تونس

“المفكرة القانونية”: لماذا نقض الرئيس سعيد رؤيته ومواقفه قبل الرئاسة

في مقال تحليلي مطول، سلط موقع “المفكرة القانونية”، الضوء على تناقض مواقف قيس سعيد تجاه مسألتي تعديل الدستور والاستفتاء طوال السنوات التي سبقت وصوله إلى سدة الرئاسة، ومن بعد 25 جويلية/يوليو 2021.  

معتقلو 25 جويلية

كاتبة التقرير أسماء سلايمية، انطلقت في مقاربتها من تصريحات سعيد الشهيرة المعارضة لمشروع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي المتمثل في  تعديل الدستور بعد سنتين فقط من دخوله حيز النفاذ.  

سنة 2016 انتقد أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد محاولات الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي تعديل دستور 2014، معتبرا أن المبادرة تشكل في حد ذاتها مسا بمكانة الدستور وتفتح الباب أمام تعديله بتغير التوازنات السياسية.

علق سعيد يومها على مساعي سلفه الراحل قائلا: “هل هناك ما يدعو إلى ذلك وهل أنّه كلّما تغيّرت التوازنات السياسية يجب إدخال تعديل على الدستور؟”، مضيفا: “ما هي قيمة الدساتير إن كانت تتغير بمجرّد تغيّر التوازنات”.

بعد 7 سنوات تبدو الصورة مختلفة مع بلوغ “الأستاذ سعيد” منصب الرئاسة، إذ استغل التدابير الاستثنائية المعلنة من قبله في 25 جويلية/يوليو الماضي، على عكس هدفها الأصلي ليحل محل البرلمان ويتولى صلاحياته التشريعية، لتعديل الدستور وتمرير تصوّره باسم “إرادة الشعب”.

تبدل الموقف

انطلقت كاتبة المقال أسماء سلايمية مما وصفته بـ”انقلاب قيس سعيد على تعهداته خلال السباق الرئاسي وحملته التفسيرية”، حينما أكد أن الهدف من مبادرته تعديل النظام السياسي وتحويله إلى نظام رئاسي وتركيز البناء القاعدي من المحليات إلى البرلمان.

كرر سعيد في مناسبات عديدة أن تحقيق مشروعه “هو رهين إرادة المجلس النيابي، الذي سيتقدم إليه بمبادرات تشريعية في هذا الشأن، ومن حقه أن يقبل بها أو يرفضها”، مضيفا: “لست أنا من يعدّل الدستور بل السلطة التشريعية هي من تقرّر تعديل الدستور من عدمه وتتحمل مسؤوليّة ذلك أنا لست مشرعا، ولن أحلّ محلّها”.

في 2019، بدا قيس سعيّد محترما لقواعد اللعبة السياسيّة متناغما مع المنطق الديمقراطي الذي يضبطه الدستور، فلرئيس الجمهورية صلاحياته وللبرلمان دوره التشريعي وبدا مقتنعا بضوابط تعديل الدستور وبدور كلّ سلطة، لكن لحظة 25 جويلية/يوليو قلبت كلّ الموازين لتؤكد “أن الخطابات السياسيّة لا تُلزم سوى من يصدّقها”، وفق الكاتبة سلايمية كما أن ما تمخض عنها من قرارات وإجراءات يتناقض مع “الأمانة والطهورية السياسيّة التي يريد سعيّد الترويج لها”.

تعديل الدستور  

سنة 2016 كان سعيد مقتنعا بأنّ دستور الجمهورية الثانية قد وُضع نتيجة توافقات سياسية إثر الأزمة التي عرفتها البلاد سنة 2013، ما جعله من أشد المعارضين لتعديل الدستور المحكوم بتغيّر موازين القوى السياسيّة.

وشبه سعيد حينها محاولات تعديل الدستور بالقول: “يتغير الجسد فيتغيّر الثوب واللباس، وإن كان اللباس فضفاضا بالنسبة إلى البعض فهو سيكون ضيقا بالنسبة إلى البعض الآخر لذلك يطالبون برتقه أو إدخال تعديلات عليه”.

لكن سعيد وإن بدا صادقا في موقفه تجاه مبادرة التعديل الدستوري في ذلك الوقت حسب الكاتبة، إلاّ أنه “كان مدركا أنّ الدستور الجديد لن يتسع لمشروعه”، فكيف يمكن تمرير الاقتراع على الأفراد في دوائر غير متوازنة ديمغرافيا، وتغيير النظام الرئاسي من المحلّي إلى المركز دون الخروج عنه؟

وهكذا بدأت بوصلة الرئيس سعيد الرئيس تميل باتجاه ما كان يعيبه على الآخرين، أي تعديل النصّ الدستوري حسب تغير الموازين السياسية، فما إن مالت الكفّة لصالحه، حتى صب جام غضبه وعلّق الأزمات التي تعيشها البلاد سياسيا، واقتصاديا واجتماعيا على شماعة دستور 2014.

بعد أشهر من الحكم الفردي، أعلن سعيّد عن إطلاق حوار وطني تسيره الهيئة الوطنية الاستشارية برئاسة العميد الصادق بلعيد، وكلّفها بتقديم اقتراح يتعلق بإعداد مشروع دستور جديد مع إبقاء مخرجاتها غير ملزمة لرئيس الجمهورية، وهو تمش رفضه خبير القانون الدستوري قبل سنوات عندما رفض تلبية دعوة لجنة الصياغة بالمجلس الوطني التأسيسي، بسبب الصيغة الاستشارية لمقترحات الخبراء حينها.

الاستفتاء أداة ديكتاتورية متنكرة

بتصفح مجموعة من المقالات التي حبرها الأستاذ قيس سعيد بشأن الاستفتاء قبل توليه الرئاسة، نرصد أربع أفكار أساسيّة: أولاها أنّ “الاستفتاء هو أداة من أدوات الديكتاتورية المتنكرة”، ثانيتها أنّ “الاستفتاء يكون بمثابة تصويت على صاحب المشروع” لا على النصّ المعروض، وثالثتها أنّ “الشعوب العربيّة لا تصوّت بلا”، وأخيرا إن لزم الأمر المرور إلى الاستفتاء فيجب “ضمان نسبة دنيا لمشاركة المواطنين، وهو ما يجسد صورة أخرى للتناقض الكامن بين مواقف الأستاذ والرئيس.

وخلال حضوره في نشرة الأخبار على القناة الوطنية الأولى بالتلفزيون التونسي بتاريخ 28 أفريل 2013، صرح سعيد بأن “الاستفتاء كما يُمكن أن يكون أداة لتحقيق الديمقراطية، يمكن أن يكون أداة شكلية في الواقع لإضفاء مشروعية على جملة من الاختيارات التي تمّت وحُسمت”.

لماذا انقلب الرئيس على رؤيته السابقة؟ سؤال يخلص إليه المقال ويبدو مفتوحا على قراءات متعددة بعد تحول موقفه بشكل جذري من الاستفتاء من التحفظ إلى الاعتماد عليه كأداة لتغيير النظام السياسي المنبثق عن ثورة 2011، لينتهي المقال إلى استنتاج أن ما يفعله سعيد اليوم هو “محاولة إلباس جملة خياراته المحسومة مسبقا رداء ديمقراطيا”.