القوارب السرية... الكلفة الإنسانية الباهظة
tunigate post cover
رأي

القوارب السرية... الكلفة الإنسانية الباهظة

قيس سعيد حاول توظيف ورقة الهجرة السرية منذ فرض إجراءاته الاستثنائية في يوليو الماضي من أجل الضغط على الأوروبيين للتقليل من حدّة انتقاداتهم
2022-09-29 18:00

محمد بشير ساسي
لم تندمل جراح مأساة قارب من “قوراب الموت” في الوطن العربي حتى تعيد فاجعة أخرى تشكيل المشهد المؤلم وتفتح أبواب النقاش والجدل بشأن الكلفة الإنسانية الباهظة التي تخلّفها ظاهرة الهجرة غير الشرعية نحو الضفة الأوروبية.

أرقام مفزعة

وبحسب وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية “فرونتكس” سلك أكثر من 42 ألفا و500 مهاجر المسار الأوسط لعبور البحر المتوسط بين يناير ويوليو الماضيين، أي بزيادة قدرها 44% مقارنة بالأشهر السبعة الأولى من العام 2021 .أما أرقام المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين  فتشيرُ إلى أن 1200 شخص لقوا حتفهم في المتوسط منذ مطلع العام خلال محاولات عبور البحر.

آخر فصل من فصول تلك الفواجع كان ذلك القارب الذي انطلق من السواحل اللبنانية باتجاه الشاطئ الأوروبي وعلى متنه حوالي 170 شخصا من جنسيات لبنانية وسورية وفلسطينية، فغرق قبالة سواحل ميناء طرطوس السوري ولقي 89 من طالبي اللجوء حتفهم وربما العدد أكثر من ذلك وفق الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة في لبنان.

نزيف لبناني سوري

في ظل انفلات الأمور بفعل الفوضى السائدة على خلفية الفقر والبطالة والإهمال والشعور العام بأن المواطن متروك لقدره، طبيعي جدا أن تدفعه الأوضاع دفعا إلى ركوب الموج على متن قوارب ضعيفة في رحلات ينتهي جلها بالموت غرقا.

فالبلد المنهار اقتصاديا الذي يعاني نحو 85% من سكانه من الفقر ويعجزون عن توفير مستلزمات حياتهم الأساسية بسبب الغلاء وانهيار الليرة، ارتفعت فيه معدلات الهجرة على مدى السنوات الثلاث الماضية إلى نسب مخيفة.

فوفق تقديرات وكالة الأمم المتحدة للاجئين فإن أعداد الذين يحاولون مغادرة لبنان عبر البحر في عام 2021، زادت بمعدّل الضعف عما كانت عليه الحال سنة 2020، في حين ارتفع العدد مجددا بنسبة 70% خلال العام الحالي.ويبدو أن القاعدة الأساسية لهذه الرحلات السرية أن تضم سوريين بالدرجة الأولى بعد أن أجبرت الحرب ما يزيد عن 13 مليون شخص منهم على النزوح بينهم مليونان لجؤوا إلى لبنان بحسب التقديرات الرسمية.

لكن المفارقة أن  السوريين الذين يهاجرون من شمالي لبنان وفق معلومات موثوقة ليسوا من اللاجئين، بل يأتون من الداخل السوري وأغلبهم من مناطق الجنوب المحاذية للحدود اللبنانية مثل درعا ومن ريف دمشق وحمص ويدخلون خلسة عبر المعابر البرية غير الرسمية محملين بالمال ومستلزمات الرحلات ويسددون عن كل شخص مبالغ تتراوح بين 5 آلاف و7 آلاف دولار.

غير أن سعي الإنسان العربي اليائس من ظروف الحياة إلى الهجرة، لا يقتصر على اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين فقط، فحوادث ركوب قوارب الموت تتكرر في العديد من الدول العربية، وأخبار من يقضون غرقا  باتت أمرا مألوفا في وسائل إعلام الدول المغاربية.

تعاظم المعضلة

 ففي تونس تصاعدت وتيرة الهجرة غير النظامية إلى  السواحل الإيطالية خلال الأشهر الأخيرة عبر قوارب الموت ما يثير مخاوف داخلية وخارجية ويطرح أسئلة عن أسباب تفشي الظاهرة بشكل غير مسبوق في الفترة الأخيرة.

ويظهر جليا القلق الأوروبي من هذه المعضلة لدى البعثات الدبلوماسية في تونس من خلال لقاءات المسؤولين الإيطاليين والفرنسيين بنظرائهم التونسيين للتباحث في مجابهة هذه الظاهرة المتفاقمة. 

وحتى الرئيس التونسي قيس سعيد حاول توظيف ورقة الهجرة السرية خلال أول زيارة له إلى العاصمة روما منذ فرض إجراءاته الاستثنائية في يوليو الماضي في رسالة واضحة آنذاك مفادها تقليل الانتقادات الموجهة ضد قراراته والتعاون معه من أجل مقاربة مشتركة بعيدا عن السياسات التقليدية لإدارة الهجرة غير النظامية.

على أرض الواقع هناك ظروف اجتماعية واقتصادية قاهرة تدور في فلك نسب بطالة التي وصلت إلى مستويات قياسية  تجاوزت 20.5٪ في صفوف النساء مقابل 13.1٪  عند الرجال خلال الثلث الثاني من عام 2022.

ووفق أرقام المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإن عدد المهاجرين التونسيين غير النظاميين بلغ منذ مطلع العام الجاري أكثر من 11400 مهاجر بينهم 498 امرأة وأكثر من  2100 قاصر. كما أن عدد التونسيين المهاجرين عبر خط تونس تركيا صربيا تجاوز 4600 مهاجر غير نظامي، فيما وصل عدد التونسيين المفقودين منذ يناير الماضي إلى 450 شخصا.

خسائر  إنسانية 

في الجارة ليبيا التي ترزح تحت وطاة التأزم الأمني والاقتصادي يظهر استطلاع أجراه الباروميتر العربي أن ربع الليبيين يفكّرون في الهجرة (نحو 1.5 مليون من عدد السكان الذي يقترب من 7 ملايين) والأكثر إقبالا على الهجرة بحسب الاستطلاع هم الذكور الحاصلون على تعليم جيد وتتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة.

المشهد قاتم كذلك في المغرب حيث تكبدت “قوارب الموت” التي تحمل مهاجرين غير شرعيين مغاربة أو من دول إفريقيا جنوب الصحراء خسائر إنسانية فادحة تقدر بمئات الضحايا.وتفيد منظمات إسبانية غير حكومية أن “زهاء ألف شخص لقوا حتفهم خلال النصف الأول من العام الحالي عبر مسارات هجرة مختلفة عبر المتوسط والأطلسي نحو الأراضي الإسبانية”.

ووفق التقارير الإسبانية “فإنه من بين 978 وفاة بسبب الهجرة غير الشرعية براً وبحراً تم تسجيل وفاة 118 سيدة و41 طفلاً عندما كانوا يحاولون بلوغ السواحل الإسبانية”.

عناوين أخرى