المنتدى المسرحي الدولي.. الفن الرابع بين الفلسفة والفعل: تجارب وتحوّلات (صور)

المنتدى المسرحي الدولي بأيام قرطاج

المنتدى المسرحي الدولي يمثل منصة فريدة تجمع بين الفنان والمفكر والنقدي والجمهور، ليصبح المسرح فيها أكثر من مجرد عرض فني، بل فضاءً حيًّا للتجربة الإنسانية والاجتماعية والفكرية.

وعلى مدى أيامه الثلاثة، فتح المنتدى في النسخة الـ26 من أيام قرطاج المسرحية أبواب النقاش على أسئلة وجودية وأخلاقية، مستكشفًا قدرة المسرح على التفاعل مع القضايا المعاصرة والتحديات الإنسانية، من السياسة إلى الثقافة، ومن التاريخ إلى المستقبل..

المنتدى لا يقتصر على تقديم عروض مسرحية، بل يسعى إلى خلق حوار متعدّد الأبعاد بين النظرية والممارسة، بين التجربة الفردية والجماعية، بين النص والخشبة، بين الفنان والجمهور.

هنا، يصبح المسرح مختبرا للتجربة والفكر، ومساحة لإعادة اكتشاف الإنسان والمجتمع والزمان، ومكانًا تتقاطع فيه الأفكار مع الحركة والصوت والصورة، لتتولد طبقات جديدة من المعنى والإدراك.

منصة للتفاعل بين الثقافات والأجيال

في هذا الإطار، يتحوّل المنتدى إلى منصة للتفاعل بين الثقافات والأجيال، حيث يجد المشاركون والمبدعون مساحة للتأمل، والتجربة، والتفكير النقدي، ولإطلاق حوار مفتوح عن دور المسرح في صياغة مستقبل الفن والمجتمع.

وكأنّ المنتدى المسرحي الدولي يفتح بوابة واسعة نحو طبقات متعدّدة من التجربة، طبقات يتحرّك فيها المسرح كجسد يفكّر ويتنفّس.

فحين نتأمله دون أحكام مسبقة، يظهر كمساحة تتجاور فيها الفلسفة مع الإحساس، والذاكرة مع الجسد، والخيال مع الواقع.

كل جلسة نقاش تحرّك شيئا في هذا الكيان الحيّ الذي يبحث عن طرق جديدة ليعبّر عن الإنسان وزمنه.

المسرح داخل هذا المنتدى يتحوّل إلى مجال حيوي يعيد صياغة العلاقة بين الفكر والتجريب.

كل حركة فوق الخشبة تفتح سؤالًا، وكل نص يُعاد تناوله يضيء زاوية مختلفة من العالم.

الفنان والمفكّر يتقدّمان معًا نحو منطقة مشتركة، منطقة تتولّد فيها الدهشة من احتكاك الأفكار بالأجساد، ومن الانتقال المستمرّ بين النظرية والممارسة.

هذا الاحتكاك يمنح المسرح قدرة على توسيع أفق الإدراك، وكأنه يختبر إمكانات جديدة للغة والعاطفة والخيال.

التلاقي بين ثقافات متباينة داخل المنتدى يخلق طاقة خاصة. التجارب الآتية من عوالم مختلفة تضع أمام المشاركين مرآة واسعة، مرآة تتجاور فيها الذاكرات والأساليب والرؤى. الأجيال كذلك تُشارك حضورها؛ فخبرات من مضت أعوام طويلة على بداياتها تتحاور مع رؤى فتيّة تسعى إلى إعادة تشكيل معنى العرض والكتابة والإخراج.

الزمن هنا يقف في مفترق، يسمح للمسرح بأن يعاين نفسه ويبحث عن مسارات جديدة.

الجمهور داخل هذا الفضاء يشارك بدوره. حضوره يتحوّل إلى عنصر من عناصر الخشبة. كل تفاعل يفتح مجالًا لإدراك مختلف، وكل سؤال يضيف طبقة للمعنى.

المنتدى يخلق علاقة حيّة بين المتلقي والمبدع، علاقة تتجاوز المشاهدة لتلامس المشاركة في صناعة المعنى.

هكذا يتشكّل المنتدى كمختبر واسع، يتيح للمشاركين تأمل دور المسرح في الحياة العامة، وفي تشكيل الوعي الجمالي والاجتماعي.

هو مساحة للتجريب والتفكير، حيث تتولّد احتمالات جديدة في كل لحظة، وتظهر طرق أخرى لفهم العالم عبر الضوء والحركة والصوت وبصمة الإنسان.

فاضل الجعايبي.. استدعاء طبقات من الذاكرة لشخص واحد

هناك شيء لافت في الطريقة التي يظهر بها اسم فاضل الجعايبي في أيّ نقاش مسرحي: كأنك تستدعي طبقات من الذاكرة لا شخصًا واحدًا.

كأنك تفتح دفترًا سريًا ظل يُكتب عليه منذ نصف قرن من التجريب، والقلق، ومحاولة جرّ المسرح إلى منطقة تشتعل فيها الحياة والأسئلة معًا.

عند افتتاح الندوة، ومع حضور المدير الفني لأيام قرطاج المسرحية محمد منير العرقي، بدا أنّ مداخلة عبدالحليم المسعودي تريد أن تؤسّس إيقاعا مختلفا للنقاش.

تحدّث بعين الباحث الذي ينقب في طبقات المهنة، وبأذن الناقد الذي لا يخشى الاقتراب من المنطقة الحساسة: كيف نعيد النظر في تكوين الفنان؟ ما معنى أن تكون الذاكرة جزءًا من مشروع فني؟ وكيف يمكن لبنية المسرح أن تستمرّ دون أن تفقد روحها المحرّكة؟

طرح المسعودي هذه الأسئلة بوصفها بوصلة لأيّ حديث جدي عن الفن، وكأنه يعيد ترتيب الفضاء منذ اللحظة الأولى ليُذكّر بأنّ المسرح ليس حدثا، بل مسارا.

ضمن هذا السياق، يحضر فاضل الجعايبي كشخصية تكاد تكون مرجعا حيّا. ليس لأنه يختصر التاريخ المسرحي التونسي، بل لأنه شارك في صنع مزاجه الحادّ، وحرّك مساراته في اتجاهات لم تكن مألوفة.

الرحلة التي قادته إلى فرنسا أواخر الستينيات لم تكن رحلة هروب، بل كانت استعدادًا لعودة مختلفة.

تلقّى هناك تدريبًا مكثفًا بين 1967 و1972، اكتشف المناهج الغربية في الأداء والإخراج، ثم عاد وفي ذهنه رغبة في اختبار هذه المناهج على أرض لها مشاكلها وأسئلتها الخاصة.

حين تولّى إدارة المعهد الوطني للفنون الدرامية سنة 1974، لم يكن يشغل منصبًا، بل يمارس عملية جراحية في ذاكرة المسرح.

مدّ يده إلى البنية التكوينية من الداخل، فتح نوافذ، غيّر طرق التفكير، ودفع الجيل الجديد إلى التعامل مع المسرح كحرفة ومسؤولية، لا مجرد هواية جميلة.

تجربة “المسرح الجديد” التي أسّسها سنة 1976 مع جليلة بكّار والراحل محمد فاضل الجزيري ورفاقهم، كانت خطوة جريئة في تاريخ المسرح التونسي.

الفرقة لم تكتف بتجريب النصوص أو أداء مختلف، بل دخلت إلى منطقة الاحتكاك المباشر مع المجتمع، كأنها تُعيد صقل أعصاب المدينة من خلال الخشبة.

كان ذلك زمنًا يبحث فيه المسرح عن لغة أقل تهذيبًا وأكثر كشفًا، لغة تُمسك بالألم والضحك معًا.

منذ ذلك الحين، ظلّت أعمال الجعايبي مختبرات مفتوحة: “فاميليا”، “جنون”، “خمسون”، “يحيى يعيش”، “خوف”، “مارتير”، “أجساد رهينة”، وصولًا إلى “(الـ)حلم”.

أعمال تشبه عمليات تنقيب في الطبقات النفسية والسياسية والاجتماعية. المسرح عنده أقرب إلى جهاز رصد يلتقط ما لا نراه، ثم يعيده إلينا في صورة حية ومربكة.

في مداخلته داخل المنتدى، استعاد الجعايبي كل هذه التجارب لا ليحتفل بها، بل ليستخدمها كمواد أوّلية لصناعة فكرة: المسرح ليس نتاجًا جاهزًا. هو ورشة دائمة. ورشة نص، ورشة ممثل، ورشة جمهور، وورشة مؤسّسات.

من هذه الرؤية وُلدت مدارس التمثيل، وتوسّع إنتاج المسرح الوطني، وتشكّلت قناعة بأنّ للفن دور أخلاقي، وأنّ الخشبة قادرة على جمع الشروخ المتناثرة في المجتمع ضمن صورة نستطيع تأملها من جديد.

المُدهش أنّ الجعايبي لا يتحدّث عن المسرح بوصفه ذاكرة فقط، بل بوصفه طريقة للقبض على الزمن.

يعيد ترتيبه، يعيد خلقه، ثم يضعه أمامنا كأننا نراه للمرة الأولى، ومن هنا تستمرّ حكايته..

توفيق الجبالي.. صراحة وجدلية في قلب المسرح التونسي

كلما تحدّث رجل المسرح التونسي توفيق الجبالي إلاّ وأثار الانتباه والجدل أمام جمهور غفير من المهنيين من مختلف الأوساط، شارك تجربته بصراحة، وانتقد بعض مواقف الجمهور والجيل الجديد من الفنانين التونسيين، مستعرضا محطات من مسيرته.

ولد جبالي عام 1944، وبعد أن مارس عدة مهن، اتّجه إلى المسرح بدافع الضرورة.

واليوم، ورغم حضوره الرمزي الكبير في المشهد المسرحي التونسي، يرفض الجبالي هذا الوصف، ويفضّل أن يقدّم نفسه بعبارته الشهيرة: “رجل المسرح الذي ليس كذلك”.

بصراحة مدهشة، تطرّق الجبالي إلى فكرة “اللغة كجدار فصل”، خاصة حين يتعلّق الأمر بالرقابة، التي يرى أنها عاجزة عن ملاحقة ما يُقال بين السطور.

وتحدّث عن ذكرياته مع لجنة الرقابة، ملاحظا أنها كانت تنشغل بالقشور مثل بعض الكلمات “المبتذلة” بينما تغفل جوهر النص وروحه.

كما انتقد مؤسّس “التياترو” الجمهور الذي يبحث أحيانا عن روابط بين أعمال لا أساس لها.

كما أثبت ذلك ارتباك الجمهور في حفل الافتتاح، الذي رأى صلة بين مقتطفات من “الملك لير” التي أدّتها جليلة بكار ونسخة يحيى الفخراني.

وأعرب عن دهشته إزاء المجتمع التونسي الذي يشهد تغيرات مستمرّة: “يوما يكون محافظا، وفي اليوم التالي يكون حداثيا ، قبل أن يغرق في الفوضى”.

تساءل توفيق الجبالي بسخرية: “كيف يمكن لرجل مسرح أن يستلهم من مجتمع لا يعرف إلى أين يتّجه؟”، مشيرا إلى الفرق بين التفسير والنقد المسرحي.

كما انتقد الانقسامات بين النقاد: الناقد الأكاديمي، والناقد المبلغ، والناقد المدمر الذي يفرض رؤيته الخاصة.

أما بالنسبة لأعماله، فقد قال: “أنا لا أسعى لإرضاء الجمهور. فإن لم توافق توقعاته، فأنت فنان فاشل. أنا أحب أن أكون هذا الفاشل”.

وفي معرض حديثه عن الجيل الجديد من الفنانين التونسيين، أعرب الجبالي عن أسفه لعدم وجود رؤية واضحة للمسرح التونسي، متسائلا: “أين هي الحركة المسرحية؟ آخر بيان، البيان 11، يعود إلى ستينيات القرن الماضي. أين الفنانون والقضايا الكبرى لهذه الجيل الجديد؟

وخلص توفيق الجبالي في ختام اللقاء -الذي أداره الناقد المسرحي لطفي العربي السنوسي- إلى غياب الإستراتيجية والهيكلية في المشهد المسرحي المحلي.

فن قادر على مواجهة أزمات الإنسانية وجرح التاريخ

في اليوم الثالث، والأخير، من المنتدى المسرحي الدولي، تحوّلت القاعات إلى فضاءات حية للتفكير العميق، حيث اصطدمت التجارب الفردية للفنانين بالتحليل النقدي والاجتماعي، واحتلت أسئلة الدور الأخلاقي والوجودي للمسرح قلب النقاش.

بدا اليوم وكأنه رحلة تتقاطع فيها الحواس مع الفكر، وحيث يصبح الفن المسرحي أداة لإعادة صياغة علاقة الإنسان بالعالم من حوله.

افتتح اليوم بمقاربة فلسفية للمسرح، قدّمه منظّروه كفضاء مقدس، بعيدًا عن الألقاب والصيغ الجاهزة، قادر على مواجهة أزمات الإنسانية وجرح التاريخ، وصوت يتكلّم بعد سنوات من الصمت والعنف.

ثم امتد النقاش ليشمل تجارب الشباب والمسرح المستقل من مختلف أنحاء العالم، مستكشفًا قدرة المسرح على إنتاج معرفة جديدة، وإعادة ترتيب الحساسيات الإنسانية تجاه الذات والآخر، والمدينة، والثقافة، والزمن..

أم الزين بن شيخة المسكيني.. المسرح والفلسفة في مواجهة التاريخ

في جلسة أدارها الباحث عمر علوي، طرحت أم الزين بن شيخة المسكيني السؤال الأكثر إلحاحًا: ما الحقيقة التي نبحث عنها حين يلتقي المسرح بالفلسفة؟

أكّدت أنّ المسرح ليس ملكًا لأحد، بل فن مقدس يهزّ الإنسان من الداخل، يواجه الجروح المفتوحة للتاريخ، ويرصد صدى الدماء والإرث الكولونيالي الذي يسكن الجسد واللغة والذاكرة.

تحدّثت الباحثة التونسية عن قدرة المسرح على الكلام حين تتكسّر اللغة، وحين يصبح الفن وسيلة لاستعادة الصوت والوجود.

كانت فلسفتها تجربة متحرّكة بين الجسد والكلمة، بين الصمت وما قبل اللغة، بين الخشبة وما يضغط عليها من أثر العالم.

أضاءت الخشبة كمساحة لإعادة تشكيل الحس الإنساني المشترك، وكأداة لتفكيك إرث الاستعمار عبر الحركة والتنفّس واللغة في لحظتها الأولى، ما منح الحضور إحساسًا بأنّ المسرح ليس مجرد عرض، بل ممارسة وجودية تُعيد للإنسان صوته وقدرته على التفكير.

باتريس بافيس.. المسرح كمختبر للتجربة الإنسانية

في الجلسة الثالثة، قدّم الناقد الفرنسي باتريس بافيس رؤية متكاملة للمسرح كفضاء حي للتجربة الإنسانية والاجتماعية والفكرية.

شدّد على الـ“mise‑en‑scène” كشبكة متفاعلة من الجسد، الصوت، الفضاء، الزمن والصورة، حيث تتشابك العناصر لتنتج طبقات متعدّدة من المعنى، وتجعل الجمهور شريكًا في صناعة الفعل المسرحي وفهمه.

المسرح يصبح هنا مختبرا معرفيا وعاطفيا، تتحوّل كل حركة وكل صوت وكل امتداد فضائي إلى أداة للتفكير واستكشاف العمق الإنساني.

النص على الخشبة ليس مجرد عرض، بل فعل إبداعي مستمرّ يعيد تشكيل الوقت الاجتماعي والذاكرة الثقافية والتجربة الإنسانية.

الحركة والصوت والفضاء يتحوّلون إلى أدوات للحوار بين الذات والآخر، الفرد والمجتمع، الهوية المحلية والانفتاح الثقافي العالمي.

أدار محمد المديوني الحوار بمهارة، رابطًا بين النظرية الأوروبية وتجارب المسرحيين العرب، لتصبح الجلسة منصة لإعادة اكتشاف الإنسان والمجتمع والزمان، وتجربة معرفية وفلسفية متعددة الأبعاد.

اختتم اليوم الثالث من المنتدى بمشهد حيّ للتفاعل بين الفكر والفن، حيث تجسّد المسرح أكثر من مجرد عرض جمالي: هو مسرح للفكر، مختبر للتجربة الإنسانية، مساحة لإعادة النظر في العلاقة بين النص والمجتمع، الجسد والمدينة، الهوية والثقافة.

من التأمل الفلسفي إلى التجربة المسرحية العملية، برز المسرح كفضاء للتجاوز، للتلاقي بين الماضي والحاضر، بين الفكرة والفعل، وبين الذات والآخر.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *