تونس رأي

“الهئية” في مرمى النقد.. رئاسيات تونس ومعضلة الإجراءات

عبدالسلام الزبيدي 
مع دخول تونس ما يُعرَفُ بالفترة الانتخابية واقعيّا منذ يوم 2 جويلية الجاري تاريخ نشر الأمر الرئاسي لدعوة الناخبين للاقتراع أو قانونيّا يوم الأحد 14 جويلية، توزَّع اهتمام من تبقّى من الخائضين في الشأن العام بين السياسي والإجرائي.
المسألة الأولى في الجانب السياسي تتمثّل في إحصاء المترشّحين، سواء من أعلن صراحة نيّته خوض “المعركة غير المتكافئة” أو المحتمل ترشّحهم وفي مقدّمتهم رئيس الجمهورية المنتهية ولايته قيس سعيّد. فيما يستمرّ النقاش عند البعض حول الإستراتيجية المثلى للتعامل مع الاستحقاق القادم بين من يدعو إلى المشاركة رغم مخاطر إضفاء الشرعية على نتيجة قد تكون محسومة مسبقا لأسباب متعدّدة أهمّها على الإطلاق السياق السياسي المتسّم بسيطرة “الوظيفة التنفيذية” على كلّ الوظائف الأخرى بما فيها القضائية وكذلك الانتخابية ذاتها.
في عجز المعارضة 
أمّا في الجانب الإجرائي، فقد طفق المتخصّصون سواء في المجال القانوني أو الخبراء في الشأن الانتخابي يعدّدون الثغرات والنقائص والإخلالات قبل دخول الفترة الانتخابية فعليًّا الأحد القادم. لتكون المحصّلة أنّهم يخشون من أن تكون الهئية العليا المستقلّة ذات وظيفة تتناقض مع مهامها. وهذه الوظيفة تتمثّل في أنْ تُوظَّف لخدمة من حوّل السلطات إلى مجرّد وظائف.
من المشروع الاعتصام بالقول إنّ الحديث عن إخلالات مفترضة، وعن غياب محتمل للحياد، وعن وضع العقبات القانونية والإجرائية أمام المترشّحين، ليس أكثر من محاولة لتبرير عجز معارضي السلطة القائمة عن خوض منافسة حقيقية مع المترشّح المحتمل قيس سعيّد بسبب الضعف والتشتّت من ناحية وشعبيّة صانع إجراءات 25 جويلية من ناحية أخرى.
وليس خافيا أنّ لذاك القول الكثير من الوجاهة. فلا أحد بإمكانه إنكار عجز المعارضة/ات عن الالتقاء على الحدّ الأدنى من المشترك، فضلا عن شبه استحالة ترشيح شخص واحد قادر على المنافسة. فهذه المعارضة/ المعارضات فشلت في توحيد المواقف، فما بالك بالتفاهم حول شخصية من خلالها يتّم تأجيل مواطن التباين.
لكنّ الإقرار بالضعف والعجز والفشل لا يعني أنّ ما قاله ” الضعيف والعاجز والفاشل” خاطئا. فصحيح أنّ مكوّنات المشهد السياسي خارج السلطة لم ترتق إلى مستوى اللحظة التاريخية ورهاناتها، غير أنّ لها حقّا طبيعيّا أوّلا ودستوريا ثانيا في التعبير عن مخاوفها، خاصّة أنّ هذه المخاوف يمكن أن تمسّ من جوهر العملية الانتخابية ومصداقيتها.
نقد تفصيلي للإجراءات  
هذا الموصوف افتراضيا بأنّه عاجز، انتقد الهيئة المستقلة للانتخابات لأنّها وعدت (صرّحت) في أكثر من مناسبة بأنّها ستصدر الرزنامة الانتخابية في أقرب الآجال، لكنّها لم تف بالوعد إلّا بعد أن أصدر رئيس الجمهورية المنتهية ولايته والمرشّح المحتمل أمر دعوة الناخبين للاقتراع قبل أيّام قليلة فحسب. فسارع “العاجز” إلى استنتاج ارتهان الهئية إلى من غيّر تركيبتها عبر مرسوم وعيّن أعضاءها، خاصة أنْ اقترن التأجيل والانتظار ثم إصدار القرار الترتيبي والرزنامة بعد الأمر الرئاسي بما يعتبره المراقبون سابقة. وتتمثّل هذه السابقة في انتظار صدور الأمر لضبط المسائل الترتيبية.
والموصوف ذاته بالضعف، استغرب من أن تتكفّل الهيئة الانتخابية بإصدار قرار ترتيبي يضبط شروط الترشّح في صيغتها الدستورية الجديدة. في حين أنّ عملية الملاءمة القانونية للمستجدّ الدستوري يقتضي قانونا يصدره ممثّلو الشعب (البرلمان) وليس هيئة معيّنة بمقتضى مرسوم ولم تقم السلطة التنفيذية ولا التشريعية بجعل تركيبتها (أي الهيئة) موائمة للدستور. وبذلك يغدو القرار الترتيبي مساويا للقانون الأساسي. وإذا كان الوضع على هذا الحال، فإنّنا لا نستغرب استغراب هذا “الضعيف” من ارتقاء القرار إلى مستوى تراتبي أعلى منه في عملية يعتبرها نوعا من الاستحواذ غير المشروع على صلاحيات ممثّلي الشعب.
ولم يستسغ المُعْتَبَرُ فاشلا كيف أنّ هيئة الانتخابات تشرع في تنفيذ مقتضيات القرار الترتيبي والرزنامة قبل النشر في الرائد الرسمي للبلاد التونسية باعتباره شرطا لإمكانية التنفيذ. صحيح، أنّ المحكمة الإدارية أقرّت بإمكانية التنفيذ قبل النشر، لكن يبقى التساؤل حول أسباب اللجوء إلى مثل هذه الوضعية، والحال أنّه لو تم إصدار القرار الترتيبي والرزنامة مبكّرا دون انتظار الأمر الرئاسي لحُلَّ الإشكال.
ولم تقف شكاوى “العجزة الفاشلين” عند هذا الحدّ، بل تجاوزته إلى ما هو أعمق وأهم. لقد عمّت الشكوى من اشتراط الهيئة تقديم المترشّح للانتخابات الرئاسية للبطاقة عدد 3 (بطاقة السجلّ العدلي) من أجل إثبات خلوّه من الموانع القانونية (أحكام قضائية أو حرمان من حقوق مدنية وسياسية). وتدور الشكوى هذا الشرط (في الواقع قديم)، والحال أنّ الجهة المانحة لهذه البطاقة هي وزارة الداخلية التي قد يؤدّي تأخيرها في تسليم الوثيقة، ولو لأسباب إدارية بحتة، في تعطيل المترشّح وربما رفض ملفه.
إنّ أيسر السبل حسب هؤلاء “العجزة الفاشلين” هي أن تتكفّل الهيئة باعتبار أنّ لها الولاية العامة على العملية الانتخابية بأن تطلب من الجهات المختصة (وزارتا العدل والداخلية وربما المالية كذلك) المعطيات التي تثبت وضعية المترشّح. وكفى الله الجميع شرّ الادّعاءات سواء كانت عن حق أو باطل.
معضلة التزكيات والمقاومة الانتخابية
ومن البطاقة عدد 3 مرّت الجهات ذاتها إلى الحديث عن التوكيل المعرّف إمضاؤه لكلّ من يرغب في أن ينيب عنه القيام بإجراءات الترشّح بسبب الإقامة في الخارج أو السجن. فبعد رفع الأصوات بالشكوى بسبب هذا الشرط، والحال أنّ عددا من الراغبين في الترشّح مسجونون (الأمين العام السابق للتيار الديمقراطي غازي الشواشي، وأمين عام الحزب الجمهوري عصام الشابي، ورئيسة الدستوري الحر عبير موسي، وأمين عام التحالف الشعبي الجمهوري لطفي المرايحي)، فها أنّ الأصوات ترتفع من جديد حول رفض الهيئة للتوكيل العام ومطالبتها بتوكيل خاص بالانتخابات الرئاسية تحديدا.
وبعد أن اشتكت الجهات ذاتها الموصومة بالعجز والضعف من التأخّر الكبير في الإعلان عن موعد الاقتراع خلافا لـ66 دولة برمجت الانتخابات هذه السنة، رفعت عقيرتها بالشروط الجديدة أو بالأحرى الضوابط الخاصة بجمع التزكيات. ومرّة أخرى يقع الإعلان عنها (الضوابط) بعد تحديد أيّام الاقتراع والرزنامة، في حين أنّه كان بالإمكان “إطلاق سراح” هذه الإجراءات في وقت مبكّر تيسيرا على المترشّحين عمليات الجمع. علما أنّ من بين هذه المحدّدات إمكانية نشر قائمات المزكّين، وقد يكون نشر الأسماء عاملا لإحجام البعض عن التزكية. دون أن نغفل عن ذكر شرط ضرورة الإدلاء بأصول التزكيات الممضاة من الناخبين باستعمال قلم جاف ولا تقبل النسخ أو الصور الضوئية منها.
تلك هي أهمّ اعتراضات خبراء القانون وأعضاء جمعيات وهيئات الرقابة الانتخابية، فضلا عن المترشّحين أو ممثّليهم عن الإجراءات التي حدّدتها هيئة الانتخابات لتأمين سير العملية في كنف احترام القانون والمساواة بين المترشّحين وضمان تحقيق الشفافية والنزاهة.
فما يخشاه هؤلاء هو أن تؤدّي هذه الإجراءات وطرق تنفيذيها إلى نتائج عكسية تلطّخ الانتخابات قبل انطلاقها وتعبّد الطريق أمام المترشّح المحتمل الأوفر حظّا بحكم مسكه مقاليد البلاد وتمتّعه بصلاحيات دستورية كبيرة. ولا يمكن النظر إلى هذه الاعتراضات باعتبارها تشكيكا في أعضاء الهيئة، بقدر ما هي عملية نقد لطرق عملها حتّى تُنصت وتتفاعل وتُعدِّل خدمةً للصالح العام وتحقيقا لأهدافها المتمثلة في ضمان انتخابات نزيهة وشفافة.
يردّد المعارضون القول بأنّ المناخ السياسي غير مشجّع لإجراءات الانتخابات، وها أنّهم يضيفون إليه المناخ الانتخابي ذاته (طريقة إدارة العملية).
ورغم كلّ ذلك فإنّنا نعتبر أنّ التدارك ممكن. وحتى لو ظلّ الوضع على ما هو عليه، فإنّ الخيار الأمثل هو الاستمرار في النضال السياسي ضمن منطق “المقاومة الانتخابية”.