الـلاهوت الـسياسي: في نقد د. عزمي بشارة لعلاقة السيادة بـ”العدو”

اللاهوت السياسي

فـوزي الصـدقاوي

يتجلى جوهر السيادة من منظور كارل سميث في الحقّ في فرض (حالة الاستثناء)، وهي حالة ستستقر في المجال السياسي، لتكون وضعا دائما، وحالة ثابتة، وبمثابة القاعدة للدولة الشموليّة، وفي هذا المستوى يتجه عزمي بشارة بالنقد لعلاقة السيادة بالعدو، بوصفها من أهمّ أركان مفهوم اللاهوت السياسي.

فحين يَفصِل كارل سميث الكنيسة عن الدولة، مؤسسةً وفكرا، فإنّ شموليّة الدولة ودكتاتوريّتها تستصحبان هيبة المقدس لفائدة الدولة، بعد أن تكون قد صادرته من الدين، فجوهر السياسة، يتعلق بالغايات والنهايات القصوى، إذ ليس للمؤسسات وجود فاعل، برأي سميث، دون “لاهوت” تَبْنِي عليه المؤسسة قَوَامها، من ذلك أنّ نشوء الدولة على أساس العقد الاجتماعي هي نظريّة تفسّــر الدولة، لكن أن يموت الإنسان من أجل الوطن مسألة تتعدى معنى التعاقد، فهي في رأي كارل سميث، تُـفَسّر في علاقة بالمقدس/ السامي، وتلك حالة توجب الاستعداد لخوض الحرب ضد “العدو” والتضحيّة حتى الموت، من أجل أن تحافظ الجماعة على نفسها.

لذلك فإنّ المجال السياسي يوجب تحديد “العدو”، لأنّه مجال يحتمل فيه الصراع والموت. وهذا “العدو” ليس عدواً لشخص محدد وإنّما هو عدو للجماعة، وخطورته تكمن في كونه يستهدف الجماعة بنفي وجودها.

وكون الحرب المحتملة تقوم بين لاهوتيْن سياسييْن، فإن حدوث هذا الاحتمال يجعلها حرباً شاملة، وهي بالضرورة حرب وجود، إن اندلعت فلأجل إنهاء العدو وتدميره. والسيادة في ظلّ الحرب الشاملة ليس أمامها سوى أولويّة وجوديّة وهي حفظ نمط حياة الجماعة، ففي قلب الصراع حيث يلتف الـ”نحن” لمحاربة الـ”همّ”، تتحدد فكرة الشعب وتتحقق وحدته.

ومن هذا المنظور كان سميث يرى في هتلر صاحب السيادة، وصاحب القرار الاستثنائي، فهو الذي يُـحدّد العدو، وهو الذي يُـحدّد الأولويات، ويمسك بقرار الحرب والسلم. ولكونه صاحب السيادة بصلاحيّاته ووظائفه تلك، فإنّه هو الذي يمكنه أن يُوحّد الشعب حول ألمانيا ضد أعدائها.

ويقوم المجال السياسي عند كارل سميث، على الشرعيّة وعلى القانون، وهذا المجال السياسي يَشتقّ قانونيّته من الأجراء، وأمّا شرعيته فكامنة في الصراع والنضال ضد العدو الذي يهدد وجود حياة الناس ونمط عيشهم.

ففي المجال السياسي يُتّخذ القرار الفردي المطلق والاستثنائي دون حاجة إلى تبرير، لأنّه مجال السيادة، ومجال التمييز بين العدو والصديق، والسيادة تكون فوق القانون والقانون هو إرادة السيادة، ولا تتجلى السيادة إلا في الحالات المتطرفة، حيث حالة الطوائ تظهر في الداخل، بينما تظهر حالة الحرب في الخارج.

وفي طور الحداثة يبدو المجال السياسي، أكثر وضوحا في حدوده، وأكثر اكتمالا في مكوناته ووظائفه، ليتجلى مجالا قائما بذاته، مثل الدين والاقتصاد والعلم، لكن كارل سميث يرى، أنّه يُفترض بالمجال السياسي مع اكتماله، أن يهيمن على المجالات الأخرى. لأنّ هذا المجال بحيويّته الفعّالة والعميقة يعبّر عن الوجود الإنساني وجوهره، ولأن هوية الناس ونمط حياتهم في المجتمع يُـبَررَان بوجودهما، وهم مسؤولون عمّا هم عليه دون حاجة إلى تفسيره أو تبريره، وهو ما يُوجب على المجال السياسي تحديد “العدو” أولا، كما أنّ هذا المجال يحتمل بالاستتباع الصراع والموت.

فنظريّة نشوء الدولة على أساس العقد الاجتماعي تفسّــر الدولة، لكن أن يموت الإنسان من أجل الوطن مسألة تتعدى معنى التعاقد، وإنّما هي علاقة بالمقدس/السامي، وهي حالة في نظر سميث توجب الاستعداد لخوض الحرب والتضحيّة حتى الموت، وذلك من أجل أن تحافظ الجماعة على نفسها.

ومن ثمّ فإن المظاهر البرلمانيّة وفصل السلطات والنقاش المسترسل في هياكل الديمقراطيّة الليبراليّة، برأي سميث، لا تعبّر إلا عن عوائق تحول دون تحديد سلطة الدولة السياديّة لهويّة العدو ولهويّة الصديق بصورة واضحة. فالليبراليّة في ألمانيا، برأي كارل سميث، كانت سببا في ضعفها وهشاشة نظامها وفي مواجهة العدو البلشفي.

أمّا الملاحظة النقديّة التي يسجّلها عزمي بشارة في هذا المستوى، فهي أنّ نفي العدو لوجود الجماعة يعود إلى احتمال أنّ تكون الجماعة هي من حددتـه عدوّا، ثم هي من ادّعت أنّه يعمل على نفي وجودها، فنفي العدو للـ”جماعة/نحن”، في واقع الأمر يعود إلى الـ”جـماعة” التي أسقطت على من حددته صفة “العدو”، فالجماعة هي من صنعته “عدوا”، وهي من ادّعت أنّه يعمل على نفيها، وهي بوصفها القوة الدستوريّة للجماعة هي أيضا التي قررت بناء على ذلك، حالة الطوارئ، (حالة الاستثناء)، وهي التي أعلنت الحرب وقررتـها. ويضيف بشارة أنّ الطغاة عامة، يصنعون هذا فعلا دون الحاجة إلى قراءة كتابات سميث.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)- د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الدين والتدين، الجـــزء الثاني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط الأولى، بيروت، 2015.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *