المعهد الأسترالي يحذر من تزايد نفوذ الأسطول الصيني

كشف تقرير الأحدث الصادر عن “معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي” صورة مثيرة للقلق حول تحول جيوسياسي “هادئ” يعيد صياغة موازين القوى في إقليم المحيطين الهندي والهادئ، حيث لم يعد الوجود البحري الصيني في المياه البعيدة مجرد استعراض قوة عابر أو حوادث دبلوماسية متفرقة، بل تحول إلى ممارسة يومية “ممنهجة” تهدف إلى فرض أمر واقع جديد.

ويحذر التقرير من أن بكين تقترب من “نقطة اللاعودة”، حيث يصبح تغلغلها العسكري “طبيعيا ومتوقعا”، وهو ما يدرجه الخبراء تحت استراتيجية “تقطيع السلامي”، وهي انتزاع مكاسب استراتيجية صغيرة وبطيئة تؤدي في النهاية إلى الهيمنة الكاملة دون إشعال فتيل مواجهة عسكرية مباشرة.

الأسطول الأكبر عالميا

ووفقا للتقرير لا تقتصر المخاوف على التحركات الميدانية، بل تدعمها إحصائيات ضخمة تعزز الرؤية التي طرحها خبراء المعهد الأسترالي. وإستنادا إلى بيانات وزارة الدفاع الأمريكية وتقديرات مراكز الأبحاث لعام 2026، تمتلك الصين حاليا الأسطول الأكبر في العالم من حيث عدد السفن، متجاوزة حاجز الـ 370 سفينة حربية، مع خطط طموحة للوصول إلى 435 سفينة بحلول عام 2030.

ويرى المحللون أن هذا التمدد ليس مجرد رقم، بل هو العمود الفقري لـ”استراتيجية المحيطين” التي تسعى بكين من خلالها “لكسر الطوق الدفاعي الأمريكي وتأمين ممرات الطاقة العالمية” التي يمر عبرها أكثر من 60% من حجم التجارة البحرية الدولية.

القوة الناعمة كغطاء للاختراق العسكري يفصل التقرير أساليب مبتكرة تتبعها بكين لشرعنة وجودها المستدام، حيث ترصد الدوائر الأمنية تحول زيارات الموانئ الروتينية إلى ما يعرف بـ “التواجد التدويري”. وهنا، تُستخدم “الدبلوماسية الطبية” عبر سفينة المستشفى “طريق السلام” لتمهيد الطريق في الدول النامية والصغيرة، مما يمنح الصين موطئ قدم إنساني يتحول لاحقا إلى قواعد لوجستية صلبة.

ويؤكد الخبراء أن هذه السفن لا تقدم العلاج فحسب، بل تعمل كأدوات “استطلاع متقدمة” لبناء علاقات استراتيجية طويلة الأمد في مناطق حيوية كانت تعتبر تاريخيا مناطق نفوذ غربية.

عيون استخباراتية تحت ستار العلم

من أكثر النقاط التي أثارت قلق المعهد الأسترالي هي زيادة نشاط سفن الأبحاث العلمية الصينية، والتي يصفها المحللون الأمنيون بأنها “سفن تجسس مقنعة” مثل فئة “دونغ دياو” المتطورة، المزودة بأنظمة رادار واعتراض إشارات قادرة على مراقبة التدريبات العسكرية المتعددة الجنسيات. والهدف أعمق من مجرد المراقبة، إذ تعمل هذه السفن على رسم خرائط طبوغرافية دقيقة لقاع المحيطات، وهي بيانات لا تقدر بثمن لضمان تفوق الغواصات النووية الصينية في أي صراع مستقبلي، وهو ما يعتبر تهديدا مباشرا لسلامة الاتصالات والكابلات البحرية الدولية.

موانئ تجارية أم منصات حربية؟

ويشير التقرير إلى أن التحركات الصينية ترتكز بذكاء على استثماراتها الضخمة في البنية التحتية العالمية، فمن بين أكثر من 90 ميناء تديرها بكين أو تمتلك حصصا فيها حول العالم، تسعى الآن لترقية العديد منها لتصبح منشآت “مزدوجة الاستخدام” تخدم الأغراض التجارية والعسكرية على حد سواء.

وتؤكد البيانات الواردة في التقرير أن الموانئ التجارية في المحيطين الهندي والهادئ تخضع لعمليات تجهيز تدريجية تهدف إلى تقديم خدمات الدعم الفني والاستخباراتي للأسطول الحربي الصيني، مما يعني أن بكين لن تضطر بالضرورة إلى بناء قواعد عسكرية كلاسيكية قد تثير احتجاجات دولية واسعة، بل ستمتلك القدرة على استخدام “الغطاء التجاري” كأداة مرنة لتحقيق أغراض عسكرية استراتيجية، لا سيما في أوقات الأزمات.

وتتطرق التحليلات أيضا إلى الدور الخطير الذي يلعبه خفر السواحل الصيني، الذي تحول إلى “أسطول حربي ثان”. فمنذ إقرار قانون خفر السواحل لعام 2021، منحت بكين لنفسها الحق في استخدام القوة ضد السفن الأجنبية في مياه “تدعي” سيادتها عليها.

ويرى مراقبون دوليون أن هذا القانون يمثل انتهاكا صارخا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ومع ذلك، فإن بكين تستخدمه لشرعنة تدخلاتها في مياه الآخرين، مما دفع كبار المسؤولين في الهند واليابان إلى التصريح في مناسبات دولية بأن احترام القانون الدولي ليس خيارا، بل هو أساس استقرار المنطقة.

ويشدد التقرير في ختامه على أن كسر هذا النمط المتصاعد من التمدد بات ضرورة استراتيجية لا تقبل التأجيل، إذ يمر الحل حتما عبر بناء “دبلوماسية أمنية شبكية” متكاملة، تجمع كبرى التحالفات الدولية في جبهة موحدة تهدف لرفع كلفة أي محاولة صينية للعبث باستقرار المنطقة، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد رصد السفن الصينية وهي تجوب البحار، بل في منع بكين من “قضم السيادة الدولية تدريجيا وإضعاف القوانين التي تحكم الملاحة العالمية”.

وفي هذا السياق، يطلق الخبراء تحذيرات شديدة اللهجة، مؤكدين أن الوقوف في وجه هذا “التطبيع العسكري” هو السبيل الوحيد لضمان عدم استيقاظ العالم على واقع تملي فيه قوة واحدة شروطها على الجميع، وتتحول فيه المياه الدولية إلى ساحات نفوذ مغلقة.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *