الكاتب الليبي محمد النعّاس: تونس أول من يحتفي بي
tunigate post cover
ثقافة

الكاتب الليبي محمد النعّاس: تونس أول من يحتفي بي

كاتب "خبز على طاولة الخال ميلاد"، الليبي محمد النعّاس، الحائز على بوكر العربية هذا العام، يحل ضيفا على بيت الرواية في تونس يقول "سعيد بأن تكون تونس أول من يحتفي بي"
2022-06-16 10:59

صابر بن عامر

رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” للكاتب الليبي محمد النعّاس، الفائزة بجائزة البوكر العالمية للرواية العربية في دورتها الـ15 لعام 2022، كانت محل احتفاء ببيت الرواية بمدينة الثقافة بالعاصمة تونس ظهر أمس الأربعاء 15 جوان/ يونيو، وسط حضور جماهيري غفير لم يستوعبه الفضاء، ممّا اضطر القائمين على التظاهرة إلى تغيير مكان الاحتفاء في قاعة ذات استيعاب أكبر.

شخصية هاربة من السرد

في تقديم الروائي التونسي محمد عيسى المؤدّب للكاتب الليبي محمد النعّاس (31 عاما) الذي جاء في شكل حوار مقتضب، قال: “هي رواية الحجاج وتوصيف المقولة الشعبية الليبية “عيلة وخالها ميلاد”، في بحث عن الهوية الليبية عبر رجل خبّاز أحب الخبز فكان ملاذه من قسوة الحياة، فكيف وُظفت هذه الصورة بحثا وبناء لتناول فكرة التفرقة الجندرية في مجتمع عربي ذكوري؟”.

يقول النعّاس: “أولا أنا سعيد أن يكون الاحتفاء الأوّل بروايتي ونيلها جائزة البوكر العربية في الخالة تونس، كما يحلو لي أن أسمّيها”.

ويُضيف: “العنصر الاجتماعي والتاريخي والسياسي الذي دارت فيه الرواية أساسيّ، ليكون هو البطل الحقيقي للقصّة”.

ويسترسل مؤكّدا: “قبل كتابة الرواية لم أكن مطلعا على أجواء المخبز ومقادير صناعة الخبز، إلى أن وصلت إلى مرحلة صناعته بنفسي، لتكون رواية الرائحة والذاكرة والهوية الليبية”.

وعن الجانب المعماري في بناء الرواية، قال: “أتى على لسان ميلاد الأسطى، في تتبّع لأسلوب ميلاد نفسه في الحياة، لينقسم زمن الرواية إلى أزمنة متعدّدة ومختلفة، فميلاد ذاته شخصية هاربة من السرد ومن نفسه ومن نهاية الحكاية أصلا”.

ورواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” رائعة ليبية بلسان ليبي عاش فترة حكم معمر القذافي من 1977 إلى 2011، وما المخبزة التي يشتغل فيها ميلاد الأسطى سوى نموذجا عن التحوّلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي عاشتها ليبيا، ممثلة في ثمن الخبز وحجمه”.

ويسترسل: “وما شخصية ميلاد الأسطى الهشّة والمُسالمة والشغوفة بالحرية في بعدها المأساوي، إلاّ نموذجا مُصغّرا من ليبيا المتطلعة إلى التغيير والانفتاح، لكنها تصطدم في كل محاولة بتجذّر البعد العقائدي فيها”.

وهذه التناقضات تتجلى بشكل أكبر في شخصية زوجته زينب أو “المدام” كما يُسميها ميلاد، والتي تدّعي الحرية والانفتاح والمساواة، أو تطوق إليها في الظاهر، لكنها في الباطن تأتي من الأفعال عكس ما تُبدي، وخير دليل على ذلك أنها حين يهمّ ميلاد بتولّي الأعمال المنزلية عنها كالكنس وتنظيف أواني الطبخ وخلافه، تقوم بإغلاق النوافذ كي لا يرى الجيران ما يفعله.

أول عمل منشور للنعّاس

عن حضور أو استحضار زمن الاستعمار الإيطالي لليبيا (1911-1951) في الرواية يقول محمد النعّاس: “الاستعمار الإيطالي لليبيا أتى في الرواية من خلال اللغة التي باتت لهجة مُتداولة لدى غالبية الليبيين، حتى أن بعضنا ما عاد يؤمن بإيطالية هذه اللغة التي انصهرت في المخيال الشعبي الليبي، لهجة وتفكيرا وأسلوب حياة”.

وعن إطنابه في سرد التفاصيل، يقول الكاتب الليبي: “أنا عاشق للتفاصيل، والرواية في اعتقادي تفاصيل أو لا تكون، ومثالي على ذلك أن ميلاد لديه عادة لا يأتيها إلاّ إذا كان منصهرا تماما مع ذاته البسيطة والساذجة والمحبة للحياة، وهو أن يصبغ إصبعه، تحديدا الخنصر، كي لا يكون وحشيا”.

وتتناول رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” الصادرة عن دار مسكلياني بتونس مساءلة التصوّرات الجاهزة لمفهوم الجندر، وتنتصر للفرد في وجه الأفكار الجماعية القاتلة، ففي مجتمع القرية المنغلق، يبحث ميلاد الأسطى عن تعريف الرجولة المثالي حسبما يراها مجتمعه.

ويفشل طوال مسار حياته في أن يكون رجلا بعد محاولات عديدة، فيقرّر أن يكون نفسه وأن ينسى هذا التعريف بعد أن يتعرّف على حبيبته وزوجته المستقبلية زينب، يعيش أيامه داخل البيت يضطلع بأدوار خصّ المجتمع المرأة بها، فيما تعمل حبيبته على إعالة البيت. ويظل ميلاد مُغيّبا عن حقيقة سخرية مجتمعه منه حتى يُفشي له ابن عمّه ما يحدث حوله.

وعن هذا الطرح الذكوري المُغاير والمُخالف للمُتعارف عليه، قالت أمال مختار، مديرة بيت الرواية: “من أبرز ما يُمكن ملاحظته في رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” أن الرجل هو من يقوم بالمهام المنزلية في بيته عوضا عن زوجته، في تقويض للعقلية العربية الذكورية، لتكون الرواية نبراسا منيرا للعقول العربية المتكلّسة في اتجاه تبادل الأدوار بين المرأة والرجل، بما يجعلهما مُتكاملين بالمعنى الحقيقي للمساواة”.

وفي تدخل لإحدى الحاضرات في اللقاء الاحتفائي بجائزة البوكر، قالت: “ما شدّني في الرواية هو سرديتها وبناؤها الحكائي الذي يتتبّع فيه النعّاس قصة ميلاد الرقيق والحسّاس والمحب، لكنه موسوم بالتخنّث، وهذا الضغط الذي سلّط عليه منذ ولادته، ويسلّط إلى يومنا هذا على أغلبية العرب من الذكور، كان المحرّك الأهم للأحداث”.

فيما قالت أخرى: “ميلاد الذي ولد في سبعينات القرن الماضي في ليبيا، ونشأ في عائلة تقليدية كان هو الذكر الوحيد فيها وسط أربع بنات ليُعاني الأمرين، لأنه وبكل بساطة لم يمتثل أبدا إلى نواميس المجتمع ولم يُشبه يوما صورة الرجل الليبي المثالي، الأمر الذي ميّز الرواية وأكسبها طرافتها”.

وقال متدخّل ثالث: “محمد النعّاس يُسائل فينا تعريفنا للرجولة، ومدى تسامحنا مع كل ما يخرج عن ناموس القبيلة، وينجح في ذلك أيّما نجاح، وهو ما يحسب له في أول منشور له مليء بالجرأة والاختلاف”.

تتويج بالإجماع

في سؤال بوابة تونس لمحمد النعّاس عن رأيه في روايات زملائه، خاصة وأن هناك من اعتبر أن رواية “دلشاد – سيرة الجوع والشبع” للروائية العُمانية بشرى خلفان كانت الأقرب إلى التتويج؟ قال باقتضاب: “لم أقرأها حتى الآن”.

فيما أجاب عن سؤالنا الثاني عن رأيه في تسييس الجائزة وفق توزيع جغرافي مُمنهج؟ بقوله: “لا تعليق”.

وهنا تدخّل الروائي التونسي شكري المبخوت رئيس لجنة تحكيم البوكر العربية في دورتها الأخيرة، قائلا: “بكل بساطة، لا أحد يتدخّل في نتائج الجائزة، لا من قريب ولا من بعيد، حرية الاختيار مكفولة لأعضائها الخمسة فقط، وقد انتهوا هذا العام وبالإجماع إلى تتويج “خبز على طاولة الخال ميلاد” لمحمد النعّاس بالجائزة عن استحقاق ودون تردّد، وبعد الاطلاع على القائمتين الطوية أولا، فالقصيرة في مرحلتها النهائية، استغرق منا التصويت 30 ثانية لا غير، ممّا يُفيد بأن نص النعّاس كان مختلفا وحارقا واستثنائيا”.

وأردف: “هذا لا يعني أن بقية الروايات الخمس المنافسة على الجائزة في قائمتها القصيرة، كانت بمستوى أقل، لكن طرافة حكاية النعّاس وبناءها السردي وترابط أحداثها وتداخلها أيضا جعل من الرواية مشوّقة ولذيذة إلى أبعد حد”.

واختيرت رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” من بين خمس روايات أخرى تم انتقاؤها قبل مدة في القائمة القصيرة، وهي “ماكيت القاهرة” لطارق إمام والصادرة عن منشورات المتوسط، و”دلشاد – سيرة الجوع والشبع” لبشرى خلفان الصادرة عن منشورات تكوين بالعراق، و”يوميات روز” لريم الكمالي الصادرة عن دار الآداب، و”الخط الأبيض من الليل” لخالد النصر الله الصادرة عن دار الساقي و”أسير البرتغاليين” لمحسن الوكيلي الصادرة عن دار ميم.

وجرى اختيار القائمة القصيرة من قبل لجنة تحكيم مكوّنة من خمسة أعضاء، برئاسة الروائي والأكاديمي التونسي شكري المبخوت، الفائز بجائزة البوكر عام 2015 عن روايته “الطلياني”، وعضوية كل من الكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، عضو الهيئة الإدارية لنادي القلم العالمي، والمترجمة والأكاديمية البلغارية بيان ريحانوفا، والشاعر الليبي عاشور الطويبي والشاعرة الكويتية سعدية مفرح.

وحصل كل من المرشّحين الستة في القائمة القصيرة على جائزة مالية قدرها عشرة آلاف دولار، كما حصل الفائز بالجائزة محمد النعّاس على خمسين ألف دولار إضافية.

وأُطلقت الجائزة في العام 2007 في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، ومقرّها في لندن وتُنظم بتمويل من دائرة الثقافة والسياحة – أبو ظبي وبرعاية من مؤسّسة جائزة بوكر البريطانية.

وتُمنح الجائزة في مجال الرواية حصرا، ويتم ترشيح قائمة طويلة (16 رواية) تستخلص منها قائمة نهائية قصيرة من ست روايات لتتنافس فيما بينها على الجائزة الأثمن عربيا.

أدب#
تونس#
ثقافة#
ليبيا#

عناوين أخرى