مختار غميض
لعلّه من سوء الحظّ أن تحتضن تونس، أحد أهم المؤسّسين للفرنكوفونية، أول قمّة للمنظّمة على أرضها، وهي تعيش احتقانا اجتماعيا، وتردّيا اقتصاديا، وانقساما سياسيا، ما جعل القمّة حدثا هامشيا بالنسبة إلى الطبقة الكادحة التي ازدادت اهتراءً.
أهم الأخبار الآن:
في المقابل، سيستغلّ قيس سعيّد الحدث الدولي للظهور بمظهر المنتصر على صورته المتآكلة، وعلى التيّارات المعارضة والانكماش الاقتصادي، كما لو أنّ المؤتمر معرض مفتوح لعقد الصفقات الاقتصادية والاستثمارية، وليس محطّة للتسويق للغة الفرنسية.
أزمات تخدم المعارضة
غلب مشهد دخان القمامة المتصاعد من مدينة صفاقس، على حفل افتتاح القرية الفرنكوفونية بجربة، فخطف الأضواء من الصورة التي يُراد لها أن تظهر في الإعلام الأجنبي، تزامنا مع نزول المتوافدين إلى جربة.
إلى ذلك، يتصاعد غضب أهالي جرجيس لتجاهلهم بعد مأساة الموت الجماعي لأبنائهم، بينما يتهاطل المسؤولون على جربة المجاورة، التي تحوّلت بقدرة قادر إلى جزيرة أحلام، وكأنّ المكان غير المكان.
ذلك هو الحديث الغالب على الشارع ومنصّات التواصل الاجتماعي، حتى أنّ الحديث عن قمّة جربة، أصبح من باب انتقاد عودة قوالب الزينة الجاهزة، وحملات النظافة المنظّمة التي تأتي مع المناسبات وتنتهي بانتهائها، ليعمّق التناقض الصارخ بين جربة وجوارها، لكن لا يبدو أنّ الرسائل تقف عند عودة هذه الصور النمطية القديمة.
باتت اهتمامات التونسيين اليوم بأولويات يومية حارقة، من غذاء ودواء مقطوع، في ظلّ غياب رؤية اقتصادية شاملة للإصلاح، تعتمد بالأساس على خطاب موحّد ومنسجم لطمأنة الفاعلين الاقتصاديين، من رجال أعمال ومنظّمات ودول.
تأتي القمّة في السياقات نفسها التي ميّزت النظام النوفمبري، خاصّة في فترته الانتقالية أواخر الثمانينات، بمحاولة الاستيلاء على إرث الاستقلال وصورة “المجاهد الأكبر”، وبالتالي إعادة إنتاج الظروف نفسها للتمهيد لحكم المنظومة نفسها، وقوامها الاستفراد بالسّلطة، وضرب الحريات وحقوق الإنسان، ما يهدّد بنسف المسار الأسبق واللاحق، أي تشييد استبداد أكثر وحشية، لسان حال بعض النقابيين والسياسيين.
فلم تكن صورة الحبيب بورقيبة على جدران القرية الفرنكوفونية خلال افتتحاها صباح 13 نوفمبر/تشرين الثاني، ترمز فقط إلى الأب الروحي المؤسّس عام 1970، بل أُريدَ منها أن تكون حمّالة دلالات سياسية لحقبة قيس سعيّد -إذا جاز التعبير- في إشارة إلى عودة تونس إلى “مسارها التصحيحي” الذي لطالما تحدّث عنه، رغم انتقادات سعيّد اللاذعة لمعارضيه الذين يصفهم بالمتمسّحين برفات بورقيبة.
بناءً على تلك السردية المخيفة، نتساءل عمّا سمّاه قيس سعيّد المشروع الثقافي الذي طرحه قبيل وصوله إلى سدّة الحكم في اقتباس للمشروع البورقيبي الحداثي نفسه، وقد أثار الأخير جدلا لم ينته، لكن لا نكاد نجد أثرا لمشروع سعيّد، سوى مراقبة النشر والتضييق على الصحفيين، حتى عشية افتتاح القرية الفرنكوفونية، وتونس يُفترض أنّها أصبحت قبلة للفرنكوفونيين المتحرّرين والمتشبّعين بمبادئ الحرية وعصر التنوير.
لم نكد نجد أثرا للمشروع الثقافي، والقاعدة التعليمية تمرّ بأزمة غير مسبوقة، بحرمان التلاميذ من الدراسة، إذا اعتبرنا أنّ بطالة خرّجي الجامعات من دكاترة ومهندسين، أو مغادرة آلاف الكفاءات إلى الخارج، باتا أمرا طبيعيا.
وحتى في مجالات ثقافية (وهي المواضيع الأساسية المطروحة في هذه القمم إلى جانب حقوق الإنسان والديمقراطية)، كالسينما والأعمال الدرامية، فإنّ سهام النقّاد والكتّاب تعترض على ثقافة الابتذال، بعيدا عن معالجة القضايا الاجتماعية أو الإنسانية أو قضايا الانتماء والخصوصية، بمزاعم الانفتاح، وربما في هذا المجال تفوّقَ دعاة الفرنكوفونية للعالم الغربي على الفرنسيين أنفسهم، فتحوّلت الفرنكوفونية من “لغة” إلى أداة هيمنة فكرية على المستعمرات.
طبعا، ما من أحد ضدّ إتقان لغات العالم، لكن هناك اختلافا مع الفرنكوفونية بشأن الوصاية بأيّ شكل على الدول الأعضاء، والاختلاف ينسحب على أيّ أدوار مشبوهة، كتلك التي تتمّ عبر الجالية اليهودية الفرنسية ونشاطها في “إسرائيل”، الذين قد تتسلّل لنشر التطبيع تحت مظلّة الفرنكوفونية.
فكّ عزلة سعيّد
تستضيف تونس القمّة الفرنكوفونية، وهي ما تزال تنتظر الموافقة النهائية على قرض على أقسام صندوق الدولي بعد جهد جهيد، ولربما هذا ما جعل رئيسة الحكومة تبشّر ببدء تعافي الاقتصاد. فيما تعيش تونس منذ أشهر في ظلّ غياب أمن غذائي، ومواد غذائية أساسية بين مفقودة وباهظة الثمن، وصرف متأخّر للرواتب.
كما يحاول قصر قرطاج فتح باب على شركاء الخارج بعد أن أغلقه على شركاء الداخل، من جمعيات وأحزاب، بمن فيهم الذين حاولوا التقرّب منه، وسط شبه قطيعة مع المنظّمة الشغيلة التي ترفض رفع الدعم الموجّه إلى السّلع الأساسية وخوصصة بعض المؤسّسات العمومية، ما عمّق أزمة السّلطة، وزاد في مستوى الانقسام الأفقي بعد حلّ المؤسّسات الدستورية التشريعية والقضائية والرقابية، واللجوء إلى إصدار المراسيم.
وبعد أن قوبل ذلك بقطيعة من أقرب المقرّبين من قصر قرطاج، فمن الطبيعي أن تطالب الجهات الأجنبية قيس سعيّد بالعودة إلى جادة الديمقراطية، والعمل بدستور سنة 2014، والكفّ عن المحاكمات العسكرية التي تطال شخصيات مدنية ووطنية والإفراج عن كلّ المعتقلين السياسيين.
وبعد مهاجمته قوى خارجية وازنة بحجة التدخّل في ما لا يعنيها وتصنيفات كيديّة، يعتبر مراقبون أنّ الرئيس سيكيّف القمّة لفكّ عزلته السياسية، مع استقبال أطراف خليجية لها القدرة على تمويل مشاريع أو تقديم قروض أو ودائع في أحسن الأحوال، ناهيك عن دور أمناء منظّمات دولية، مثل الأمم المتّحدة والمفوضية الإفريقية ومنظّمة التعاون الإسلامي، وحركة عدم الانحياز، بفتح الآفاق السياسية وضخّ الدماء في شرايين الدبلوماسية التونسية.
بالتوازي مع ذلك لا يعلّق الخبراء آمالا كبيرة على المنتدى الاقتصادي الذي يُعقد على هامش القمّة، إلّا من خلال محاولات تنشيط ما يسمّى دبلوماسية الاقتصاد، بهدف جمع مساعدات من الشركاء الحاضرين وتعزيز العلاقة معهم، بعد عودة الثقة ولو مبدئيا مع صندوق النقد الدولي.
بينما يبقى سقف التوقّعات في خصوص فرص إبرام صفقات ذات نجاعة، متدنّيا، في ظرف محلّي يعاني من ارتفاع نسبة التضخّم، بينما دخلت فرنسا -زعيمة الفضاء الفرنكوفوني- في “اقتصاد الحرب”، سيوفّر في أحسن الأحوال الصمود الغذائي، كما يسمّيه الرئيس إيمانويل ماكرون.
ليس الخبر كالمعاينة، ربما على هذا الأساس يريد قيس سعيّد تقديم صورة مغايرة وعن قرب قد تسهم في الحدّ من رداءة المشهد، مستغلّا حضور زعماء كبار، وقد أصرّ سعيّد على رفض انعقاد القمّة عن بعد، ووصل حدّ اتّهام نظيره الأسبق المنصف المرزوقي بإقناع أطراف دولية بتحويل مكان القمّة، كما قام بسحب جوازه الدبلوماسي.
وعموما تأتي القمّة الحالية بعد شهرين من قمّة مشابهة، تيكاد، التي لم تدر استثمارات موجّهة بشكل خاص إلى تونس لانتشالها من مأزقها الاقتصادي، لتبقى مثل هذه المؤتمرات عبارة عن نواد سياسية، تطلق فيها الوعود باستثمارات مليارات الدولارات، قد تجد طريقها للتنفيذ في عشريات قادمة.
لذا، قد تجد جربة نفسها أمام نشاط ظرفي، مجرّد مُسكّن لآلام القطاع السياحي خاصّة مع دخول فصل الشتاء، وهو ما يؤكّد وجود توجّه لتحرّك دبلوماسي، لاسيما بعد زيارة الجزائر وليبيا في الآونة الأخيرة، نحو تخفيف حالة الاحتقان الاجتماعي غير المسبوقة منذ أزمة كورونا.
فلربّما من الممكن تحسين مناخ الاستثمار على الأمد الطويل، إذا قدّمت الدبلوماسية التونسية خطابا رصينا مطمئنا بعيدا عن إلقاء التّهم إلى الداخل، وتركيز الجهد على تنويع الدبلوماسية متعدّدة الأطراف، ومن صلبها التعاون جنوب جنوب، في إطار استراتيجي، حتى لا تضيع مصاريف القمّة التي قدّرتها بعض الجهات بـ8.5 مليون يورو، وهي كلفة تُحسب على دافعي الضرائب من المجموعة الوطنية.
بالتالي، يمكن مراجعة الخطاب السياسي المنفّر للمستثمرين وترشيده، بعيدا عن التّهم التي لا تنقذ صورة أحد، تماما كما لم تنقذ قمّة المعلومات التي جرت آخر زمن بن علي (رغم حجم التهويل من حجمها) صورته، لا في الداخل ولا في الخارج.
الفرنكوفونية في أفول تدريجي
حتى لا نذهب بعيدا في تحميل الفرنكوفونية ما لا تحتمل، لابدّ من التسليم بأنّ الفرنكوفونية والكومنويلث أو حتى الجامعة العربية، منظّمات لا تخرج عن الدفاع عن دولة المقرّ ومصالحها أو قوّتها الناعمة، تتحكّم فيها دول بعينها لمدّ أذرعها إلى الخارج، وبالتالي فإنّ الانضواء تحتها أو الخروج منها قد لا يؤثّر في كثير من الأمور، خاصّة أنّ المنظّمة تُعنى باللغة والثقافة بدرجة أساسية.
كذلك من الطبيعي أن تتوحّد مواقف المعارضة اليوم وإن تتوحّد جميعها في كيان واحد ولو ظرفيا، لتستفيد من المساحات المشتركة للعودة إلى صندوق الانتخابات، ولعل اجتماع ثلة من الحقوقيين بجنيف في وفد موحّد لعرض التقرير الدوري لتونس أمام مجلس حقوق الانسان، هو ما أثار انتقادات قيس سعيّد، وقد سبق له أن اتّهمه بالتوحّد ضدّه.
ولئن كانت تونس دولة مؤسّسة للفرنكوفونية، وتمثّل حاليا جاليتها في دول المنظّمة أكثر من نصف مجموع الجالية بالخارج، وربما كثير منهم باتوا يحملون جنسية هذه البلدان، لكن ذلك لا يعني الانصهار في الموروث الثقافي الاستعماري، فمن حقّ الأجيال الجديدة التجذّر في هويتها الوطنية، وتقييم الربح والخسارة من اعتمادها السابق على الفرنكوفونية.
غزت فرنسا البلدان وفرضت لغتها وثقافتها عليها، وهذا ما تواصله الفرنكوفونية إلى اليوم، بينما لا تسمح بتقليدها في الحريات والديمقراطية، رغم ظهور بعض البوادر.
بدأت الجزائر والمغرب تجربة التخلّي عن اللغة الفرنسية، بينما انتزعت رواندا الصغيرة اعتذارا من فرنسا عن جرائمها. ودول فرنكوفونية إفريقية أخرى مثل مالي، وإفريقيا الوسطى والغابون وقبلها التوغو وموزمبيق، قد أدارت ظهرها لفرنسا، والثابت أنّ الفرنكوفونية في القارة، في أفول تدريجي.
* المقال يُعبّر عن رأي الكاتب ولا يُعبّر بالضرورة عن بوابة تونس



أضف تعليقا