“الكتابة الفرنكوفونية وهواجس الهوية”.. أدب نسوي تجاوز الاعتراف الرمزي

أدب نسوي تجاوز الاعتراف الرمزي

صابر بن عامر

انطلقت، أمس الخميس 16 أفريل بمدينة سوسة، أشغال الدورة الـ28 لملتقى المبدعات العربيات، التي تنظمها جمعية المبدعات العربيات بسوسة.

وتتمحور دورة هذا العام، التي تمتدّ من 16 إلى 18 أفريل الجاري، حول موضوع “المبدعة العربية والترجمة”، بمشاركة نخبة من الأكاديميات والمبدعات من تونس، ومصر، والجزائر، لتدارس قضايا الترجمة كفعل إبداعي وجسر للتواصل بين الثقافات.

وتناولت الجلسة العلمية الافتتاحية، صباح الخميس، برئاسة الدكتورة سلوى مبروك الكتابة الفرنكوفونية وهواجس الهوية، وسياسات الاعتراف الرمزي في الرواية النسوية التونسية، وذلك بمشاركة باحثات تونسيات وجزائريات، وهنّ الدكتورة حياة الخياري، والدكتورة وفاء غربال، والدكتورة نصيبة مساعدية على الترتيب.

مساءلة كتابات المبدعة العربية

وتمحورت مداخلة الباحثة والأكاديمية التونسية إلهام بوصفارة المعنونة بـ”من المحلية إلى العالمية: سياسات الترجمة والاعتراف الرمزي في الرواية النسوية التونسية”، حول إشكالية الترجمة بوصفها “أداة غير بريئة” تحكمها معايير السوق وسياسات النشر والاعتراف العالمي.

وانطلقت بوصفارة في هذا البحث من تساؤل مركزي طرحته الورقة العلمية للملتقى في نسخته الـ28: هل تسهم الترجمة في إنصاف تنوّع التجارب الإبداعية العربية، أم تعيد إنتاج صور نمطية عنها؟

واتّخذت المداخلة من تجربتين روائيتين تونسيتين منطلقا حجاجيا لمقاربة هذا السؤال، أولها، تجربة الدكتورة والروائية أميرة غنيم “نازلة دار الأكابر” التي عبرت إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية تتويجا لجوائز واعترافات دولية، ممّا يطرح سؤالا حول “الترجمة بوصفها آلية للاعتراف الرمزي”.

وثانيا، تجربة الروائية التونسية آمنة الرميلي “شط الأرواح” التي تُرجمت إلى الإيطالية، ممّا يفتح أفقا لمساءلة معايير اختيار النصوص النسائية للترجمة ومدى قدرتها على نقل “التجربة الإنسانية” بخصوصيتها المحلية إلى فضاءات قرائية أوسع.

وبذلك سعت الدراسة إلى تحليل كيف تُعيد الترجمة (بوصفها وسيطا ثقافيا) تعريف موقع المبدعة التونسية داخل المشهد الأدبي العالمي، مع الوقوف على “حدود التأويل والاختيار” في فعل الترجمة الذي يمارسه الآخر على نص المبدعة، علاوة على بحثها في أثر هذا العبور في “تمثلات الذات للآخر” ومدى استجابة هذه النصوص لـ”انتظارات القارئ الغربي”.

وشدّدت إلهام بوصفارة في مداخلتها على تبيان أنّ الترجمة تظل ممارسة ثقافية وإبداعية تُعيد تشكيل النص الأصلي وتمنح المبدعة صوتا عالميا يتجاوز الحدود المحلية.

أما الدكتورة الجزائرية نسيبة مساعدية فعنونت دراستها بـ”انفتاح الإبداعية بين النص الأصلي والنص المترجم: مسائلة كتابات المبدعة العربية”.

وفيها قالت: “لا غور أنّ الرواية اليوم تتربّع على عرش الإبداع الأدبي، وتطرح قضايا وإشكالات كانت وما زالت تمسّ الإطار المعماري والفني من جهة، وكذلك عملية تفاعلها مع الواقع وتأثيراته على المتلقي لهذا اللون الأدبي، وفي كل مرة تطرح المساءلة النقدية مجموعة أسئلة تهمّ الفن الروائي نحو ما يعرف بإشكالية الترجمة في فضاءاتها المتعدّدة من قبيل هل تخدم الترجمة النص الأصلي أم تخون مدلولاته؟ وهل المترجم يبقى وفيا لتوجّهات وأيديولوجيا الروائي المبدع؟ وهل فعلا يمكن للترجمة أن تمنح شهرة ومساحة رحبة للإبداع بعيدا عن الجذور الأولى؟”.

في حين تطرّقت الدكتورة حياة الخياري في مداخلتها المعنونة بـ”الكاتبة الفرونكفونيّة بين ضغط الذّاكرة، وهواجس الهويّة، وأسئلة التّرجمة: رواية “Le corps de ma mère” (جسد أمّي) لفوزيّة الزواري، أنموذجا”، مفتتحةً المقال على بعض محاور الاهتمام التي تطرحها ندوة المبدعات والترجمة، ومنها الترجمة بوصفها فضاء للتفكير في الكتابة النسويّة العربيّة في علاقتها باللّغات وبالعالم، ومنطلقا للتأمّل في علاقة المبدعة بلغتها الأمّ ومدى انعكاس الازدواجيّة اللغويّة على أسلوب الكتابة وآفاق الترجمة.

ومن أبرز الإشكاليات المطروحة في هذا السياق، شرّحت الخياري: هل سؤال الترجمة واقعٌ تعيشه المبدعة أم همٌّ تحمله أثناء الكتابة؟ ولماذا تميل بعض المبدعات العربيّات إلى لغة دون غيرها كتابةً وترجمةً؟ وهل اختياراتهنّ ناتجة عن مقاصد ذاتيّة، أم أنها انعكاس لنظرتهنّ إلى اللّغات بما تحمله من هويّات ثقافيّة متباينة؟

ثم هل الكتابة الفرونكفونيّة اختيار أم اضطرار؟ وكيف تحمل المبدعة التونسيّة وزر ذاكرتها الفرديّة وهمّ ثقافتها الجمعيّة وهي تكتب باللغة الفرنسيّة وتختبر مدى قدرتها على أن تنوب اللّغة الأمّ (العربيّة، الأمازيغيّة..) والأمّ اللّغة في رواية “جسد أمّي” للكاتبة فوزيّة الزواري؟

ومن هناك تخلص الخياري إلى أنّ الكتابة الفرونكفونيّة وسؤال الهويّة يستند في هذا المدخل النظري إلى تجربة بعض الكتّاب الفرونكوفونيين مع الازدواجيّة اللّغويّة، وتقليب النظر في علاقتهم بين اللغة الأمّ (العربيّة) ولغة الكتابة (الفرنسيّة)، إذ كثيرا ما تتداخل مفاهيم “اللغة” و”المرأة/الأمّ” و”الموطن”، ومن هؤلاء الكتاب: الجزائري بوعلام صنصال الذي قدّم راوية فوزيّة الزواري “جسد أمّي”، وكاتب ياسين الذي يرى أنّ “اللغة الفرنسيّة غنيمة حرب” وعبدالفتّاح كليطو في كتابه “أتكلّم جميع اللّغات لكن بالعربيّة”.

وطرحت سؤالا جديدا حول الكتابة الفروكفونيّة في رواية “جسد أمّي”، هل هي كتابة تحت ضغط “اللّغة الأمّ” أم “الأمّ اللغة”؟

وفي هذا الباب تنظر الخياري إلى المسألة من زاوية التقاط مغايرة لا تتّجه إلى الترجمة باعتبارها نصا أو خيارا، بل إلى الترجمة بوصفها همّا تحمله المبدعة العربيّة التي لا تكتب بلغتها الأمّ: ماذا لو كُتب النص/ الرواية/ القصيدة بلغتي الأمّ؟ أو على حدّ تعبير الكاتبة ذاتها: هل اللغة الفرنسيّة قادرة على التعبير عن أمي: وشم جسدها.. روائحها.. ابتهالاتها؟”.

نافورة” الأدب والسينما

كما تضمّن البرنامج، مساءً، وقفة خاصة مع السينما من خلال لقاء مع المخرجة سلمى بكار حول “السينما والترجمة”، تبعه عرض لفيلمها الأخير “النافورة”، بحضور مخرجة الفيلم سلمى بكار والمشاركة في كتابته الروائية آمنة الرميلي.

وتدور أحداث “النافورة” حول ثلاث نساء (جليلة وسلوى ومروى) من أعمار ومرجعيات مختلفة يلتقين في نزل بتونس العاصمة خلال صائفة 2013، لتسرد كل واحدة منهنّ قصتها في تداع حر أشبه بالكاترسيس المسرحي المكتوب بلغة سينمائية موغلة في الترميز حينا والمباشرة في غالبيته.

ومن خلال حكايتهنّ وإكراهاتهنّ وسط مجتمع ذكوري، سلب لكلّ واحدة منهنّ حقا بدا شرعيا في العيش بكرامة وسويّة، يركّز الفيلم على قضايا اجتماعية وسياسية حارقة في تلك الفترة.

والفيلم من بطولة ريم الرياحي، وأميرة الدرويش، ورنيم علياني، وعلي بنور، وخالد هويسة، ومحمد حسين قريع، عن نص وسيناريو مشترك لآمنة الرميلي وسلمى بكار.

وهو اللقاء الأول بين السينمائية المخضرمة سلمى بكار والروائية آمنة الرميلي، الذي كان ملتقى المبدعات العربيات في سوسة سببا في اجتماعهما، وفق ما صرّحت به الرميلي في جلسة النقاش تلت عرض الفيلم.

وعن هذا اللقاء، قالت سلمى بكار لبوابة تونس: “كان ذلك، هنا في سوسة سنة 2016 في ملتقى المبدعات العربيات، حين قدّمت الرميلي كتابها “توجان” المتوّج بجائزة الكومار الذهبي سنتها، فأبهرتني شخصياتها التي تُشبه كثيرا شخصيات أفلام، فاقترحت عليها أن نحلم معا بمشروع فيلم مشترك، وكان “النافورة”.

وبدورها أكّدت الرميلي أنّ العمل على الفيلم امتدّ نحو عامين من الكتابة وإعادة الكتابة بالتشاور مع بكار، وهي القادمة من فن الأدب، لا السينما.

وذكرت في هذا الخصوص أنها أرسلت ذات مرة مشهدا لبكار اجتهدت كثيرا في اشتغاله، وكانت سعيدة بمُنجزها، ففاجأتها صاحبة فيلم “خشخاش” بإجابة مقتضبة، لكنها صادمة، بقولها: “كثير من الثرثرة” في إشارة إلى أنّ الكتابة السينمائية مختلفة كثيرا عن الكتابة الروائية، فلكلّ فنّ خصوصيته وآلياته.

وآمنة الرميلي روائية وباحثة تونسية، تشغل منصب أستاذة للأدب والنقد في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة.

أعمالها تنوّعت بين المجموعات القصصية والروايات الأدبية، بالإضافة إلى أعمالها الأكاديمية البحثية.

يطغى على كتاباتها السرد أحيانا والبحث الأكاديمي، تتخللّها أعمال ذات طابع فكري أو سياسي.

لها من الروايات: “جمر وماء” 2003، “الباقي” 2013، “توجان” 2016، “مغامرة كشّاف” في السنة ذاتها، و”شط الأرواح” 2020.

كما لها مجموعات قصصية، أبرزها: “يوميات تلميذ حزين” 1998، “صخر المرايا” 1999، “سيدة العلب” 2006، بالإضافة إلى إصدارات أخرى ذات طابع بحثي، أهمها: “المرأة والمشروع الحداثي في تفكير الطاهر الحدّاد” 2012.

أما سلمى بكار، فمخرجة تونسية، ولدت في تونس في 15 ديسمبر 1945. درست علم النفس في لوزان بسويسرا في 1966، كما درست السينما في المعهد الفرنسي للسينما حتى 1970، بعدها عملت مُساعدة مخرج في التلفزة التونسية. أصبحت أول سيدة تعمل في الإنتاج السينمائي في تونس عام 1990، وفي 2006 حصلت على جائزة السينما بمناسبة اليوم الوطني للثقافة.

قدّمت بكار أعمالا عديدة أبرزها أفلام: “فاطمة 75” (1975)، “رقصة النار” أو “حبيبة مسيكة” (1995)، “خشخاش” (2005)، و”الجايدة” (2017)، كما قدّمت في التلفزيون سلسلتَيْ: “نساء في الذاكرة” (1997) و”شعبان في رمضان” (2005)، وسيتكوم “فرحة عمر” (2003). وتمّ انتخابها عضوا في المجلس الوطني التأسيسي لوضع الدستور التونسي (2014).

وتتواصل الفعاليات في يومها الثاني بمناقشة قضايا شائكة مثل “الترجمة النسائية للقرآن” و”الإكباب في ترجمة كتاب السفور والحجاب”، بمشاركة الدكتورة المصرية ياسمين أمين، والدكتورة فوزية الغالي، والأستاذة شافية غابري، والدكتورة سماح حمدي، وثلاثتهنّ من تونس.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *