المهرجان الدولي للقصور الصحراوية بتطاوين:رضا جماهيري رغم هنات التنظيم
tunigate post cover
ثقافة

المهرجان الدولي للقصور الصحراوية بتطاوين:رضا جماهيري رغم هنات التنظيم

يعدّ المهرجان مناسبة لإبراز جوانب مهمة من تاريخ القصور الصحراوية التي لا تزال شامخة في أعماق الصحراء التونسية، وهي التي أصبحت رافدا سياحيا ووجهة للزوار والمؤرخين ممّن تستهويهم الكتابة عن تاريخ الحضارات التي سكنت تلك المنطقة في العصور الوسطى.
2022-03-27 21:33

صابر بن عامر

عاشت محافظة تطاوين (جنوب شرق تونس) والمعتمديات المتاخمة لها في الفترة الممتدة بين الثالث والعشرين من مارس/ آذار الجاري وحتى السابع والعشرين منه، على إيقاع النجع والشعر الشعبي والأغنية البدوية والسهرات الفنية، وذلك ضمن فعاليات النسخة الحادية والأربعون من المهرجان الدولي للقصور الصحراوية بتطاوين الذي افتتحته صبيحة الأربعاء 23 مارس/ آذار بساحة المدينة وزيرة الشؤون الثقافية التونسي حياة قطاط القرمازي، وسط حضور جماهيريّ غفير تابع الكرنفال الافتتاحي الذي شمل عروضا في الفروسية والملابس التقليدية والأنغام البدوية الصحراوية أمنتها فرق من المحافظة وبعض الجهات التابعة لها، علاوة على عروض أخرى من ليبيا ومصر وفلسطين.

وبين الأصالة والمعاصرة قدّم المهرجان وللمرة الأولى منذ إنشائه في العام 1979 عرضا للسيارات الكلاسيكية القديمة، علاوة على الدمى العملاقة وراكبي العصي، قبل أن تُعلن الوزيرة عن الافتتاح الرسمي للمهرجان.

وبعد العروض الفولكلورية والكرنفالية الافتتاحية تواصلت على امتداد الأيام السهرات الفنية الكبری بدار الثقافة ببئر الأحمر مع ابن الجهة الفنان خالد كعيب الملقّب بـ”فنان الجنوب” الذي قدّم عرضا غنائيا مستلهما من التراث التطاويني، تلاه عرض ضخم بالمنطقة الجبلية الدويرات أحياها كل من الفنان والملحن والشاعر الأزهر شعير والفنانة درة الفورتي في فصلين، الأول غنّت فيه مقتطفات من الأغاني الشرقية والمغاربية لكل من علية وسميرة سعيد ووردة الجزائرية، قبل أن تغيّر ملابسها لتصعد على الخشبة مرتدية الحرام والحولي الدويري، وهي أصيلة المحافظة، تحديدا غمراسن، وسط تفاعل الجماهير لتُغني من التراث الجنوبي والليبي أغنيات ألهبت حناجر الحضور غناء ورائها، وبينما كانت درة تغني “من القد طويلة صالحة” و”تاتك يا تاتك” كانت الشابة “الدويرية” أصيل بن صالح تمرّ أمام الجماهير مستعرضة مجموعة من الملابس التقليدية المُعصرنة من ابتكار وتصميم الشابة منى الصابري.

وفي اليوم الثالث من السهرات الكبرى وبالساحة العامة لسوق ليبيا، ووسط حشد جماهيري غفير، تجاوز الثلاثة آلاف شخص، انطلقت سهرة “الموقف” في تنشيط لمقدّم البرامج التلفزيونية والإذاعية حاتم بن عمارة، حيث قدّمت الفرق الفولكلورية بعضا من اللوحات التراثية مع مرور للجحفة والرقص بالعصي في مرافقة غنائية للفنانة ريم حمدي، تلتها عكاظية شعرية بالدارجة التونسية أمنها الشاعر الشعبي محمد بوكراع من منطقة السمار، قبل أن يُختتم الحفل بوصلة غنائية للفنان الصحبي شعير والشاعر و”قوّال” للأزهر شعير.

وبين الشعر والغناء أولى المهرجان في نسخته الأخيرة البعد السياحي أهمية كبری، حيث زار ضيوف المهرجان من تونس وخارجها المغاور الجبلية والقرى البربرية الموزّعة على كامل جهات المحافظة الممتدة على مساحة جملية قدرها 39 ألف كيلومتر مربّع، من بينها: قرية شنني وقرية بني بركة وقرية الدويرات وبعض القصور الصحراوية منها قصر حدادة وقصر أولاد سلطان وقصر بني بلال.

حضور ضئيل، لكنه أصيل

تهافت الوفود العربية على المهرجان وإن كان قليلا هذا العام، حيث انحسر بين فلسطين ومصر وليبيا، إلاّ أنه أضفى على النسخة الحادية والأربعين طابعا مغاربيا وعربيا أصيلا طالما انتظرهما أهالي الجهة إثر تفشّي وباء كورونا، الأمر الذي جعل عدد الحضور يكون استثنائيا وغير مسبوق، سهرة “الموقف” نموذجا.

الفروسية هي مهرجان داخل المهرجان، هي مهارة امتطاء الخيل والقفز فوق الحواجز، بالإضافة إلى استخدام الجياد في الأعمال الفلاحية والنقل وكذلك في الأنشطة الترفيهية سواء كانت عروض فروسية أو رقصات تعبيرية على إيقاع الطبل والزكرة أو عبر الرياضات التنافسية التي كانت حاضرة وبقوة في المحفل الصحراوي بخيول عربية أصيلة مزركشة بأسرجة قزحية الألوان.

وفي زوال السادس والعشرين من مارس/ آذار تمّ اختتام المهرجان من قبل وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري محمود إلياس حمزة، حيث وزّع الجوائز على الفرسان الفائزين بمسابقة الخيول العربية الأصيلة بتونس وليبيا.

ورغم تخلّف وزارة الشؤون الثقافية عن تعهّداتها بدعم السهرات الفنية الكبرى على غرار حفلي عبد اللطيف الغزي ويسرى المحنوش، إلاّ أن السهرات بكامل معتمديات المحافظة حقّقت أرقاما قياسية من حيث عدد الحضور.

ويعدّ المهرجان مناسبة لإبراز جوانب مهمة من تاريخ القصور الصحراوية التي لا تزال شامخة في أعماق الصحراء التونسية، لكنها أصبحت رافدا سياحيا ووجهة للزوار والمؤرخين ممّن تستهويهم الكتابة عن تاريخ الحضارات التي سكنت تلك المنطقة في العصور الوسطى.

القصور… تاريخ ضارب في القدم

لا تزال القصور الصحراوية، رغم مرور نحو ألف عام على بنائها، تشكّل إرثا تاريخيا وحضاريا مهما ورافدا ثقافيا يعيش خلال بداية ربيع  كل عام فعاليات فنية ضمن المهرجان الدولي للقصور الصحراوية بتطاوين وعلى امتداد المحافظة الواقعة في أقصى جنوب البلاد، وذلك لإحياء هذا الموروث التاريخي والمعماري الذي يروي جوانب مهمة من تاريخ المنطقة.

وتقول ابتسام الصابري أمينة مال المجمع النسائي بالدويرات (قرية أمازيغية) “إذا كانت بعض المدن الساحلية التونسية، اكتسبت مقوماتها الحضارية ودعاماتها الاقتصادية والسياحية من وجودها على السواحل أو من امتداد سهولها الخصبة، فإن زائر مدينة تطاوين الواقعة أقصى الجنوب، لا يمكن أن يمرّ مرور الكرام على القصور التي صمدت في الصحراء أكثر من تسعة قرون منذ تشييدها في أواسط القرن الحادي عشر الميلادي وحتى اليوم”.

وتتعدّد القصور في جهات الجنوب التونسي وخصوصا محافظتي مدنين وتطاوين، وهي التي تتوفّر على عشرات القصور القديمة ذات الهندسة المعمارية الضاربة في أعماق التاريخ والتي تأخذ من الصلابة والحصانة بطرف ومن الجمال والتناسق الهندسي بطرف آخر.

ويقول التاريخ أن البربر والأمازيغ كانوا أول من شيّد تلك القصور في العصور الوسطى، وتحديدا في منتصف القرن الخامس للهجرة أو الحادي عشر ميلادي.

ويؤكّد الباحث في التاريخ والآثار في جهة الجنوب التونسي علي الثابتي أنه يمكن تقسيم القصور إلى ثلاثة أجيال، جيل أول وهو الأقدم والذي جاء فوق قمم الجبال وتميّز تصميم قصوره بأنه لا يخضع للأشكال الهندسية المستقيمة، وإنما راعى أشكال القمم التي بُنيت فوقها مع عدم وجود الساحات غالبا وإنما ممرات تفضي إلى الغرف.

فيما تمّ بعد ذلك تشييد قصور الجيل الثاني، وجاءت أكثر انتظاما بساحات مربعة ومستطيلة وبعدد من الطوابق يصل إلى خمسة طوابق ثم جاءت قصور الجيل الثالث في الفترة المعاصرة، وهي القصور التي تميّزت بساحات كبيرة وتتكوّن عادة من طابق أو طابقين.

وأول من شيّد القصور الصحراوية هم قبائل البربر الذين سكنوا تلك المناطق في جهتي تطاوين ومدنين في الجنوب التونسي، وكانت هذه القبائل: بنو سليم، والغديري، والدويري والحداد وغيرها شيّدت هذه القصور لخزن المحاصيل الزراعية والحفاظ عليها لأطول مدة ممكنة، كما كانت القصور أيضا ذات أغراض أمنية، حيث كانت بمثابة الحصون التي تحمي السكان من غزوات القبائل الأخرى.

ويقول الباحث في الجيولوجيبا الحبيب علجان أن القصور الصحراوية مثّلت رافدا مهما لتاريخ جهات الجنوب التونسي، وتحديدا تطاوين ومدنين، وهو إرث حضاري أسهم بشكل أو بآخر في أن يكون دعامة من دعائم السياحة الصحراوية في تونس.

والغرض الأساسيّ من تشييد القصور هو خزن المنتجات الزراعية من زيت أو قمح أو شعير، بما أن هناك طرقا خاصة للخزن تسمح بالحفاظ على سلامة تلك المواد لمدة تزيد أحيانا عن خمس سنوات، وفي الآن نفسه كانت القصور ملاذا للقبائل البربرية لصدّ غزوات العدو.

والقصر هو مجموعة من الغرف التي تمّ بناؤها من الحجر والجبس وأغصان الأشجار وسعف النخيل بما يجعلها متماسكة وصلبة، فضلا عن مواقعها الإستراتيجية التي جعلتها تصمد أمام الطبيعة حتى الآن.

وتحوّلت القصور عبر التاريخ من حصون للأمن والحماية ومراكز للخزن، إلى روافد هامة للسياحة، حيث يرتادها السياح من مختلف البلدان، كما أنها تُعدّ من المواقع الأثرية التاريخية التي تمّ تسجيلها في القائمة التمهيدية للتراث العالمي من قبل منظمة اليونسكو.

وتمتدّ القصور الصحراوية في محافظتي تطاوين ومدنين ويبلغ عددها ما يقارب 160 قصرا من بينها قصر الحدادة الذي يقع في مدينة غمراسن، وقصر أولاد دباب وقصر أولاد سلطان، وهو أحد أهم قصور الجنوب التونسي ويقع قرب مدينة تطاوين.

وينقسم قصر أولاد سلطان إلى ساحتين تُحيط بهما غرف مبنية على مستويات مختلفة ومساحات متفاوتة، أما قصر بني بركة، فهو قصر يقع على قمة جبل بني بركة شرق مدينة الرقبة من محافظة تطاوين.

كما يوجد قصر شنني الذي يقع في القرية البربرية شنني بالمحافظة،  وعلى ارتفاع قدره 150 مترا تقريبا، فيما يختلف عدد الغرف من قصر إلى آخر، وعادة ما يقارب 200 أو 300 غرفة بحسب عدد الطوابق.

المهرجان الدولي للقصور الصحراوية#
تطاوين#

عناوين أخرى