ثقافة

“الملوخية”… سيدة المائدة التونسية في رأس السنة الهجرية

“الملوخية” طبق يوحد العرب على عشق أكلة بعينها، تختلف وصفاتها ومقاديرها حسب طريقة إعدادها من بلد إلى آخر، وتشتهر بقوامها الأخضر الداكن في المطبخ الشرقي، والأسود على الطريقة التونسية وسائر شعوب المغرب العربي.

معتقلو 25 جويلية

يصفها بعض المولعين بفنون الطبخ والطعام بكونها “معشوقة الملايين” بطمعها المميز ورائحتها النفاذة المحببة الممزوجة بعبق البهارات.

تمثل الملوخية طبقا أساسيا في الثقافة الغذائية المحلية في تونس، والأكلة الرئيسية التي تزين الموائد في المناسبات الدينية. وهي محببة إلى قلوب التونسيين، خاصة في رأس السنة الهجرية.

ويرمز إعداد الملوخية في الموروث الشعبي التونسي إلى الفأل الحسن والاستبشار ببداية العام الجديد. 

تطبخ ربات البيوت هذه الأكلة حتى يكون “طالع السنة الجديدة أخضر”، مثل لون هذه النبتة في إشارة إلى الخير والاستقرار.

طبق شعبي بوصفات متنوعة

ورغم تنوع طرق طبخها، إلا أن أسلوب تهيئة الملوخية، وحبكتها تترجم عبقرية المطبخ العربي، وإبداعه في استخراج أجمل خصائص هذه النبتة، ومزجها مع توليفة من المقادير الأخرى والمكونات المتنوعة، لإعداد وجبة مميزة تحولت إلى أكثر الأطعمة شهرة في المشرق، والمغرب العربي على حد سواء.

 يكمن سر هذا الطبق الشعبي الرائج على امتداد الوطن العربي، من خليجه إلى مشرقه وصولا إلى بلاد المغرب، وشمال إفريقيا، في النبتة التي تحمل  التسمية نفسها وهي من فصيلة الورقيات، والنباتات الزهرية.

تستمد نبتة الملوخية خصوصيتها من مناخ الشرق الأوسط لتنمو في الطقس الدافئ والممطر، ما يجعل إمكانية زراعتها في مناطق أخرى من العالم صعبا. 

وفضلا عن سهولة زراعتها على مدار السنة، تتميز الملوخية بمحصولها الوفير إذ تجمع قرابة 4 مرات خلال موسم واحد.

من الفراعنة إلى الفاطميين

تجمع الروايات على أن الفراعنة قد كانوا أول من عرف الملوخية، بعد اكتشاف نموها على أطراف وادي النيل، ومنطقة الدلتا. ورغم الطفرة التي أحدثها الفراعنة في الفلاحة من خلال زراعة البقوليات إلا أنهم تأخروا في إدراك القيمة الغذائية للملوخية إلى غاية غزو الهكسوس، والذي تسبب في إبادة المحاصيل الزراعية، ما أجبر المصريين على أكلها بعد أن كانوا يحسبونها نبتة سامة، وهو ما يفسر حسب الرواية المتداولة تسميتها المشتقة من عبارة “خية” الفرعونية، وتعني “السام”.

 تربط الرواية الثانية أصل التسمية بالفاطميين الذين كانوا أول من طبخها في عهد الخليفة المعز لدين الله، والذي سماها “الملوكية” من فرط إعجابه بها ثم شاعت لاحقا بين أهل مصر والشام باسم الملوخية.

بين ملوخية المشرق والمغرب العربي

يصاب الكثيرون من أهل المشرق العربي بالذهول والصدمة، عندما يكتشفون أن طهي الملوخية التونسية يستغرق 4 ساعات تقريبا، فماهي هذه الوصفة التي يتطلب إعدادها من الوقت ما يكفي لطهي خروف على الحطب؟

يكمن السر في التفاصيل، والمكونات، والمقادير، فخلافا لوصفة الملوخية التي يشتهر بها المطبخ المصري، والشامي عموما، والذي يعرف بتحضيرها بطريقة سهلة،  لا تستغرق أكثر من نصف ساعة لإعداد طبخة تجمع في قوامها بين خصائص المرق، والشربة السائلة، تشتهر وصفة الملوخية في تونس بكونها من أصعب الأكلات حتى عد إتقانها علامة على حذق الفتيات لفنون المطبخ.

تعتمد الوصفة المصرية على سلق ورق الملوخية، وطهيها مع لحم الأرانب أو الدجاج، ويضاف إليها الطماطم، والثوم المهروس، والكزبرة الجافة، والليمون، والسمن، ولا تزيد مدة سلقها في الماء عن عشر دقائق.

في المقابل يستخدم المطبخ التونسي أوراق الملوخية المجففة، والتي تطحن حتى تتحول إلى مسحوق ناعم يضاف  إليه زيت الزيتون، والماء، واللحم البقري. وتطبخ في البداية لمدة نصف ساعة حتى ينحل المسحوق بشكل كامل، لتقع بعد ذلك إضافة البصل، والثوم والطماطم، والتوابل والملح، ويستغرق تجهيزها ثلاث ساعات أخرى.