عالم

الغارديان: كيف هدّد الموساد المدعية العامة السابقة للجنائية الدولية؟

مكالمات هاتفية واستدراج في نيويورك ومحاولات تشهير.. تفاصيل مساعي يوسي كوهين إلى تعطيل التحقيق في تورط الكيان في جرائم حرب ضد الفلسطينيين

كشف تحقيق لصحيفة “الغارديان” البريطانية، عن تورط الرئيس السابق للموساد يوسي كوهين، في عمليات تهديد وابتزاز، للمدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا، بهدف إجبارها على التخلي عن التحقيق في  اتهامات بارتكاب الاحتلال “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة”.

وتحت عنوان “رئيس المخابرات الإسرائيلية هدد المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية بشأن التحقيق في جرائم الحرب”، تطرق هاري ديفيز إلى تفاصيل تورط مدير الموساد السابق يوسي كوهين، في “مؤامرة سرية للضغط على فاتو بنسودا لإسقاط التحقيق في القضية الفلسطينية”.

وأوضح الصحفي البريطاني، أن التفاصيل التي يكشف عنها التحقيق تمثل جزءا من تحقيق أشمل، سيكشف عن إدارة “عدة أجهزة استخباراتية إسرائيلية حربًا سرية ضد المحكمة الجنائية الدولية”.

تقرير “الغارديان”، تزامن مع طلب المدعي العام الحالي للجنائية الدولية كريم خان، إصدار مذكرة اعتقال بحق رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووزير الحرب يؤاف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة في غزة.

ووفق محللين سياسيين، فإن طلب إصدار مذكرات التوقيف، “يشكل الهاجس الذي كانت تخشى المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية حدوثه منذ فترة طويلة”، وهو ما يعمق حجم الورطة السياسية والقانونية والأخلاقية التي يواجهها كيان الاحتلال، بشأن تهديد بنسودا، ومحاولة تعطيل مسار تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية، خاصة بعد تصريحات كريم خان عن “تعرضه للتهديد من قبل مسؤولين أمريكيين”، بشأن التحقيق في تورط مسؤولي الكيان في ارتكاب جرائم حرب.

ومن المرجح بناء على هذه المعلومات، أن تحذير كريم خان، في الأيام الأخيرة بأنه لن يتردد في مقاضاة “محاولات عرقلة أو تهديد أو التأثير بطريقة غير لائقة”، في مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، كان موجها “بشكل ضمني”، إلى مسؤولي الكيان، في ظل الكشف عن محاولات الموساد الضغط على فاتو بنسودا.

بداية الملاحقات

تعود تفاصيل الملاحقة التي أدارها كوهين بحق المدعية السابقة للجنائية الدولية وفق الغارديان إلى سنة 2015، عندما قررت بنسودا فتح “تحقيق أولي في الوضع في فلسطين”، بهدف إجراء تقييم لمزاعم ارتكاب جرائم حرب من قبل الاحتلال في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

قرار بنسودا أثار غضب حكومة الكيان التي تخشى محاكمة مسؤوليها السياسيين والعسكريين، “بسبب تورطهم في عديد العمليات في الأراضي الفلسطينية”، وفق الصحيفة البريطانية، وهو ما يفسر موقفها المعارض للمحكمة الجنائية الدولية، ورفض الاعتراف بسلطتها.

وأضاف التحقيق أنه “بعد فترة وجيزة من بدء التحقيق الأولي، بدأت بنسودا وكبار المدعين العامين بالمحكمة في تلقي تحذيرات بأن المخابرات الإسرائيلية كانت تقوم بمحاولة تتبع أعمالهم”.

“استدراج” بمساعدة كابيلا

بدأت فصول مطاردة بنسودا وتهديدها ومحاولة الضغط عليها، خلال لقاء غير رسمي جمعها بكوهين سنة 2017 في مدينة مونيخ الألمانية، على هامش مؤتمر حول الأمن، قبل أن يقوم الموساد بمحاولة استدراجها بمساعدة من رئيس الكونغو الديمقراطية السابق جوزيف كابيلا، والذي كان معروفا بعلاقاته الشخصية الوطيدة مع يوسي كوهين.

وحسب المعطيات التي كشفها التحقيق، فإن العملية وقعت سنة 2018، بنيويورك عام 2018 حيث وقعت برمجة اجتماع بين المدعية السابقة للجناية الدولية مع جوزيف كابيلا رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية آنذاك، في الفندق الذي يقيم فيه بشأن بالتحقيق المستمر الذي تجريه المحكمة الجنائية الدولية في الجرائم المرتكبة في بلاده.

وتضيف الغارديان أن الاجتماع كان مجرد تمويه، فبعد انطلاقه بقليل طُلب من موظفي المدعية العامة مغادرة الغرفة، ليدخل يوسي كوهين المكان وهو ما أثار قلق بنسودا ومجموعة من مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية الذين كانوا معها.

وينقل التقرير عن ثلاثة مصادر مطلعة، أن كوهين اتصل هاتفيا في عدة مناسبات ببنسودا بعد الاجتماع مع كابيلا، وطلب عقد لقاءات معها، وحسب لشهود عيان، سألت بنسودا كوهين في إحدى المكالمات عن كيفية حصوله على رقم هاتفها، فأجاب: “هل نسيت ما أفعله من أجل لقمة العيش؟”

ووفق المصادر ذاتها، فإن رئيس الموساد “حاول في البداية بناء علاقة”، مع المدعية العامة و”تجنيدها للتعاون مع إسرائيل”.

ومع تكرر صد فاتوا بنسودا لمحاولات يوسي كوهين، تغيرت لهجة الاتصالات والتي تحولت إلى “التهديدات والتلاعب”، حسب الصحيفة البريطانية، ما دفع المدعية العامة إلى “إبلاغ مجموعة محددة من كبار مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية بسلوكه”.

في ديسمبر 2019، أعلنت فاتوا بنسودا أن “لدى المحكمة الجنائية الدولية أسبابا لفتح تحقيق جنائي كامل في مزاعم ارتكاب جرائم حرب في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية”، وقررت أن تطلب حكما من الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية لتأكيد أن المحكمة لها بالفعل ولاية قضائية على فلسطين.

تصعيد وابتزاز

ومقابل هذا التطور في مسار إجراءات المحكمة، “صعّد كوهين محاولاته للضغط على بنسودا بعدم متابعة التحقيق”.

وحسب المعلومات التي توصل إليها التحقيق، فقد عقدت ثلاثة لقاءات بين كوهين والمدعية العامة بين أواخر 2019 وأوائل 2021، بطلب من رئيس الموساد.

نقلت الغارديان عن “مصدر مطلع”، أن كوهين أثار خلال الاجتماعين الأخيرين مع بنسودا، “تساؤلات حول أمنها وأمن عائلتها”، الأمر الذي اعتبرته تهديدا مبطنا.

محاولات الضغط والابتزاز لم تتوقف عند التهديد غير المباشر، حيث انتقلت إلى مستويات أشد خطورة، وفق التقرير، بعد قيام رئيس الموساد بعرض نسخ من صور لبنسودا وزوجها، التقطت سرا لهما خلال زيارة كانا يقومان بها نحو لندن، وذلك بعد تلميحه بأن “قرار الاستمرار في التحقيق قد يضر بمسيرتها المهنية”.

ويضيف كاتب التحقيق هاري ديفيز، أن الموساد حاول خلال الفترة ما بين عامي 2019 و2020، الحصول على أي معلومات شخصية تتعلق بالمدعية العامة، وأفراد عائلتها بهدف مساومتها بها.

وتابع: “حصل الموساد بالفعل على بعض المواد، يتعلق بعضها بتسجيلات لزوجها، وحاول الدبلوماسيون الإسرائيليون استخدامها في محاولة فاشلة لتقويض المدعي العام”، عبر نشرها على مستوى القنوات الدبلوماسية.

ووصفت ثلاثة مصادر مطلعة المعلومات التي نشرها مسؤولو الكيان، بأنها “جزء من حملة تشهير فاشلة ضد بنسودا”، وعلق أحد المصادر قائلا: “ذلك لم يكن له أي تأثير” في عمل المدعي العام.

دعم أمريكي

ولعل النقطة اللافتة للانتباه والتي أشار إليها التحقيق، هي أن “الجهود الدبلوماسية  المشار إليها كانت جزءًا من تعاون بين حكومة الاحتلال وإدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لفرض ضغوط علنية للتأثير في المدعية العامة”.

وكانت إدارة ترامب، قد فرضت، بين عامي 2019 و2020، عقوبات على المدعية العامة للجنائية الدولية تشمل قيودا على التأشيرات.

وجاء هذا الإجراء ردًا على مطالبة بنسودا بفتح تحقيق منفصل في جرائم الحرب في أفغانستان، التي ارتكبت من قبل كل من القوات العسكرية الأفغانية والأمريكية.

وربط مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، حزمة العقوبات بالقضية الفلسطينية، قائلا إنه “من الواضح أن المحكمة الجنائية الدولية تستهدف إسرائيل فقط لأغراض سياسية صريحة”.

كما اتهم بومبيو، بنسودا، بأنها “ارتكبت أفعالًا فاسدة لصالحها الشخصي”، دون تقديم أي دليل على كلامه.

اعتراف من مسؤولي الاحتلال

ينقل تحقيق الغارديان عن مصادر من مسؤولي الكيان، أن ما قام به يوسي كوهين من ضغط ومطاردة وابتزاز للمدعية العامة السابقة للجنائية الدولية، “تمت المواقفة عليه على مستوى عال”، ووقع تبريره باعتبار أن “إجراءات المحكمة كانت تمثل تهديدا بملاحقة مسؤوليين سياسيين وعسكرين”، من الاحتلال.

واعترف مصدر آخر مطلع على تفاصيل العملية ضد بنسودا، بأن هدف الموساد كان “تعريض المدعية العامة للخطر، أو تجنيدها شخصا يتعاون مع مطالب إسرائيل”.

ووفق خبراء قانونيين ومسؤولين سابقين في المحكمة الجنائية الدولية، يمكن أن تترتب عن محاولات الموساد، للتهديد أو الضغط على بنسودا، ملاحقات قضائية  باعتبارها “جرائم ضد إدارة العدالة بموجب المادة 70 من ميثاق روما”، الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية.

وتولّى كريم خان إدارة المحكمة الجنائية الدولية بعد أن أنهت بنسودا ولاياتها البالغة 9 سنوات،  وانتهى إلى طلب إصدار مذكرة الاعتقالات الأخيرة بشأن العدوان الإسرائيلي على غزة.

ويعتبر قرار خان السعي إلى إصدار مذكرات اعتقال ضد نتنياهو وغالانت سابقة قانونية، تتخذ فيها المحكمة إجراءً ضد قادة دولة متحالفة بشكل وثيق مع الولايات المتحدة وأوروبا.