"النخاسة"... من سوق للعبيد مرورا بالهجاء وصولا إلى المعارك السياسية
tunigate post cover
ثقافة

"النخاسة"... من سوق للعبيد مرورا بالهجاء وصولا إلى المعارك السياسية

تجارة العبيد والرق قلّت بصورة ملحوظة بعد مجيء الإسلام، إلاّ أن أسواق النخاسة لم تختف كليا، بعد أن كرّم القرآن الإنسان ومنحه الحرية الكاملة لنفسه
2022-05-06 21:58

النِّخاسَةُ، اسم ورد في معجم المعاني، بمعنى الجامع ما يُلقَمُهُ ثَقْبُ البكرة إذا اتَّسع من عُودٍ أو رُقعة. أما النِّخاسَةُ فهي حِرفة النخّاس، وهو بائع الرّقيق والدّواب. ونُخِسَ: فعل مشتقّ من نُخِسَ يُنخَس، نَخْسًا، والمفعول مَنْخوس، أينُخِسَ لَحْمُهُ فقَلّ.

ويُقال نخَس الدّابةَ، أي طَعَن مؤخَّرها أو جنبَها بعودٍ أو نحوه لتنشط، كما يُقال أيضا نَخَسَ الرّجل، وبه، أي هيَّجَه وأزعجه أَو طَرَدَه، ونَخسَ البكرةَ، أي ضيَّق خَرْقَها بِنِخاس بعد ما اتّسع.

هذا المصطلح/ الاسم بات في السنوات الأخيرة متداولا بشكل لافت في المعارك السياسية خاصة، كأداة تعيير وتحقير للخصوم السياسيين… فماذا قال العرب شعرا عن النخاسة؟

المتنبي والنخاسة

حفل الشعر العربي بالكلمة في شكل هجاء ومذمّة لمن هم أقلّ مرتبة منهم، لعلّ أبرزها ما قاله المتنبي في هجائه لكافور الإخشيدي:

“من علم الأسود المخصي مكرمة… أقومه البيض أم آباؤه الصيد

أم أذنه في يد النخاس دامية… أم قدره وهو بالفلسين مردود

أولى اللئام كويفير بمعذرة… في كل لؤم وبعض العذر تفنيد

وذاك أن الفحول البيض عاجزة… عن الجميل فكيف الخصية السود”.

أسواق النخاسة

أسواق النخاسة هي تلك الأسواق التي يعرض فيها العبيد من مختلف الدول، أي أولئك الذين يتمّ اختطافهم أو أسرهم في الحروب، ليأتي الأمراء والملوك من مختلف المناطق لمعاينة العبيد كسلع تجارية يشترونها ويبيعونها، ثم يصبح العبد المشتَرى ملكا كاملا للملك أو الأمير الذي يشتريه مع الحق التام بالتصرّف فيه ومعاملته كما يرغب، هذه الأسواق كانت تسمى في الجاهلية بأسواق النخاسة.

وقلّت تجارة العبيد والرق بصورة ملحوظة بعد مجيء الإسلام، إلاّ أن أسواق النخاسة لم تختفِ كليا، بل أصبحت قليلة في الجزيرة العربية، بعد أن كرّم القرآن الإنسان ومنحه الحرية الكاملة لنفسه.

وانتشرت أسواق النخاسة في البلدان العربية قديما باعتبارها واحدة من أهم وأبرز الأسواق العربية، إلاّ أنه هناك مجموعة من الأسواق التي ذاع صيتها كثيرا عبر الأزمان.

ومن أشهر تلك الأسواق التي يُعرض فيها العبيد أو الرّق سواء من الرجال أو النساء، كانت سوق “دكّة العبيد” في السعودية قديما، و”شارع دار الرقيق” في العراق، وسوق “تونس” وسوق “باب زويلة” بمصر.

لم تقتصر العبودية على ديانة أو حضارة أو بلد معين بل انتشرت في مختلف الديانات ودول الشرق والغرب، فكانت شائعة في الحضارة المصرية والسومرية واليونانية، وفي الدول الإفريقية والآسيوية بشكل كبير، إضافة إلى أوروبا وأمريكا، إلاّ أنها اتخذت أشكالا مختلفة واستخدامات تختلف باختلاف الحضارة أو المجتمع.

ويرجع تاريخ العبودية وأسواق النخاسة في الحضارة السومرية (بلاد ما بين النهرين) إلى أكثر من 10 آلاف سنة، حيث اُستخدم العبد الذكر في تلبية احتياجات الأسياد من الأعمال الشاقة والحماية، بينما استخدمت النساء في تلبية الاحتياجات الجنسية للأسياد.

واستُخدم العبيد في الحضارة الفرعونية القديمة في تشييد القصور الملكية والصروح الكبرى، بينما اعتمدت حضارات بلاد الصين والرافدين على العبيد من الرجال والنساء في الخدمة المنزلية أو العسكرية والإنشائية والبنائية. بينما استخدمت حضارات المايا والإنكا والأزتك العبيد في أداء الأعمال الشاقة وفي الحروب على نطاق واسع.

أما عن تاريخ العبودية وتجارة الرقيق في الولايات المتحدة، فإنه يعود إلى عام 1619 عندما تمّ استقدام أول مجموعة من الرقيق أو العبيد من الأصول الإفريقية إلى المستوطنة الأمريكية الشمالية جيمستاون؛ من أجل العمل في مزارع التبغ كواحدة من الأنشطة المُربحة في ذلك الوقت، لتنتشر تلك التجارة على نطاق أوسع في جميع أنحاء المستوطنات الأمريكية في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

ظلّت الثورات قائمة إلى أن أصبحت العبودية فعل غير قانوني وكانت موريتانيا آخر البلدان التي تخلصت منها عام 1981. وعلى الرغم من انتهائها بشكلها القديم، إلاّ أنها لا تزال تمارس بأشكال أخرى… مثل الخدمة في المنازل والخدمة مقابل العمل أو الدين.

وتتابعت الثورات في مختلف بلدان العالم على مرّ السنوات لإنهاء هذه الظاهرة والتخلّص منها مثل ثورة الزنج في العصر العباسي والثورة الدنماركية.

الخصي والخزي

رغم كل هذا الخزي الذي لاحق العبيد الذين كانوا يُباعون كالدواب في أسواق النخاسة، والتي يقع خصي ذكورهم قاتلين فيهم الشهوة والرغبة وعدم القدرة على الإنجاب، إلاّ أن التاريخ العربي- الإسلامي حدّث عبر مراحله المتعاقبة، أنه كان للخصيان دور كبير في إدارة أمور الدولة، فقد قادوا الجيوش وتولوا مناصب حساسة وساهموا في إبعاد أشخاص عن سدة الحكم وإيصال آخرين إليه.

ولعب الخصيان أدوارا مهمة في كل العصور القديمة، سواء عند الفراعنة أو اليونانيين أو الرومان أو الفرس أو في التاريخ الإسلامي والأوروبي الوسيط، وكذلك في التاريخ الحديث في الشرق والغرب على حد سواء.

وكان خصي العبيد يجري لعدة أسباب، منها توكيلهم بحراسة النساء وخدمتهنّ مع ما يتطلبه ذلك من اختلاط بهنّ، أو لغرض ترقيق الصوت وتهيئة صاحبه للغناء مثلما كان الحال في إيطاليا في العصور الوسطى، كما كان الخصي أحيانا يُفرض كعقوبة على الزُناة وبعض المجرمين.

وظهر استخدام الخصيان بشكل واضح في التاريخ الإسلامي أيام الخلافة الأموية (661-749)، حيث كان معاوية بن أبي سفيان (661-680) أوّل مَن استخدمهم لحراسة النساء داخل القصر.

فيما يرى مؤرّخون آخرون أن يزيد بن معاوية (679-682) هو أوّل مَن استخدم الخصيان لحراسة النساء أثناء خروج الجيوش للحرب، ثم ولاّهم بعد ذلك مناصب حساسة، مثل منصب حاجب الديوان الذي تولاه خصي اسمه “فتح”.

ويروي جلال الدين السيوطي في كتابه “تاريخ الخلفاء” أن مسامرة يزيد للخصيان كانت واحدة من أسباب خلع أهل المدينة المنورة له، بجانب كثرة ما ارتكبه من أعمال استنكروها عليه.

وبعد يزيد، تزايد الخصيان في قصور الخلفاء الأمويين، فكان للخليفة عمر بن عبد العزيز (717-719) خصيان عدة منهم أبو أمية الخصي، ومنصور الخصي، ومرثد الخصي، وكان لمروان بن محمد (738-749) آخر خلفاء بني أمية مولى اسمه سعد الخصي.

وفي العصر العباسي، أنفق خلفاء بني العباس أموالا طائلة على الخصيان، وألبسوهم أجمل الثياب وأفخرها، وزيّنوهم بأجمل الحلي والجواهر، بل وسمحوا لهم بمشاركة الخلفاء في مجالسهم والسير برفقة مواكبهم.

ويروي ابن الأثير، في كتابه “الكامل في التاريخ”، أن الخليفة هارون الرشيد (786- 808) كان إذا سار موكبه خرج معه 400 خصي يحملون القسي المملوءة بالبندق ويرمونه على مَن يعترض طريق الخليفة.

وكان لبعض الخصيان دور في بناء وتأسيس المدن، مثلما حدث سنة 787، عندما عُهد إلى فرج الخصي ببناء مدينة طرسوس (في تركيا حاليا) أيام خلافة هارون الرشيد.

لكن الخليفة الأمين (807- 813) كان له شأن مختلف مع الغلمان، إذ يروى أنه استخدمهم لإشباع رغباته الجنسية، وهذا ما ذكره الطبري في “تاريخ الأمم والملوك”، إذ قال: “لمّا ملك الأمين ابتاع الخصيان، وغالى بهم، وصيّرهم لخلوته ورفض النساء والجواري”.

ونقل كتاب “الخصيان والمترجلة” عن كتاب “تاريخ بغداد” للخطيب البغدادي أن شريحة من الخصيان الخدم سادت أيام خلافة أبي الفضل جعفر المقتدر بالله (908-932) وتولّت مناصب مهمة في الجيش والحجابة.

أحد هؤلاء القائد التركي مؤنس الخادم الذي امتاز بحنكة سياسية أهلته للتدرج في المناصب العسكرية حتى أصبح واحداً من الزعامات والقيادات التي لا يمكن الاستغناء عنها في إدارة الشؤون العسكرية، وولاه المقتدر دمشق إلاّ أنه انقلب على الخليفة بعد ذلك.

وتواصلت سيادة الخصيان على البلدان في الدولة الفاطمية، حيث تمتّعوا بنفوذ داخل قصور الخلفاء وفي دوائر صنع القرار. إذ كان الخليفة العزيز بالله الفاطمي (975-996) يملك غلاما أبيض خصيا اسمه أبو الفتوح برجوان، وولاه أمر قصوره، وكان يثق به ثقة كبيرة إلى درجة أنه، حين اقترب أجله، أوصاه برعاية ابنه الحاكم بأمر الله وكان صغير السن وتولى الخلافة وعمره 11 سنة، فدبّر برجوان الأمور، وأصبح الواسطة بين عامة الشعب والحاكم الجديد.

لكنّ برجوان تمرّد على الحاكم بأمر الله، وسيطر على مقاليد الأمور، وتعامل مع الخليفة بسخرية وعدم احترام، ويبدو أنه كان يعامل الجميع بهذه الطريقة، ما أدّى إلى قتله بسكين من قبل عدد من الخدم الذين تعاونوا عليه وأردوه قتيلا في بستانه، حسبما ورد في كتاب “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار” لتقي الدين المقريزي.

وبسبب تمتّع الكثير من الصقالبة (العبيد البيض) الخصيان بالشجاعة والفروسية والقوة الجسمانية، أصبحوا جزءاً من الحرس الخاص للأمراء الأندلسيين، كما قادوا بعض الحملات العسكرية، فتولى نصر الخصي قيادة أسطول الأندلس سنة 844 ضدّ غارات النورمان على السواحل الأندلسية وأبدى شجاعة فائقة، حسبما ورد “الصقالبة الخصيان في الأندلس/ عصري الإمارة والخلافة (183-422 هـ/ 755-1030)”.

عناوين أخرى