المكّي: سياسات سعيّد انتحارية وسنضع "انقلابه" بين قوسين
tunigate post cover
تونس

المكّي: سياسات سعيّد انتحارية وسنضع "انقلابه" بين قوسين

في حوار شامل مع بوابة تونس... عبد اللطيف المكّي يحلّل ملامح الوضع السياسي والاقتصادي ويكشف تفاصيل خلافاته مع الغنوشي وهوية مشروعه الحزبي الجديد
2022-11-27 17:58

وجدي بن مسعود

مسيرة سياسية راوحت بين الحركة الطلابية ومحنة السجن الانفرادي، مرورا بالمسؤوليات الحزبية صلب حركة النهضة التي ترأّس مؤتمرها التاسع، والعمل الحكومي مكلّفا بحقيبة الصحّة التي شغلها في حكومتي حمادي الجبالي وإلياس الفخفاخ.

هو “الجنرال” كما يطلق عليه التونسيون، بعد أن قاد معركة صحّية ناجحة ضدّ جائحة كورونا خلال موجتها الأولى، رغم ضعف البنية الطبية والإمكانيات البشرية، وهو الطبيب الذي أصرّ على استكمال دراسته الجامعية بعد سنوات المعتقل، وأحد قيادات “مجموعة المئة” التي حسمت خلافاتها مع رئيس النهضة راشد الغنوشي بالاستقالة.

استقالة يصفها ضيفنا بأنّها نتيجة لمرحلة طويلة من المعارضة الداخلية لسياسات الغنوشي، فضلا عن عوامل ذاتية وموضوعية ترتبط بنضج التجربة والرؤية.

في حوار مطوّل مع بوابة تونس تطرّق الدكتور عبداللطيف المكي إلى مستجدات المشهد الداخلي في تونس، مقيّما سياسات جبهة الخلاص ومواقفها، كما تحدّث عن تجربته الحزبية الجديدة على رأس حزب “العمل والإنجاز”.

– لو نبدأ من الجدل المثار بشأن القمّة الفرنكوفونية، هل تتّفق مع بعض الآراء التي ترى أنّ انعقادها في هذا التوقيت وقبيل الانتخابات التشريعية، هو بمثابة إضفاء شرعية دولية على سياسات قيس سعيّد؟

من المؤكّد أنّ قيس سعيّد يحاول إبراز ذلك من خلال تنظيم القمّة، ولكنّي ما زلت مقتنعا بأنّ المشروعية الحقيقية مستمدّة من الشعب، وهو الأمر الذي فقده سعيّد بشكل كامل حتى من أقرب أنصاره الأكثر حماسا لمشروعه، إذ لم يعودوا قادرين عن الدفاع عنه في الشوارع والفضاءات العامة والمقاهي.

هذه القناعة الشعبية تجاه سعيّد تشكّلت بعد أن شهد التونسيون طريقة إدارته، ووعوده التي أخلفها وانتهاكه الحريات وقمعه الاحتجاجات الاجتماعية، والتي كان آخر مشاهدها في جرجيس حيث قوبل المتظاهرون السلميون بقنابل الغاز.

ولذلك فأنا على قناعة بأنّه أيّا كانت الفعاليات والتظاهرات الدولية التي تحتضنها تونس، فإنّها لن تمنح شرعية لسعيّد الذي انقلب على الدستور، لأنّ الجماهير تخلت عنه بعد سنة وأربعة أشهر من مشروعه السّلطوي.

أما على مستوى جبهة الخلاص الوطني فإنّ موقفنا كان واضحا، حيث توجّهنا بسؤال صريح إلى المسؤولين عن القمّة الفرنكوفونية والمنظّمة الدولية للفرنكوفونية، مفاده ماذا تغيّر اليوم في تونس على صعيد مسألة الديمقراطية حتى يقع عقد هذا الحدث بعد تأجيله العام الماضي للأسباب ذاتها؟ فكل المؤشّرات تفيد استفحال انتهاك الحقوق والحريات وتوظيف المحاكم العسكرية لتتبّع المعارضين السياسيين، فضلا عن المواقف التي أصدرتها المحكمة الإفريقية ولجنة البندقية ضدّ الإجراءات المتّخذة منذ 25 جويلية/يوليو.

– في سياق الحديث عن القمّة الفرنكوفونية، لماذا لم تفكّر جبهة الخلاص في تحرّك احتجاجي على غرار إضراب الجوع الذي نفّذه عدد من شخصيات تحالف 18 أكتوبر/تشرين الأول، خلال قمّة مجتمع المعلومات سنة 2005 وأحرج نظام بن علي على المستوى الدولي؟

نحن نضبط تحرّكاتنا على نبض الشعب التونسي وظروفه، ومن البديهي القول إنّ الظروف المرتبطة بمرحلة قمّة مجتمع المعلومات سنة 2005 كانت مختلفة، حيث كان المجتمع التونسي وقتها مكبّلا، أما الآن فإنّ الأصوات المقاومة لقيس سعيّد تعدّ نتاجا لما بثّته الديمقراطية طوال سنوات في أوساط الشعب التونسي، من جرأة وشجاعة ودفاع عن الحرية واهتمام بالشأن العام، ولذلك فإنّ مثل هذه المبادرات سيأتي أوانها لاحقا.

مشروع جبهة الخلاص

– مشروع جبهة الخلاص يسعى إلى صياغة توافق شامل بشأن الإصلاحات بين كل القوى الوطنية المعارضة، فهل تعقد أنّ هذا المسعى ممكن في خضم الانقسامات السياسية التي تفاقمت منذ 25 جويلية/يوليو 2021؟

المعارضة بصدد تكرار أخطاء الفرقة والمشاحنات التي مكنت قيس سعيّد من تنفيذ انقلابه، ولكنّي أقدّر أنّ الجميع سيلتقي بمرور الوقت ضمن تحرّكات ومبادرات نضالية للتصدّي له، مثلما نشهده اليوم من التقاء عديد القوى على موقف موحّد من الوضع الراهن رغم اختلاف الجبهات.

أتذكّر أنّه في بداية الانقلاب عبّرت بعض الأحزاب عن مساندتها سعيّد عن حسن نيّة، أملا في أنّه سيسلك منحى إصلاحيا، قبل أن تغيّر موقفها لاحقا، وتغيّر المواقف بالضرورة سيؤدّي إلى تحوّل في طبيعة العلاقات بين الأحزاب، ولكن دون أن ننفي الماضي ودون أن نعيد تقييمه.

– بعد ستّة أشهر من انطلاق جبهة الخلاص كيف تقيّم حصاد عملها، وهل بدأتم في وضع تصوّرات بشأن الإصلاحات السياسية والهيكلية والاقتصادية التي أعلنت عنها؟

رغم عمرها القصير نسبيا إلّا أنّ جبهة الخلاص الوطني أحدثت نتيجة مهمّة تتعلّق خاصّة بوضوح الرؤية والبصيرة، إذ أكّدت المواقف التي أعلنّا عنها منذ 25 جويلية 2021 بشأن انقلاب قيس سعيّد، وتداعياته المتوقّعة من انهيار اقتصادي وتدهور في إدارة الدولة ومناخ الحريات، وبالتالي فإنّ الجبهة مثّلت تكريسا لمعركة المصداقية.

على مستوى الأفكار، قمنا بتشكيل منتدى اقتصادي انطلق في صياغة عدّة ورقات بشأن ملامح الإصلاحات. وسنقدّم كذلك وجهة نظرنا بالنسبة إلى الإصلاح الدستوري. وعندما يحين الأوان فسنحدث الإصلاحات السياسية اللازمة، باعتبار أنّ أغلب السياسيين مستوعبون لنقاط ضعف دستور 2014.

الأولوية الآن هي لتعبئة الشارع والرأي العام ضدّ مشروع قيس سعيّد الاستبدادي، ولا يمكننا الدخول في تفاصيل أخرى ما دامت هذه التعبئة مستمرّة على مستوى النخب والجماهير.

– يرى بعض الملاحظين أنّ الأسلوب الذي تعتمده جبهة الخلاص والقائم على الاجتماعات الشعبية والمؤتمرات الإعلامية غير كاف للضغط على قيس سعيّد؟  

الاجتماعات والمؤتمرات الصحفية هي من الأدوات السلمية التي تعمل على صناعة الرأي العام، وتعكس كذلك توجّهنا بصفتنا ديمقراطيين نخاطب الناس بالإقناع.

وأريد أن ألفت على صعيد هذه النقطة إلى أنّنا لسنا الوحيدين في الساحة، الذين يقاومون قيس سعيّد سلميا، فالشارع بدوره انخرط في المقاومة السلمية ردّا على السياسات والتعيينات التي ينتهجها، والتحرّكات الاحتجاجية المتواترة في الأحياء الشعبية وجرجيس وصفاقس وغيرها من الجهات خلال الفترة الماضية، تؤكّد ذلك.

كذلك الفاعلون الاقتصاديون سيقاومون سعيّد، لأنّ سياساته ستؤدّي بهم إلى الانهيار، في ظلّ تراجع احتياطي العملة الصعبة التي تعتمد عليها المصانع لتوريد المواد الخام الأساسية للإنتاج، فضلا عن الأزمات التي تواجهها منظومتا اللحوم والحليب.

وعموما نحن ندرك أنّ الديمقراطية بطيئة في الإنجاز أو الاعتراض على الانقلاب، ولكنّها تشمل الجميع.

الأزمة الاقتصادية بين الخلفيات والواقع

– بالحديث عن الأزمة الاقتصادية وتداعيات عجز الموازنة، هناك من يرى أنّ ما تشهده تونس راهنا يشكّل نتيجة للتركة السيّئة التي خلّفتها الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الماضية؟

قيس سعيّد تسلّم اقتصادا تحت الإنعاش فقام برفع الأجهزة عنه، نحن لا ننكر وجود صعوبات اقتصادية وعجز مستمرّ خلال السنوات الماضية، ولكن في المقابل كان هناك جهد حقيقي لمنع الانهيار وتحقيق جملة من الأولويات الحساسة، مثل انتظام تزويد السوق والتزام تونس بتسديد ديونها.

سعيّد عندما سيطر على السّلطة بشكل منفرد، أوقف كل هذا الجهد لأنّ أولوياته لم تكن اقتصادية، بقدر ما سعى إلى تركيز سلطته الفردية، وظلّ يتحجّج بأنّ المشكل الاقتصادي ناتج عن الاحتكار والمضاربات ومحاولات بعض “اللوبيات” تعطيل عمل الحكومة، في حين أنّه أوقف إنعاش الاقتصاد.

التجربة الجديدة والخلاف مع الغنوشي

– تعرّفون “حزب العمل والإنجاز” الذي ترأّسه بأنّه “حزب ديمقراطي محافظ واجتماعي”، فهل يمكن أن نعتبر أنّ هذه الهوية مؤشّرا على تحوّل فكري من الإسلام السياسي إلى النهج المحافظ على طريقة الأحزاب الغربية؟

هو تطوّر فكري حاصل منذ فترة طويلة، ولكننا نحمله أيضا في جذورنا منذ البدايات، باعتباره تيّارا تلمذيّا وطلابيّا امتزج مع التنظيمات اليسارية والقومية في الجامعة، لكنّه لم يجد الفرصة لاحقا للتعبير عن نفسه داخل قيادة النهضة، بحكم طريقة القيادة السابقة التي لم تولِ المسألة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية الأهمية المطلوبة، وبالتالي نحن نجد الفرصة اليوم لعرض هذا الفكر في شكل برنامج اقتصادي بأبعاده المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

– كنت في طليعة ما يُعرف بـ”مجموعة المئة” داخل النهضة، والتي عارضت محاولات التمديد لراشد الغنوشي في رئاسة الحركة، كما كانت لها مواقف في ما يتعلّق بالقيادة والسياسات. فما كانت أبرز المحاور الخلافية التي انتهت بكم إلى الاستقالة؟

مسألة القيادة كانت على رأس القضايا الخلافية باعتبارها صانعة لسياسات الحزب ومواقفه وطريقته في الحكم، فلا يجب أن نستهين بشأنها، وإلى جانبها كانت هناك تفريعات أخرى تتعلّق بمسألة الديمقراطية داخل الحزب، وكذلك الحسّ الاجتماعي والاقتصادي ضمن برامجه، والجرأة في مقاومة الفساد والفاسدين والجرأة في الإصلاحات.

ونحن عبّرنا عن موقفنا بوضوح باعتبارها تيّارا إصلاحيا داخل النهضة خلال الفترة من سنة 2014 إلى 2019، وقلنا إنّنا لسنا ضدّ التوافق مع نداء تونس شرط أن يكون ذلك على أساس برنامج وقيادة حزبية مشتركة وجماعية، وعلى أرضية أهداف الثورة وعلى رأسها مقاومة الفساد والإصلاحات وتطوير النمط التنموي الوطني، وبالتالي كانت هناك اختلافات عميقة بيننا وبين قيادة الحركة.

خلاصة القول إنّ هناك فرقا بين حركة لديها مشروع فكري وثقافي تروّج له، وبين حزب سياسي يقدّم وعودا للمواطنين يُفترض الالتزام بها، وطريقة القيادة داخل النهضة تسبّبت في كثير من الإخلالات.

– كيف تحوّلت العلاقة مع راشد الغنوشي من اعتبارك ضمن دائرة المقرّبين منه إلى المعارضة والخلاف؟

القول إنّي كنت من المقرّبين من الغنوشي غير صحيح، إذ كنت معارضا له منذ بدأت في فهم عقليّته وكان هذا واضحا خلال ترؤّسي المؤتمر التاسع سنة 2012.

في هذا السياق تحدّثت إحدى الإذاعات الخاصة في الآونة الأخيرة، أنّي كنت حينها مدعوما ومرشّحا من قبل الغنوشي بصفتي منافسا لحمادي الجبالي خلال المؤتمر، وهذا مخالف للواقع، فالجبالي هو من دعم ترشّحي لرئاسة المؤتمر التاسع، أما الأستاذ راشد فقدّم مرشّحا آخر.

منذ ذلك الوقت تفطّنت لخطورة هذه الطريقة في القيادة، وعبّرنا عن اعتراضنا على عديد القرارات المتّخذة من قبله، كان أهمّها نتائج لقاء باريس السرية وطريقة إدارة الوفاق مع النداء، وكذلك ترشّحه لرئاسة البرلمان وإسقاط حكومة الحبيب الجملي وإلياس الفخفاخ، وقبوله بهشام المشيشي واستمرار حكومته “العرجاء”، وكثير من المواقف الأخرى، وبالتالي كان لنا خيط ناظم في التعبير عن مواقفنا واعتراضاتنا.

– كيف تستشرفون ملامح المرحلة القادمة في خضم تحليلات متباينة يرى بعضها أنّ تونس تتّجه سياسيا إلى تكرار السيناريو المصري، في حين تحذّر توقّعات أخرى من انفجار اجتماعي قادم؟

هناك اختلافات جوهرية بين وضع تونس ومصر، فلا جيشنا هو الجيش المصري ولا مجتمعنا يشبه المجتمع المصري، وحتى النخب السياسية مختلفة كذلك.

تونس أسّست الجناح الغربي للعالم الإسلامي الذي وطّد الأساس لجامعة الزيتونة وجامع القرويين في المغرب، وبنى الحضارة الأندلسية بكل أبعادها الفنية والفلسفية والفكرية والثقافية.

هذه المدرسة بنهجها المقاصدي تختلف قطعا عن مدرسة المشرق العربي، ولذلك تونس ستنصر على الانقلاب وستعيد الديمقراطية، كما سترسخ الوعي السياسي بقوة في أعماق كل الفئات الشعبية ولن يبقى محصورا في النخب الحزبية، ولذلك أنا متفائل.

قلقي الوحيد يتعلّق بالثمن الذي ستدفعه تونس بعد مرحلة قيس سعيّد، والذي يقود “سياسات انتحارية” على المستوى الاقتصادي والاجتماعي قد تنتهي إلى انهيار كبير، من خلال فقدان المواد الأساسية والمحروقات والأدوية نتيجة العجز عن السداد والتضخّم والمديونية.

فيما عدا ذلك أفكّر بالأمل نفسه الذي تحدّيت فيه الزنزانة الانفرادية في سجن 9 أفريل/نيسان زمن المحنة، أين كنت أتدرّب يوميا على الخطابة باللغة الفرنسية، وعندما سألني السجّان عن ذلك أخبرته أنّه إعداد للمستقبل ومرحلة ما بعد المعتقل فسخر مني، ولذلك أنا على القناعة نفسها أنّ تونس ستضع انقلاب قيس سعيّد بين قوسين. 

جبهة الخلاص الوطني#
حركة النهضة#
راشد العغنوشي#
عبد اللطيف المكي#
قيس سعيد#

عناوين أخرى