رأي

المقاومة الفلسطينية.. للحديث بقية في غزة و”إسرائيل” 

محمد بشير ساسي
“هذا ما سُمح بنشره وللحديث بقية”.. بهذه العبارة ختم أبو عبيدة الناطق العسكري باسم كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خطابه  الــ27 منذ بداية العدوان  الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة والذي أعلن فيه عن الأسر والجرح وقتل مجموعة من جنود الاحتلال في كمين محكم ومركب بمخيم جباليا.
لكن إعلان أبوعبيدة عن العملية لم يقتصر على كلمة مصورة فقط، بل بُثَّ بعدها مقطع فيديو آخر يظهر ما يبدو أنه جندي إسرائيلي ملقى على الأرض وعليه آثار دماء ويقوم أحد مقاتلي القسام بجره داخل نفق.
وقبلهما بساعات قليلة نشرت كتائب القسام صورا لأسرى إسرائيليين وهم صرعى على الأرض، وعلى جثثهم آثار قصف استهدف مناطق قطاع غزة خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية. وأرفقت كتائب القسام المشاهد بعبارات مثل “هكذا يقتل نتنياهو وجيشه ومجلس الحرب مواطنيكم في الأسر”، و”اسألوا نتنياهو وحكومته عن أسمائهم، سيخبرونكم، فهم يعرفونهم جيدا”، و”هكذا سيعيدونهم.””
رسائل المقاومة
تعود المقاومة الفلسطينية من جديد لتفرض كلمتها بقوة عبر الخطاب الصّوري ضمن حرب إعلامية اتصالية لا تقل ضراوة وشراسة عما يجري في الميدان لما تصدّره من عناصر تعبيرية لها رسائل دقيقة موجهة إلى عدة جبهات يمكن تحديد مضامينها كالآتي:
– إظهار المقاومة الفلسطينية أنها رقم صعب، لا يمكن تهميشها أو شطبها من معادلة الحرب على قطاع غزة بعد
تكثيف فصائلها في الأسابيع الأخيرة عمليات استهداف جيش الاحتلال، خاصة في جباليا وبيت حانون شمالي قطاع غزة وفي رفح جنوبي القطاع وهو ما يعكس تحكّمها في ضبط المعركة وإدارتها.
ولا يبدو الأمر مفاجئا بالنسبة إلى كثير من المحللين العسكريين لأن مقاتلي المقاومة لا يديرون معركتهم مع الاحتلال بالطرق التقليدية للحروب، بل يتبنون تكتيكات مختلفة تعتمد على الاستدراج والكمائن والتفخيخ وتفجير الأنفاق حيث يضعون في الحسبان احتمال طول أمد الحرب.
– دحض الرّواية الإسرائيلية بأبعادها المختلفة، وإبطال مزاعمها من خلال صورة نمطية طالما روّجتها إسرائيل بأنها تمتلك “جيشا لا يقهر”، إذ يصنف مؤشر “غلوبال فاير باور” إسرائيل في المركز 18 بين الدول الأقوى عسكريا بينما تحتل المرتبة 12 بين الدول المصدرة للسلاح.
وبالتالي تلقت الدعاية الإسرائيلية ضربة موجعة في الداخل والخارج في حرب كشفت عن جيش “محطم المعنويات” بسبب الخسائر الفادحة في الأرواح والعتاد وجراء أهوال قتال عنيف دفع الكثير من جنوده إلى التهديد بالتمرد العسكري والتفكير  في الانتحار.
– كسب المقاومة “معركة الوعي” بعد نجاحها في تفنيد السردية الإسرائيلية المضلّلة التي تعمل على تجريمها واتهامها باستهداف المدنيين الإسرائيليين واحتجازهم رهائن وتشبيهها بتنظيم “داعش” بعد أن فرضت الحرب على إسرائيل واحتفلت بقتل النساء والأطفال والمسنين من المنظور الدعائي الإسرائيلي – الغربي.
– فضح الجانب غير المرئي في الجيش الذي يُروّج بكونه “الأكثر
 أخلاقية” في العالم باستخدامه فائضا من القسوة والحقد والتوحش لارتكاب جرائم إبادة جماعية مروّعة ضد أهالي قطاع غزة واستهداف موظفي الأمم المتحدة وقوافل الإغاثة لتجويع سكان القطاع إلى جانب التدمير المهول والممنهج للبنية التحية (منازل ومستشفيات ومؤسسات حكومية وتعليمية ودينية).
 – إثبات أن الحكومة اليمينيّة في إسرائيل -المعزولة بسبب الحصار القانوني لمحكمة العدل الدولية- ليست معنية بوقف العمليات العسكرية على مدينة رفح والعدوان المدمر على قطاع غزة، كما أنها ليست جادة في استكمال المفاوضات بشأن صفقة تبادل الأسرى مع المقاومة الفلسطينية، فكل ما يهمها إطالة أمد الحرب والخشية من المحاسبة على حساب حياة المدنيين العزل في غزة.
– التأكيد أنه من غير الممكن استبعاد المقاومة الفلسطينية (حركة حماس) أو إقصاؤها من أي حل محتمل أو تسوية تتعلق بوقف الحرب أو المستقبل السياسي لقطاع غزة.
شعور بالهزيمة
بغضّ النظر عما تنشره المقاومة الفلسطينية من فيديوهات لكمائن وعمليات أسر وقنص واستهداف لجنود  الاحتلال وآلياته، وكذلك بعيدا عن السياسات الساخرة أو المسيحانية التي تحكم إسرائيل، فقد ترسخت قناعة بأن إسرائيل تواجه “خيارات سيئة أحلاها مُر في قطاع غزة تتزايد معها مشاعر فقدان الثقة في الحكومة المتطرفة التي لم تحقق أيّا من أهدافها ووعودها على الأرض (تدمير حركة حماس واستعادة الأسرى وإدارة قطاع غزة).
كما يعكس هذا المشهد بكل هذه التفاصيل حجم الهواجس الأمنية والمجتمعية داخل إسرائيل التي تجذّرت من منذ هجوم السابع من أكتوبر ثم تعاظمت مع فتح الكيان الصهيوني جبهات قتال مع إيران وأذرعها في الشرق الأوسط.
ويفسر مفكرون إسرائيليون على غرار الفيلسوف سيمون راويدوفيتش هذه المشاعر بكون “العالم لديه العديد من الصور لإسرائيل، لكن إسرائيل لديها صورة واحدة فقط لنفسها: صورة شعب يتلاشى وعلى وشك التوقف عن الوجود إلى الأبد”..
وفي هذا السياق يستشعر باحثون أمثال جرشون هكوهين هزيمة إسرائيل وسط هذا السيناريو الوجودي المفزع بالقول إن على إسرائيل التي وقعت على شهادة زوالها أن تسأل نفسها ما إذا ما كانت ستتخطى العقد الثامن بسبب الخلافات الداخلية واحتدام الصراع مع الأعداء على أكثر من جبهة. ويستعرض الباحث بمركز “بيغن-السادات” للدراسات الإسرائيلية الاستراتيجية المخاوف الإسرائيلية من خلال ما يسمى “تدمير الهيكل الثالث”، الذي يشير إلى دولة إسرائيل في فلسطين التاريخية.
وترجع فكرة “لعنة العقد الثامن” إلى رواية يكاد يتفق عليها المؤرخون الذين يتناولون تاريخ الوجود اليهودي السياسي في فلسطين، وهي أن اليهود عمومًا أقاموا لأنفسهم في فلسطين على مدار التاريخ القديم كيانين سياسيين مستقلين، وكلا الكيانين تهاوى وآل إلى السقوط في العقد الثامن من عمره.
كما يستلهم المؤرخ الإسرائيلي عوفري إيلاني في مقال نشر في صحيفة هآرتس الدروس والعبر لمعرفة ما إذا كانت الأحداث المتلاحقة في إسرائيل من تداعيات الحرب في غزة تُنذر بانهيار الدولة وهل إسرائيل إذا انهارت قادرة على النهوض من ركامها؟
ووفق المؤرخ فإن كثيرين لا يعتقدون أن “دولة إسرائيل”، التي مضى على تأسيسها 76 عاما، على وشك أن تنضم إلى قائمة دول لم تعد موجودة مثل يوغوسلافيا  وألمانيا الشرقية واليمن الجنوبي، والاتحاد السوفياتي، غير أنه يعود ليقول إن الحديث عن أن إسرائيل تعيش سنواتها الأخيرة أصبح متداولا في وسائل الإعلام، ويجرى التعبير عنه في الاحتجاجات المناهضة للحكومة الإسرائيلية وفي تصريحات المثقفين في الداخل وحول العالم.
وغالبا ما يُعبّر عنه أيضا في شكل تحذير كالذي تضمنه مقال للكاتب ميراف أرلوسوروف في صحيفة “ذي ماركر” (بالعبرية) بأن “الطريقة التي تسير بها دولة إسرائيل حاليا، لن توصلها إلى الاحتفال بعيد استقلالها المائة.
أسوأ فشل
وإذا كانت هذه النبوءة تعيد أسباب انهيار إسرائيل وزوالها من أعدائها القريبين كحماس وحزب الله ودول في المنطقة الشرق الأوسط وأماكن أخرى في العالم وكذلك دعوات المتظاهرين المناهضين لها في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث يرونها كيانا استعماريا ينبغي تفكيكه، وكلما كان ذلك أسرع كان أفضل مثلما يروج مثقفون إسرائيليون، فهذا كله لا يعني حجب أو إغفال الأسباب الداخلية التي يعيش على وقعها الكيان.
وتكاد تجمع الآراء والنقاشات السياسية في وسائل الإعلام الإسرائيلية على أن حكومة  نتنياهو أوصلت إسرائيل إلى وضع صعب يعكس صورة مهزوزة وقاتمة بسبب إخفاقها في تحقيق أهداف الحرب، بالإضافة إلى الوضع في رفح والخلاف المصري الإسرائيلي بعد سيطرة جيش الاحتلال على المعبر.
ويرى باحثون في الشؤون الاستراتيجية أن إسرائيل هُزمت وأُهينت في السابع من أكتوبر ومنذ ذلك الحين لم يتغير الكثير وتل أبيب غير قادرة على تحقيق أي شيء، وفي إشارة إلى حجم التحديات التي تواجه إسرائيل في غزة وتحديدا جيشها المنهك عسكريا ونفسيا يشدّد إسحاق بريك الجنرال المتقاعد في الجيش الإسرائيلي على أن هذه الحرب ستدخل إلى الوعي العام باعتبارها أسوأ فشل في حروب إسرائيل منذ تأسيسها، سواء من حيث الضربة الفظيعة التي تلقتها في السابع من أكتوبر أو الفشل المؤلم في القتال في القطاع”.
وعزّز رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت هذه القراءة حين دعا إلى وقف “الحرب المتعثرة” في غزة، من أجل إعادة المختطفين، مؤكدا أن لا فرصة “لتحقيق النصر الكامل أو التدمير النهائي لحركة حماس”.
وفي مقابلة أجراها مع هيئة البث الإسرائيلية الرسمية أكد أولمرت الذي تولى منصب رئيس الوزراء بين عامي 2006 – 2009 أن القتال في غزة “لا يخدم أي مصلحة لإسرائيل، بل نتنياهو وبعض الأعضاء المتطرفين في حكومته.
هنا تبدو الحقيقة جلية وجارحة في كون حكومة نتنياهو عاجزة عن الاعتراف بفشلها وهذا يختزل كل ما يحتاج المرء إلى معرفته عن نفسية الإسرائيليين، فرادى وجماعات” كما يصف ذلك حاييم ليفينسون الكاتب والمحلل السياسي في صحيفة هآرتس.
ويضيف ليفينسون أن “الاعتراف بأننا خسرنا (الحرب) ليس أمرا مسليا، فالواقع يقول إن أهداف الحرب لن تتحقق، وإن حركة حماس لن تُجتث من على وجه الأرض، وإن الأسرى لن يعودوا بعملية عسكرية، وإن الأمن لن يُستعاد.”
عبء نتنياهو
في ظل تزايد عزلة إسرائيل يعتقد كثيرون داخل إسرائيل وخارجها أن الورقة التي ما تزال بيد حكومة نتيناهو هي القدرة على اتخاذ قرار إنهاء الحرب، وهو ما يرغب فيه كل العالم إلا رئيس الوزراء نفسه الذي أصبح عبئا سياسيا وعسكريا وأمنيا، وأن هجومه على غزة يبدو متعثرا بأهداف رئيسية لم تتحقق، وأن وعده بـ”النصر الكامل” بات بعيد المنال.
وتكمن أولوية نتنياهو كما يعتقد مراقبون في الحفاظ على حكومته وليس تمرير صفقة التبادل، إذ يحاول إرضاء وزيريه المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بإعادة طرح قانون التجنيد وإلغاء قانون فك الارتباط مع مستوطنات جنين وشرعنة البؤر الاستيطانية وضم مزيد من الأراضي.
وفي ظلّ تفاقم الخلافات في مجلس الحرب الإسرائيلي بين نتنياهو من جهة ووزير الدفاع يوآف غالانت والوزير بيني غانتس من جهة أخرى حول حكمه لغزة غزة عسكريا وإعلان رفضه للاقتراح الأمريكي بتمكين سلطة فلسطينية متجددة” للقطاع بعد انتهاء الحرب، بات ينتظر إلى أن إسرائيل بحاجة إلى قيادة مسؤولة ورصينة أكثر من أي وقت مضى وهو أمر لا يرغب رئيس الوزراء الحالي في توفيره، أو أنه غير قادر على توفيره.
الإطاحة بالحكومة
وفي خطوة استباقية استثمر زعماء المعارضة (يائير لبيد وأفيغدور ليبرمان وجدعون ساعر) الأجواء السياسية المشحونة لبحث خطط الإطاحة بحكومة نتنياهو وإيجاد حكومة جادة وعاقلة تعتني بمشاكل إسرائيل التي فاقمها رئيس وزراء منهك ومذنب بارتكاب الكثير من الكوارث.
فوفق تقارير إعلامية عبرية تلعب المعارضة على ورقة ضم غانتس إليها ودفعه إلى مغادرة الحكومة وهو الذي أمهل نتنياهو حتى الثامن من يونيو المقبل، لوضع استراتيجية واضحة للحرب على غزة وما بعدها، وإلا فسينسحب من الحكومة.
إن توسع دائرة الخلافات في مجلس الحرب والطبقة السياسية عموما في إسرائيل يوحي بقرب تفكك حكومة الطوارئ، خصوصا مع ارتفاع فاتورة الحرب المجنونة على غزة وصداها المدوي في كل مكان.
ويبقى المحرك الأهم وسط هذا المشهد هو ضربات المقاومة في غزة التي تشكل صدمة للإسرائيليين حيث باتوا يدركون جيدا أنها ما تزال قائمة ولديها الإمكانات والقدرة على الصمود، بل أبعد من ذلك تأثيرها في المشهد السياسي داخل إسرائيل وتحوّلها إلى كابوس ثقيل يهدد نتنياهو وإدارته للحرب ومستقبله السياسي عموما.