رأي

الغرب يجرّ بوتين إلى “صدام نووي” يأكلُ الأخضر واليابس  

محمد بشير ساسي
“لن نسمح لأحد بتهديدنا، قواتنا الإستراتيجية النووية في حالة استعداد قتالي دائم”…
“على الغرب أن يدرك أنّ روسيا تملك أيضا أسلحة قادرة على ضرب أراضي أيّ دولة تابعة له”…
كلّما تكلّم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بلغة التحذير (الخطاب السنوي إلى الأمة) والوعيد في مناسبة وطنية أو خلال استحقاق (يوم النصر) أو تخليدا لحدث تاريخي، إلا وتخيّم على الغرب (الفوز بولاية رئاسيّة جديدة) الكثير من الهواجس وتُطرح معها أسئلة محيّرة:
هل تأخذُ رسائل سيّد الكرملين على محمل الجد؟
إذا لم يكن الأمرُ كذلك فهل حقا لا يريد الغرب فهم “قيصر روسيا الجديد” ويتعمّد عبثا اختبار صبره؟
أم يتغافل بحماقة عن ردّ فعل يمكن أن تصدر عن شخصية عنيدة لن تتردّد قيد أنملة في حرق الجميع مثلما فعل الإمبراطور نيرون بروما قديما؟
غموض بوتين 
بغضّ النظر عن خروج تصريحاته عن الأعراف السياسية والدّبلوماسية، ربما يكونُ الرئيس الأمريكي جو بايدن قد قدّم إلى الغرب والعالم إجابة مختصرة عن جلّ تلك الأسئلة الحارقة عندما وصف قبل ثلاثة أشهر نظيره الروسي بـ”المجنون” خلال حملة جمع التبرّعات لإعادة انتخابه في كاليفورنيا، مؤكّدا أنّه “عليهم دائما أن يقلقوا بشأن الصراع النووي”.
وعندما سُئل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي آي إيه”، وليام بيرنز، عن تقييمه لشخصية بوتين قال: “إنه يختمر في خليط قابل للاشتعال من الإحساس بالظلم والطموح منذ سنوات بعيدة”، مضيفا أنّ “آراءه ازدادت تصلّبا وأنّه معزول بشدة عن وجهات النظر الأخرى”، وفق تقييمه.
أما من بين أكثر الآراء موضوعية في فهم شخصية بوتين وتوجّهاته فيلخّصها حديث الدّبلوماسي والسياسي الأمريكي الراحل هنري كيسنجر لصحيفة فايننشال تايم: “كانت معتقداته الأساسيّة نوعا من الإيمان الصوفي بالتاريخ الروسي.. كان يشعر بالإهانة، لقد تعرّض للإهانة والتهديد، لأن روسيا كانت مهدّدة بامتصاص الناتو لهذه المنطقة بأكملها..”.
ظلّت رؤيةُ الغرب لمسيرة ابن لينينغراد -الذي ولد سنة 1952 أي قبل عام من وفاة قائد الثورة البلشفية جوزيف ستالين- تعكس صورة نمطيّة عن بوتين بكونه “قيصرا جديدا” غامضا لا يُمكن التنبؤ بتصرّفاته، مهووس بشنّ الحروب وكذلك “الدكتاتور” الأكثرُ بقاء في السلطة في تاريخ روسيا القيصرية والبلشفية، يقمعُ الحريات ويصفّي معارضيه وخصومه بدم بارد مثل سيرغي يوشينكوف، وآنا بوليتكوفسكايا، وألكسندر ليتفيننكو، وبوريس نيمتسوف، وأليكسي نافالني، يضاف إليهم زعيم مجموعة فاغنر يفغيني بريغوجين.
فقبل 24 عاما، راهن الغرب، وبالأخص الولايات المتحدة على أنّ بوتين -الفائز في الانتخابات الرئاسيّة على حساب زعيم الحزب الشيوعي غينادي زيغانوف- لن يختلف كثيرا عن شخصية سابقه بوريس يلتسين الذي تخلّي عن الرئاسة وجميع المناصب التي يشغلها في الاتحاد الروسي قبل انتهاء ولايته بسبب مرضه وتراجع شعبيته.
رئيس الضرورة 
لكن الرئيس الجديد آنذاك الذي خرج من شروخ “البيريسترويكا” كان يُنظر إليه أقرب إلى “رئيس الضرورة” بالنسبة إلى الكثير من الروس، إذ لم يسمح الرجل بعد تولّيه السلطة بأن تصل الأمور في روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي إلى نقطة الانهيار الشامل، كما كان يراد لها في لعبة التوازنات الدولية وحقبة الثورات الملونة.
وكل ما جرى بعد سنة 2000، يشير بوضوح إلى أنّ بوتين كان يبني نظام حكم يتمحور حول شخصيته بالدرجة الأولى، حيث سلّم الرئاسة بأحكام الدستور في فترة ما لديمتري ميدفيديف (بين 2008 و2012)، لكن مقاليد السلطة كانت عمليا بيده وهو رئيس للحكومة.
وأجّل الصدام مع الغرب، واختار أن يسير في ركاب الديمقراطية الليبرالية التي ورثها عن بيريسترويكا ميخائيل غورباتشوف وبعده يلتسين، لكنه عمل أيضا على تنقيتها من الكثير من “الفوضى والشوائب” وسطوة رجال الرأسمالية الطفيلية الوافدة، وضغط على القوى السياسية والاقتصادية لكي تكون في خدمة مشروعه. وكانت ديمقراطية بوتين تحت الرقابة ومنمّطة، وموجّهة بوجود أحزاب موالية وأخرى قليلة معارضة يتم التضييق عليها تفضي في النهاية إلى ما يريده من نتائج.
من المؤكّد أنّ بوتين رجل الاستخبارات بامتياز كما تصفه الدوائر الغربية -الذي عايش أيام المجد السوفياتي، وتشرّب من أفكار معلميه يوري أندروبوف ويفغيني بريماكوف- كان مستاءً من مآلات الوضع في روسيا ويتوق إلى إعادة البناء، لكن بعيدا عن الشيوعية التي كان مؤمنا بها سابقا، “فالنظام السياسي الذي كان قائما في ظل الشيوعية وصل إلى طريق مسدود والاقتصاد بات عاجزا عن التقدّم”، كما قال في حوار مع المخرج الأمريكي أوليفر ستون.
وكان يحنّ أيضا إلى العهد السوفياتي كما ذكر في حوار آخر له، لأنّ “من لا يحنّ إلى الاتحاد السوفياتي فهو بلا قلب.. لكن من يريد استعادة الاتحاد السوفياتي فهو بلا عقل”، فقد أدرك أنّ الأوضاع الجيوسياسية تغيّرت بشكل لا رجعة فيه.
وكان بوتين بطبعه متأثّرا بالأفكار الكلاسيكية عن الأيديولوجية الروسية، وما طرحه الفيلسوف “إيفان إيليين” عن خطورة الديمقراطية الغربية على روسيا واستحالة ترويض التنوع العرقي والجغرافي والثقافي في البلاد وفق التصورات الغربية، وضرورة وجود نظام حكم مركزي أو “دكتاتورية وطنية روسية” بزعامة قائد وطني قوي يحقّق الوحدة والاستقرار.
كان يدرك أيضا في قرارة نفسه أنّ الروس قد خدعوا بوعود الديمقراطية التي أدّت إلى سنوات من الذل والفقر والعجز -وفق تقديره- وقد أشار بوتين إلى ذلك في عدة حوارات لاحقة بقوله مثلا: “روسيا خُدعت من قبل الغرب بعد نهاية الحرب الباردة، لقد وقعت ضحية لحلف شمال الأطلسي العدواني، بعد عام 1991 عندما توقّعت روسيا أن يتم الترحيب بها في أسرة الأمم المتحضرة لم يحدث شيء من هذا القبيل، لقد خدعونا”.
كما اقترب بوتين أيضا من أفكار الفيلسوف ألكسندر دوغين، الذي كان عمل على تجديد “الأوراسية” بالتزامن مع صعوده هو إلى السلطة، وكان خيار بوتين الأخير أنّ روسيا لا يمكن أن تكون تابعة للغرب الذي لا يفتح أحضانه لروسيا بقدر ما يسعى إلى احتوائها وعزلها، وأنّ مواجهة ذلك تكون بوجود قيادة تمزج بين القيصرية والستالينية، إضافة إلى نزعة روسية جديدة تتلاقى فيها الكنيسة الأرثوذكسية مع العالم السلافي أو الأوراسي.
محفّزات عدوانية
على مدار أكثر من عقدين أرسل بوتين الإشارة تلو الأخرى بأنّه عازم على إعادة تشكيل حدود روسيا مع أوروبا، بيد أنّ الغرب لم يستوعب وصفه “سيّد الكرملين” سقوط الاتحاد السوفياتي بكونه “أكبر كارثة جيوسياسية في القرن الـ20” ولخطواته السياسية والعسكرية التي بدأها من الشيشان عام 1999، مرورا بجورجيا 2008، ثم شبه جزيرة القرم 2014 إلى اجتياح أوكرانيا في 24 فيفري من عام 2022.
إنّ معظم مناقشات اليوم في الغرب باتت تلتقي في نقطة مشتركة مع الكرملين، وهي الاقتناع بأنّه لا يمكن إنهاء بوتين سياسيا بخسارته الانتخابات، فلا الوضع السياسي ولا الواقع الموضوعي لروسيا يتيحان ذلك، ولا شخصية بوتين المتنفّذة، ولا ظروف الحرب في أوكرانيا ولا الصراعات العالمية القائمة تسمح بتغيير في القيادة الروسية، لكن الثابت -كما يجمع مراقبون- أنّ الغرب يتحمّل مسؤولية انحراف بوتين عن مسار السلام ما بعد الحرب الباردة وكذلك لعب دورا كبيرا في صقل عدوانيته ودفعه إلى التمرّد على الحالة الجيوسياسية التي أرساها انهيار الاتحاد السوفياتي.
من منطلق هذه العقيدة قطع بوتين مع الدبلوماسية الناعمة وإدارة الصراع بشكل هادئ مع الغرب، وظل مسكونا بالتاريخ والأيديولوجيا الروسية، وشديد الاقتناع بمقولة القيصر ألكسندر الثالث بأنّ “روسيا ليس لديها ما تعتمد عليه سوى حليفين، جيشها وأسطولها”، فسعى إلى بناء القوة العسكرية الروسية خصوصا السلاح النووي الذي رأى فيه قوة الردع والدرع الواقي.
وليس من المبالغة القول بأنّ “سيّد الكرملين” لا يحتاج أصلا إلى كثير من المُحفّزات العدوانية للصدام النووي مع الغربو وتحديدا حلف شمال الأطلسي في ظل ظروف الحرب الأوكرانية وتداعياتها ومناورات الناتو الواسعة النطاق
التي أجراها (الناتو) في الآونة الأخيرة في مارس الماضي بمشاركة العضوين الجديدين السويد وفنلندا على الحدود مع روسيا، ووصفت بالخطيرة ليس منذ انتهاء الحرب الباردة فحسب، بل منذ أزمة الصواريخ الكوبية قبل أكثر من 60 عاما، بالإضافة إلى إعلان بولندا استعدادها نشر أسلحة نووية على أراضيها “لتعزيز الجبهة الشرقية لحلف شمال الأطلسي، وكذلك ورقة تجميد الأصول الروسية التي تناهز قيمتها 300 مليار دولار على مستوى العالم.
إنّ تجميع هذه “الفسيفساء” من المعطيات معًا بات يوحي وكأنها تحضير لحرب حذّر منها الرئيس الروسي في أكثر من مناسبة، وبالتالي من المُلِحّ الآن أن يخطّط الغرب على افتراض أنّ الضربة النووية من بوتين ممكنة، كما قال الكاتب بوب سيلي النائب المحافظ في البرلمان البريطاني، في مقال له
 بصحيفة “تلغراف” البريطانية.
وأوضح الكاتب أنّ اعتبار الغرب أنّ استخدام الأسلحة النووية أمر لا يمكن تصوّره، سببه أنّ الغرب لا يعيش في عالم بوتين المرير، ولا يفهم عقليته، إذا دعا سيلي الغرب إلى التفكير الجاد والواقعي، والابتعاد عن “التفكير بالتمني” الذي “أعمى السياسة الخارجية الغربية تجاه روسيا خلال السنوات الأخيرة”.
وقال سيلي إنّ الأسباب التي قد تدفع بوتين إلى استخدام القنبلة النووية عديدة، ومنها ما يوجد في العقيدة العسكرية الروسية، وما تمّت مناقشته في الأركان العامة والدوائر الأمنية الأكثر سرّية في روسيا.
التهديد الأكبر
ويبقى التهديد الأخير الذي أطلقه بوتين الأسبوع الماضي على خلفية إعلان الغرب والولايات المتحدة تقديم مساعدات عسكرية غير مسبوقة إلى أوكرانيا، مختلفا هذه المرة في رأي عديد الخبراء، إذ يحملُ في تقديرهم مخاوف حقيقية قد تؤدّي إلى إيقاظ الوحش النووي النائم من سباته العميق.
ولم تستخدم أيّ قوة الأسلحة النووية في الحرب منذ أن شنّت الولايات المتحدة أولى هجماتها بالقنبلتين النوويتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين عام 1945.
وبسبب التدمير الكبير الذي أحدثته القنبلتان اللتان قُدّر حجمهما بـ”15 كيلو طن من المتفجّرات”، سعت الدول ذات القدرات النووية إلى امتلاك أسلحة نووية تكتيكية لا تحقّق القدر نفسه من التدمير، لكنها يمكن أن تكون ذات أهمية في تحقيق ما يمكن تسميته بـ”الردع النووي”.
ومنذ غزت روسيا أوكرانيا في 24 فيفري 2022، أطلق الرئيس الروسي عدة تهديدات نووية، منها إعلانه في مارس2023 أنّه أعطى الضوء الأخضر لنشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا الحليفة لموسكو. لكن التهديد الأكبر هو الذي حدث الاثنين الماضي، عندما أعلنت روسيا أنها ستتدرّب على نشر أسلحة نووية تكتيكية في إطار مناورة عسكرية، وذلك ردّا على ما قالت موسكو إنّها تهديدات من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة.
يبدو أنّ الغرب وأمريكا لا يأخذان حتى الآن هذه التهديدات على محمل الجد، حتى إنّ المتحدّث باسم المخابرات العسكرية الأوكرانية “أندريه يوسوف” قال: “لا نرى أيّ شيء جديد، فالابتزاز النووي ممارسة مستمرة لنظام بوتين”. ويتسق التصريح مع ما سبق وقاله الرئيس الأمريكي “جو بايدن” العام الماضي بأنّه “لا يشعر بوجود احتمال حقيقي لاستخدام روسيا الأسلحة النووية”.
إنّ “هذه الثقة الغربية لا تعكس تقديرا حقيقيا لخطورة الموقف”، إذ يعتبر محلّلون أنّ الحديث الروسي المتواتر في الفترة الأخيرة عن توصيف نوعية السلاح النووي الذي تنوي استخدامه، وهو “النوع التكتيكي” أو “غير الإستراتيجي”، بأنّه يعكس وجود نيّة روسية للاستخدام إذا شعرت موسكو أنّ هناك تهديدا لأمنها نتيجة الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا.
وإذا كانت موسكو لا تريد حربا نووية واسعة، فستحصر طبيعة تدخّلها بالنووي التكتيكي، وإذا أضطرت إلى استخدامه فستختار أهدافها بعناية حتى لا تحدث خسائر ضخمة، لكن في الوقت نفسه ترسل رسالة ردع نووي إلى الغرب.
أما في حال أخذ ردّ الغرب أبعادا أكبر من “النووي التكتيكي”، فذلك سيفتح الطريق أمام التفكير في استخدام القنابل الانشطارية والاندماجية، ووقتها سيكون العالم على موعد مع حرب نووية تأكل الأخضر واليابس.