فــوزي الصــدقاوي
كان التيار النقدي للفــكـر الــتنويري قد نشأ في بيئة متشبّعة بثقافة عقلانية، وفي مجتمعات صناعيّة حديثة، لكن انتشار الفكر النازي والفاشي في الثلث الأول من القرن العشرين، وما شهده هذا القرن من توترات عقب الحرب العالميّة الثانية، وما صاحبها من أعمال الإبادة الجماعيّة، كشف في رأي عزمي بشارة، عن الوجه البربري للأيديولوجيات الشمولية، بما ساهم في تغذية نزعة الارتياب لدى هذا التيار، وشحذ الأعمال النقدية التي استهدفت العقلانيّة ومفاهيمها.
حيث استخلص، مُنظرو مدرسة فرانكفورت في البحث الاجتماعي : ثيودور أدورنو (1903 – 1969) وماكس هوركهايمر (1895-1973، في كتابهما : جدليّة التنوير، أن التنوير بما هو حامي الإنسان من الخوف ومن المجهول، هو عينه التحرير الذي يدفع بالتفكير نحو التقدّم عبر التاريخ، وهما يعتبران : ( أن برنامج التنوير كان نَزْعُ السحر عن العالم)، واستبعاد الأساطير وإزاحة التخيّلات عبر المعرفة. فالتنوير بهذا المعنى يمكنه أن يوازي مصطلح العلمنة، وكل نقد لصيرورة التنوير هو أيضا، بمثابة المحفّز لصيرورة العلمنة.
أمّا نقد التنوير فينطلق من فكرة هي : إذا كان هدف المعرفة هو السيطرة، فإن الإدراك يتحوّل إلى أداة في الفهم، بينما يتعلق العقل بالتفكير في الغايات والنهايات. لكن إذا تمّ التعامل مع العقل على أنّه أداة، فالإنسان نفسه سيتحوّل حينها إلى أداة، حيث تُــفهم العقلنة على أنّها تفكير أداتي، وفيها يَكون التقدير لنجاعة الأدوات في تحقيق النتائج، دون أن يكون للقيم الإنسانيّة اعتبار.
كما يستهدف أدورنو وهوركهايمر، العقلانيّة الحديثة الأداتيّة بالنقد، لأنّهما خلُصا إلى أن إنتاج أدوات الدمار ومناهج الإبادة من أهم مآلات هذه العقلانيّة الأداتيّة، فهي تدّعي أنّها حين تكون بصدد إنتاج المعرفة، تكون محايدة وليست مشغولة بأي أعباء أخلاقيّة يمكن أن تتحملها في طريق، لأن المطلوب إنتاج معرفة تتخلّص من الأساطير والخرافة والسحر…والأرواح، وتكتشف فيها الوقائع والإجراءات وتكون قابلة للاختبار والتنبؤ. ذلك أن الميتافيزيقا عند فرنسيس بيكون هي أحد أصنام العقل الذي يجب تحطيمها. أمّا من جهة مدرسة فرنكفورت فإن التنوير وهو يبتعد بنا عن الأساطير الميتافيزيقية، ويُخلّصنا منها، يكون بصدد صناعة أساطير أخرى، أهمها أسطورة العقل، كليّ القدرة.
من ناحيّة أخرى يمكن، في رأي عزمي بشارة القول، أنّ عمليّة التنوير هي رحلة/تقدم العقل عبر التاريخ (هيغل)، وفيها يتحقق التنوير بنزع الأساطير عن الواقع، وعن الأفكار، ثم هو يحوّل هذه الأساطير إلى أفكار عقلانيّة وفلسفيّة، فالأساطير يعاد زراعتها مجردة في العقل، وهو مسار كان كفيلا بإنتاج الثورة الصناعيّة والمجتمع الصناعي، والثقافة الصناعويّة(Industrialism)، (الاﻧﺘﺎج اﻟﺼﻨﺎعي ﻟﻠﻤﻮاد اﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ)، وتحويل الأفكار إلى أشياء قابلة للتسليع والتسويق والاستهلاك.
والتنوير هو أيضا استيقاظٌ للذات بغرض السيطرة على الموضوع، وهو تعبير عن رغبة الإنسان في أن يتشابه مع الله، فالرغبة في السيطرة لدى الإنسان، مع العدميّة الأخلاقيّة، إنّما تختط طريق الكوارث. فهذا المسار الذي سلكه التنوير، انتهى بالنسبة إلى نيتشه، إلى موت الآلهة، كما أعلن في “هكذا تكلم زرادشت”، وانتهى أيضا بالنسبة إلى فوكو في كتابه “الكلمات والأشياء”، الصادر سنة 1966، إلى موت الإنسان، وهو ما يعني نهاية الذات المفكرة المستقلة، المسيطرة على موضوعات المعرفة.
التنوير هو العلم المتجه نحو السيطرة على الأشياء، وهو امتداد للسحر لكونه تحويلاً لمبدإ التمثيل السحري من خلال استعمال عينة من جسد أو أغراض الجسد. كما اتجه التنوير مبتعدا عن القضاء والقدر لينتج لنا فكرة الضرورات والحتميّات، لكن التنوير الذي صنع المساواة بين الفرد المواطن وأمثاله، غُـمِر في الجمهور، ونزعت خصوصيته الفرديّة في المتوسط الإحصائي. والتنوير الذي يجرّد الأشياء ويجعل كلّ شيء في الطبيعة قابلاً للقياس والاختبار والتكرار والتحويل والتصنيع، يحوّل المواطنين إلى جمهور. ويعمل على تفكيك الأساطير، واستعاضتها بالمعرفة، ولكنه يعمل أيضا على تفكيك أساطيره، لذلك بلغ التنوير إلى حد أنّه أصبح يسعى إلى إفراغ قضاياه مثل قضايا الإنسان وقضايا العقل، واستِعاضَتِها بمعادلات وحسابات وبأرقام وأدوات. والتنوير يتخلى عن المصطلح والقاعدة والاحتمال، مكان الغاية والسبب، وهو يُــلغي أي إحتمال للمعنى، إلى أن يبلغ درجة يتبرأ فيها من قيمه. ويتخلى عن قضاياه، فالعقل مثلا، من غير المقبول استخدامه كمصطلح علميّ، وإنّما يُستخدم بوصفه استراتيجيّة تختزل الذات بالتكيّف، أو بالإذعان المحايد، وفق المضمون السياسي أو الديني الذي يُوضع في خدمته.
فالحداثة برأي أدورنو وهوركهايمر، حوّلت الناس إلى عيّنات إحصائيّة حين استخلصت منهم نماذج سلوكيّة أداتية، واعتُبِرت، على منهج هيغل، أنّ تطوّر العقل في التاريخ ينتهي إلى نقيضه، فكل انتصار للعقل على الأسطورة ينتج أساطير جديدة، وكل تقدم في المعرفة وفي فهم الواقع والسيطرة ينشأ عنه مجاهل جديدة وضرورات جديدة تفرض على الإنسان.
ومع أن التنوير مشروع غير مكتمل، فإنّ نقد مدرسة فرانكورت له، بحسب بشارة، كان يتميّز بواقعيّـته وعقلانيّـته، وهو مهيّأ لنقد ذاته. وإذا كان نقد العقل من أجل التنوير يمكنه أن يكون عقلانيا، فإنّ نقد العقل لللاعقلانيّة سيكون كارثيا. ذلك أنّه سيتم تهميش العقل، وفصل النقد العقلاني عن قِــيَم التنوير. حيث سيكون الباب مشرعا ليسحر الجمهور بالأساطير الحديثة ثم يُحمَل على استهلاكها، بعد تسليعها وبيع منتجات تحقق الترفيه وتخاطب الغرائز، ومنها وبها تنشأ الثقافة الجماهيرية.
أمّا الثقافة الجماهيرية، فهي برأي عزمي بشارة، من أهمّ عوامل إنتاج بدائل الدين، والتبعيّة شبه الدينيّة للأيديولوجيات الدنيويّة وقيمها. ويخلص إلى أنّ الحداثة والعلمنة كان لهما تأثيرات في الدين نفسه، لاسيما أنّ هذه الثقافة الجماهيرية باتت تمنح الديانات التقليدية أدوات تؤثر بها في الجمهور، وتتأثر بها. فهي تُحدِثُ تغييرا في نمط التدين الشعبي، وتغييرا في طبيعة الإيمان الذي كان سائدا قبل الحداثة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)- د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الدين والتدين، الجـــزء الثاني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط الأولى، بيروت، 2015.


أضف تعليقا