وبالشراكة مع جمعية عبد الوهاب بن عياد، وسجّل مشاركة 14 عملا مسرحيا في المسابقة الرسمية أُنتجت بين نوفمبر 2024 وأكتوبر 2025.

وهي: “وراك” لأوس إبراهيم، “تمثال حجر” لكريم عاشور، “كيما اليوم” لليلى طوبال، “رار” لعز الدين بشير، “الوحش فيّ” لمحمد البركاتي، “لعفرتة” ليوسف مارس، “9 أو أرمدجون” لمعز القديري، “الزنوس” لصالح حمودة، “الهاربات” لوفاء الطبوبي، “جاكراندا” لنزار السعيدي، “سقوط حر” لنعمان حمدة، “سوقرا” لحاتم دربال، “على وجه الخطأ” لعبد القادر بن سعيد، و“سيدة كركوان” لوجدي القايدي وحسام الساحلي.

وقد أشرفت على تقييم الأعمال لجنة تحكيم ضمّت الأساتذة محمد المديوني (رئيس اللجنة)، وصالح الفالح، وفائزة مسعودي، ورمزي عزيز، وهندة بن عياد ممثلة عن الجمعية الشريكة.

وشملت الجوائز التشجيعية المخصّصة للفائزين في الورشات التدريبية جائزة أفضل صورة فوتوغرافية للمسرح (1500 دينار) التي فاز بها سامح بن سعيد عن صورته لمسرحية “تمثال حجر”، وجائزة أفضل فيديو للمسرح (1500 دينار) التي أحرزها حمزة الفلّاح عن تصويره لمسرحية “جاكرندا”، وجائزة أفضل مقال نقدي (1500 دينار) التي نالتها أريج المشرقي عن مقالتها النقدية لمسرحية “سقوط حر”.

من توزر إلى العاصمة

وفي كلمة ألقاها بالمناسبة، أكّد المدير العام لمؤسّسة المسرح الوطني التونسي ومدير المهرجان الدكتور معز المرابط أنّ هذه الدورة كانت موسما للفن الرابع عنوانه المؤانسة والإمتاع، حيث تنقّل المسرحيون خلال أسبوعين من توزر إلى تونس العاصمة، مقدّمين عروضا متنوّعة أضفت على الفضاءات المسرحية حياة جديدة وفتحت الآفاق أمام الجمهور لاكتشاف تجارب فنية وفكرية متجدّدة.

وتوجّه المرابط بالشكر إلى وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي التي آمنت برؤى مواسم الإبداع وبأهدافه ومنحته كل الدعم والتشجيع، مؤكّدا أنّ المهرجان يندرج في صميم الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالمسرح التونسي وتعزيز انفتاحه على مختلف الجهات، وتشجيع الأجيال الصاعدة على التعلّق بالفن الرابع باعتباره حاملا للقيم الإنسانية النبيلة.

وأشار إلى أنّ انطلاقة المهرجان من مدينة توزر، مسقط رأس شاعر تونس الأول أبي القاسم الشابي، كانت خيارا مقصودا لترسيخ مبدأ اللامركزية الثقافية والاقتراب من الجمهور في الجهات الداخلية.

وأضاف أنّ مؤسّسة المسرح الوطني سعت هذا العام إلى تعزيز البعد الفكري للمهرجان عبر تنظيم الندوة العلمية “المسرح التونسي وأسئلة الهوية” بالتعاون مع بيت الحكمة، التي مثّلت منبرا فكريا مهما للنقاش حول ملامح المدرسة المسرحية التونسية.

مشاريع وشراكات جديدة

كما أعلن عن إطلاق مشاريع وشراكات جديدة من بينها “ملتقى مسرح الجنوب بتوزر” الذي شكّل مشروعا تأسيسيا ناجحا بكل المقاييس، إلى جانب اتفاقيات تعاون مع بيت الحكمة، ومركز الفنون الدرامية والركحية بتوزر، والمتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، بما يعزّز التكامل ويؤسّس لرؤية مسرحية وطنية مستدامة.

وشهدت الدورة أيضا انطلاق فضاء جديد تحت عنوان “أغورا المواسم”، وُضع ليكون مساحة للحوار والنقاش بين المسرحيين حول قضايا الإنتاج والعلاقة بالجمهور والجماليات المسرحية.

كما تمّ تنظيم معرض للفنان التشكيلي الراحل عادل مقديش بعنوان “مشهديات: المسرحة في أعمال عادل مقديش”، يحتضنه فضاء الفن الرابع من غرة نوفمبر الجاري إلى 31 جانفي 2026، احتفاءً بتقاطع الفنون بين المسرح والتشكيل.

من جانبها، أكّدت هندة بن عياد، ممثلة جمعية عبد الوهاب بن عياد، أنّ هذه الدورة كانت “موسما نابضا بالحياة جسّد طاقة الفن في بناء الإنسان والمجتمع”.

وأشارت إلى أنّ الجمعية تواصل دعمها للمبادرات الثقافية التي تحمل أثرا إيجابيا على المجتمع، وفاء لرسالة الراحل عبد الوهاب بن عياد في العمل الجاد وحب الوطن، وفق تصريحها.

وأضافت أنّ الجوائز التي تقدّمها الجمعية ضمن مهرجان “مواسم الإبداع” هي “رمزية تعبّر عن ثقة وامتنان للفنانين الذين يجرؤون على الحلم ويصرّون على الإبداع”.

فلسطين في البال

وكرّمت الهيئة المديرة للمهرجان الفنانين المسرحيين الكبيرين الفقيدين أنور الشعافي ومحمد فاضل الجزيري، وذلك بحضور أفراد عائلتيهما. وجاء هذا التكريم رمزا لعطائهما اللامحدود للفن وللمسرح التونسي.

أما فقرة الاختتام الفني، فكانت بصوت الفنانة الأردنية مكادي النحاس التي قدّمت باقة من الأغاني المهداة إلى القضية الفلسطينية، منها “غنّوا فلسطين” و”عمي يا بو الفانوس” و”يما مويل الهوى”.

وسبق الحفل الرسمي عرض موسيقي مسرحي بعنوان “عربون 3″، وهو آخر أعمال الراحل محمد فاضل الجزيري، بمشاركة مجموعة من الفنانين التونسيين، هم: هيثم الحذيري، وإشراق مطر، وإلياس بلاقي، ورياض صغير، والطيب فرحات، ومخلص عوينتي.

وقد تناول العرض بأسلوب رمزي يوميات مجموعة موسيقيين يستعدّون لتقديم عرض فني يستحضر رموزا من الذاكرة الثقافية التونسية.

وتنبع مبادرة تأسيس هذا المهرجان -والمخصّص حصريا للإنتاجات المسرحية التونسية- من الرغبة في إحياء ذاكرة “أسبوع المسرح التونسي” الذي انطلق عام 1962 وتواصل حتى ثمانينات القرن الماضي.

وضمن هذا الإطار، تمّ في سبتمبر 2023، الإعلان عن إطلاق مسابقة وطنية لتقديم “جوائز الإبداع المسرحي التونسي”، بمساهمة مؤسّسة عبدالوهاب بن عيّاد، من أجل دعم الفنون بشكل عام والإنتاج المسرحي بشكل خاص.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *