رأي

النزاع الفرنسي-الإيطالي على تونس.. أيّ أصول؟

فوزي الصدقاوي


أدرك الإيطاليون -وفق ما عبّروا في صحف أربعينات القرن الماضي- أنّ “تونس لم تعد إيطالية”، فاستبدال تسمية شارع “إيطاليا“، سنة 1944 بشارع “شارل ديغول”، كان علامة رمزية كافية على أنّ “تونس لم تعد إيطالية”، فعلا.

وكالة نوفا الإيطالية للأنباء نقلت في مارس 2023 عن مصادر في بروكسل، قولها إنّ وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوسي سيزور تونس، مطلع أفريل المقبل، وذكرت مصادر  لـ”نوفا” أنّ الزيارة من المقرّر أن تشمل كذلك وزيرا فرنسيّا.

بعض التونسيين يسألون: ما شأن هذا “التدخّل الخارجي” ببلادنا؟ حتى إيطاليا؟

 لماذا على الدوام، يتدخّل الخارج في شؤون بلادنا؟

وحدها الثقافة السياسية البائسة، تطرح أسئلة إنكارية بهذه الصيغ الفقيرة والساذجة، حتى الباي محمد الصادق في زمانه لم يخف إنكاره التدخّل الأجنبي، قبل أن يوقّع على جميع الوثائق التي كتبت سلفا في القنصلية الفرنسية، وأُعدت مسوّداتها غير النهائية في الكي دورسي (Quai d’orsy). 

تكتب صحيفة “della Serra” في جوان 2017، أنّ الصعوبات بين الرئيس ماكرون وإيطاليا لها سوابق، ليس التدخّل في ليبيا عام 2011 الذي قرّره نيكولا ساركوزي دون ”حتى” دعوة القادة الإيطاليين، إلّاإاحدى تلك السوابق، بل إنّ ذلك ليس إلا حلقة أخرى تشير إلى مستوى تعقّد تاريخ الصداقة الإيطالية الفرنسية، فقد كانت تلك العلاقة قد شهدت تعقيداتها الأولى منذ أن أرسلت حكومة جول فيري في 3 ماي 1881 كتيبة من 2000 نفر إلى بنزرت-تونس. وتضيف الصحيفة، مذكّرة، أن هذه البلاد (تونس) تُعتَبَر ”إيطالية” لأهمية وجود العــــــــــمّال الإيـــــــطالــــــــيين (في مزارع الكروم وصيد الأسماك والتعدين) ورأس المال الإيطالي، لكن فجأة أصبحت ”فرنسية”.

وإذا كان التاريخ لا يعيد نفسه إلّا في شكل مهزلة، فلأنّه ليس حركة دائمة تجسّدها سيرورة التطوّر الإنساني المتقدّمة بمنطق التاريخ وروحه، ومن ثمّ فإنّ كلّ استعادة لأيّ لحظة من لحظات الماضي هي بالتأكيد انتكاسة لمشروع تحرير التونسيين من قواعد الماضي.  وأن كلّ محاولة لعكس حركة تاريخ التونسيين بعد ديسمبر 2010، ومحاولة عكس حركة التاريخ قبل دستور جوان 2014، أو بعد 25 جويلية 2021، إنّما هي مناسبات، تقدّم أدلة كافية على أنّ تعطيل محرّكات تاريخ التونسيين، يعني، رِدةٌ وانتكاسة. 

فإرادات التعطيل تلك، ليست إلّا تعبيرا عن هزال العقل وضعف الإرادة وغياب التبصّر نحو المستقبل، وتلك الإرادات حين شرعت في إلغاء دور القوى الحيّة السياسية والمجتمعية، وإنهاء دور الهيئات الوسيطة الممثّلة للمجتمع، فإنّها كانت تضع جهودها على طريق الاستعادة الماضوية للتاريخ، وتتوارى خلفة وظيفة ولاية الفقيه أو كأنّها تفعل، وتتقمّص دور “لاهوت التحرير”، تحت مسمّى “معركة التحرير “. 

كانت فرنسا قد أوعزت إلى الباي سنة 1864 وقف العمل بالدستور وحلّ المجلس الأكبر، بعد أن انتفض التونسيون ضدّ الإجحاف الضريبي الذي أرهق كاهلهم، وبدا أنّ الخطر الداهم يُبرّر وقف العمل بالدستور، وأعاد الباي انتزاع السلطة ليحتكرها في مركزه وحده (القصبة) وبيد رجل واحد (الباي)، دون غيره، وتمّ تعليق اختصاصات ”مجلس الأكبر” وكانت الحجّة الجاهزة: ”منع الدولة من الانهيار”، وكانت “القرارت استثنائية” إلى حين استعادة الاستقرار بعد قمع “انتفاضة علي بن غذاهم”

صار الطريق سالكا أمام فرنسا بضمان فرض الحماية بعد أن وقّع محمد الصادق باي صاغرا على (معاهدة باردو علم 1881)، ثم صار الطريق أمام أبن أخيه علي باي مُيَسّرا للتوقيع على معاهدة المرسى1883)، إذ لم يعد ثمة دستور يُحتكم إليه، ولا مراسيم تَسْتَوجِب العودة إلى المجلس الكبير وموافقته، بعد أن صار مجمّدا، ولم تعد من حاجة إلى البحث في دستورية مراسيمه. فقد نزع محمد الصادق باي عن نفسه وعن أسلافه المرتقبين كل قيد دستوري، لتدخل البلاد في أُتون الاستعمار المباشر، حيث خسرت فيها الدولة التونسية سيادتها الخارجية والداخلية. 

في سنة 1935 اُبْرِمَتْ اتّفاقيات لافال المتكوّنة من معاهدة وبروتوكول، فنظّـــمت المعاهدة بالتفصيل التنازلات الإقليمية والمزايا الممنوحة لإيطاليا في جنوب ليبيا وإريتريا، لكنّها وضعت مبدأ تسوية وضع الإيطاليين في تونس، بترحيل التفاوض في التفاصيل إلى وقت لاحق والاكتفاء برسم الخطوط العريضة في بروتوكول ملحق بالمعاهــدة التي يتعيّن إبرامها مستقبلا.

الاتّفاقيات الموقّـعة في روما في 7 جانفي 1935 بين وزير الخارجية الفرنسي بيير لافال ورئيس الحكومة الإيطالية موسوليني، هي “معاهدة بين فرنسا وإيطاليا بشأن مصالحهما في إفريقيا”، ففي الوثيقة الأولى تتعلّق المادة 1 بالبلاد التونسية، كما تتضمن المعاهدة استبدال اتّفاقيات 1896 (والتي تنصّ على امتيازات ممنوحة من قبل الباي، لإيطاليا في تونس،) باتّفاقيات جديدة.

حسب إيطاليي الزمن الراهن، فإنّ تاريخ 25 جويلية 2021 حلقة أخرى في سلسلة التعقيدات التي عرفتها العلاقات الثنائية بين البلدين، المتنازعتين حول تونس، ففرنسا التي اقترحت سنة 2010، إنقاذ نظام بن علي بشحنة الأسلحة، وتتعلّق بها شبهة الاغتيالات السياسية التي حدثت في تونس (منفّذها بوبكر الحكيم القادم من السجون الفرنسية بعد سرحه قبل نهاية محكوميته.) وانخراط محور التطبيع العربي قبل 25 جويلية 2021، في مهمّة تعفين الأجواء السياسية فضلا عن الشحن الإعلامي ضدّ تجربة الانتقال الديمقراطي، من أجل خلق الفوضى وتيسير لفرنسا فرصة استعادة نفوذها في تونس مجدّدا، ليكون لها فيها موطأ قدم ثابتة، قبل العبور إلى ليبيا، وضمان منابها من المنافع التي تزخر بها ليبيا. سنرى لاحقا أنّ (اليورانيوم يوقظ الخلافات الروسية الفرنسية في ليبيا- مختار غميض- بوابة تونس 22 مارس 2023).

 كتب منذ نحو قرن ونصف، الدبلوماسي الفرنسي ألفونس دي كورسيل (AlphonseChodron de Courcel)، مؤكّدا أن تونس بلدٌ إن بَسطت فرنسا فيه نفوذها، يمكن أن يُزعْزَعَ به التوازن الأوروبي، فهو يقدّر أنّ تونس بلد يشكّل نقطة استراتيجية مهمّة بعد الجزائر. وهي “[…] أيضًا نقطة البداية لإحياء فرنسا”.  

كان الإيطاليون قد أدركوا -وفق ما عبّروا في صحف أربعينات القرن الماضي- أنّ “تونس لم تعد إيطالية” فعلا، وأنّ في الحاضرة تونس، استبدال تسمية شارع “إيطاليا“، سنة 1944 بشارع “شارل ديغول”، كان علامة كافية على أنّ “تونس لم تعد إيطالية”.

 قرارات 25 جويلية 2021 الاستثنائية، جاءت لتؤدّي مهمّة وقف محرّكات التغيير، ولتعود بنا إلى حيث كنا قبل ديسمبر 2010، ولتؤكّد لنا أنّ النزاع الفرنسي–الإيطالي على تونس، لا يمكن لأيّ “شجـــــــــرة” أن تــــــحجبه، لأنّ القواعد التي تعمل على أساسها الاتّفاقات السابقة، ما تزال قواعد ناظمة، ونافذة ومتحكّمة ولم تتغيّر بعدُ.. فتونس ما تـــــزال “نقطة البداية لإحياء فرنسا”.