تونس

العيّادي يكشف المستجدّات القضائية لاغتيال الزواري: أنا أَتَّهم..

وجدي بن مسعود

“أنا أتّهم شخصيات سابقة في السلطة التنفيذية وإطارات أمنية وشخصيات إعلامية”، هكذا تحدث عضو لجنة الدفاع في قضية الشهيد المهندس محمد الزواري، المحامي عبد الرؤوف العيادي، بلا مواربة أو تحفّظ حول تعطّل التحقيقات وكذلك العملية ذاتها، في خضم تجدّد الجدل في الساحة التونسية حول ملف اغتيال مهندس المسيّرات التونسي من قبل الموساد الإسرائيلي.


مشهد مسيرات “الزواري” الانتحارية التي حلّقت في سماء فلسطين المحتلة في خضم عملية طوفان الأقصى، أعاد تسليط الأضواء على “الطيّار القسامي” التونسي الذي اضطلع ببناء القوة الجوية الضاربة للمقاومة، بعد مرور أكثر من سبع سنوات على جريمة اغتياله، وسط تساؤلات عن مسار التحقيق في القضية، الذي ما يزال في طور الأعمال الاستقرائية، وفق ما كشفه العيادي.


في حوار مطوّل لبرنامج 10\10 الذي يبثّ قريبا على القناة الرقمية لبوابة تونس، اعتبر عضو لجنة الدفاع والقائم بالحق الشخصي لعائلة الشهيد الزواري، أن القضاء “واجه إحراجا” في مسار التحقيق بسبب الشبهات حول بعض العناصر الأمنية، متّهما أحد وزراء الداخلية السابقين بالتعامل باستخفاف مع القضية، كما توقّف عند فرضيات تدويل القضية من جانب الدولة التونسية.

*تعطّل مسار التحقيق

انطلق العيادي من آخر مستجدات التحقيق في القضية، مبيّنا أنّ الإجراءات المتعلّقة بالملف القضائي الخاص بالشهيد محمد الزواري طال أمدها، وما تزال بعد سبع سنوات من الجريمة في “الطور الاستقرائي”.
بطء أرجعه المحامي التونسي إلى وجود عقبات تتعلق بالبعد السياسي للقضية والجريمة في الآن ذاته، مبيّنا أنّ “هناك عدة أطراف لم يستطع القضاء جلبها لسماعها، بينها إطارات أمنية وشخصيات سياسية وهذا ما عطّل مسار التحقيق”، حسب قوله.


وشدّد عبد الرؤوف العيادي على أنّ لجنة الدفاع “تمتلك مؤيّدات” بهذا الخصوص، كما “قدّمت طلبات لاستجواب عدد من الأشخاص من بينهم ضابط أمني”، إلى جانب صحفي كان مديرا لصحيفة أسبوعية وموقع إخباري، وقام بنشر خبر عن عملية الاغتيال قبل يوم من وقوعها، قبل أن يقع حذفه لاحقا.

وإجابة عن سؤال يتعلّق بإمكانية إعادة تحريك القضية في ظلّ فورة الحماس الشعبي في الشارع التونسي، تجاه ما تسطّره المقاومة الفلسطينية من بطولات، اعتبر العيادي أنّ “الظرف الحالي ملائم باعتبار أنّ القضية سياسية بالأساس وبالتالي فإن الظرف السياسي مؤثّر في إعادة تحريكها”.


في سياق الحديث عن إعادة إحياء الملف لفت العيادي إلى مساعي بعض الأطراف التي عملت على أن ينسى الرأي العام الداخلي القضية، من خلال التعتيم وتوجيه الإعلام إلى عدم الاهتمام بمستجداتها أو حتى مواكبة الندوة الصحفية التي تنظم سنويا في ذكرى جريمة اغتيال الشهيد الزواري.

*سياسيون متّهمون


خلال الحوار أصرّ عبد الرؤوف العيادي على توجيه الاتهام مباشرة إلى مسؤولين سامين سابقين في السلطة التنفيذية، أحدهم مستشار سياسي سابق، بالتواطؤ خاصة في تعطيل التحقيقات، وهو الأمر الذي أثاره في تصريحات سابقة لبعض وسائل الإعلام التونسية.


إصرار ترجمه بالقول إنّه “ما يزال متمسّكا باتّهام ذلك المسؤول السياسي السابق في السلطة التنفيذية”، مضيفا أنّ تورّطه يرتبط -وفق قوله- بقرار إخلاء سبيل الصحفي بالقناة العاشرة الإسرائيلية، الذي وصل إلى تونس بعد الجريمة وأنجز تقريرا من أمام منزل الشهيد الزواري، إلى جانب مداخلة مباشرة من شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة تونس.


وأضاف محدّثنا: “الصحفي الإسرائيلي دخل تونس بجواز سفر ألماني، وعندما تحدّث إليه موظّف الفندق بالألمانية أخبره أنّه لا يجيدها، ما أثار الشكوك حوله فتم إعلام السلطات الأمنية التي أوقفته، وعندما حاول الأمن استجوابه جاءت التعليمات من المسؤول السامي بالسلطة التنفيذية عن طريق المستشار السياسي لإخلاء سبيله” وفق تقدير عضو لجنة الدفاع عن الشهيد الزواري.

وأشار العيادي في الإطار نفسه إلى أن المسؤول السامي المذكور بالسلطة التنفيذية “كان يعتبر المقاومة إرهابا”، مشددا على أن المستشار السياسي الذي أمر بإخلاء سبيل الصحفي الإسرائيلي “لم يتصرف بشكل منفرد بل صدرت له أوامر مباشرة”.
 كما رجّح عضو هيئة الدفاع أن “يكون عدم مثول المستشار السياسي أمام التحقيق من بين أسباب تناسي الملف”.


* تسهيل تنفيذ الجريمة


قائمة المعنيين بالخضوع للتحقيق في جريمة الاغتيال تشمل حسب محدثنا، كذلك أحد الإطارات الأمنية الذي ساهم، حسب عضو هيئة الدفاع، في تسهيل مهمة منفذي الجريمة، عبر تأجير منزل لفائدتهما بمدينة القيروان، إلى جانب تأمين الطريق لهما إلى صفاقس.


واستشهد عبد الرؤوف العيادي بـ”تقرير أمني يدين الإطار المشار إليه بالأدلة، بالتخابر مع الموساد، إضافة إلى جرائم أخرى”.

وبخصوص تعاطي القضاء والمحققين مع فرضيات الاتهام التي أشار إليها، خاصة منها المتعلقة باشتباه ضلوع عنصر أمني، قال العيادي إن “وجود أمنيين وتورطهم في القضية أحرجا القضاء، ما فرض على القضاة مخاطبة وزير العدل بهذا الخصوص”، حسب قوله.


وأوضح عضو لجنة الدفاع عن الشهيد الزواري بشأن هذه النقطة، أن بعض “القضايا الحساسة تفرض على القضاء في تونس استئذان الوزراء، على غرار وزير العدل لسماع شخصيات سياسية أو أمنية”.
وتابع قائلا: “جريمة الاغتيال تواطأت فيها عدة أطرف أمنية وسياسية، لكن لم تقع إدانة أي منها، بينما انتهى حاكم التحقيق إلى أن الموساد يقف وراء الجريمة.”


*حقيقة تجنيد المكلفة برصد الزواري

الحوار تطرق إلى إحدى المتهمات في القضية والتي وقع تجنيدها عن طريق الموساد لرصد الشهيد محمد الزواري في تونس، حيث كشف المحامي عبد الرؤوف العيادي أن دائرة الاتهام أصدرت بحقها بطاقة إيداع بالسجن بعد الإفراج عنها في وقت سابق إثر نهاية فترة إيقافها التحفظي.


ويستبعد العيادي الطرح الذي يذهب إلى براءة المتهمة المذكورة، وأن الموساد قام بخداعها واستغلالها، مشددا على أنها تحصلت على مبالغ مالية مهمة بعد التواصل معها عبر الإنترنت، بحجة إعداد فيلم وثائقي لصالح شركة إنتاج عن المسيرات سيبث على قناة ماليزية.


ولفت العيادي إلى أن المتهمة “وقع تسفيرها إلى خارج تونس، حيث أقامت في فنادق فاخرة، ووقع تكليفها بتنظيم لقاء مع الشهيد الزواري في مدينة زغوان خلال مهرجان للطيران، لكنها لم تزر مقر شركة الإنتاج المزعومة ولو لمرة واحدة، والأكيد أنها كانت تعلم أن هناك أمرا ما يدبر”، حسب قوله.

 لائحة الاتهام التي وجهها المحامي في قضية الشهيد طالت كذلك وزيرا أسبق للداخلية والذي “تعامل مع القضية باستخفاف” حسب رأيه، مضيفا: وزير الداخلية المذكور لم يتعامل كما يجب مع القضية، بدليل وجود أمنيين مشتبه فيهم ولم يقع التعامل معهم”.

وتساءل محدثنا: هذه القضية تهم الأمن القومي كما تهم المواطنين، كيف يتم التعامل معها بكل هذا الاستخفاف”.
المحامي عبد الرؤوف العيادي كشف في الحوار عن تفاصيل تتعلق بأطروحة الدكتوراه التي كان  الشهيد  يستعد لإنهائها ومناقشتها بالمدرسة الوطنية للمهندسين بصفاقس، عن غواصة تعمل للأغراض السلمية والحربية، مبيّنا أنّ الفريق الذي أشرف على مناقشة الأطروحة بعد حادث الاغتيال “فوجئ باستدعاء من قبل فرقة الإرهاب في  اليوم نفسه”.


*تدويل القضية


وبخصوص التواصل مع أفراد عائلة الشهيد محمد الزواري وأرملته ماجدة صالح وما أثير عن إمكانية منحها الجنسية التونسية، أفاد العيادي أنّها تقدمت بطلب بهذا الغرض لكن لم تقع الاستجابة لطلبها حتى الآن.
إمكانية تدويل قضية اغتيال الزواري بهدف إدانة الاحتلال سياسيا، تبقى قائمة وفق عضو لحنة الدفاع، الذي أوضح أنه يكون بطلب من القائمين بالحق الشخصي بعد استنفاد كل الوسائل وأطوار التقاضي في تونس.
وشدّد المحامي عبد الرؤوف العيادي على أنّ الدولة يمكن أن تكون طرفا في القضية في صورة تدويلها، باعتبارها متضررة من الجريمة التي تشكّل عدوانا عليها، كما أنّ الضحية هو مواطن تونسي.