يعتبر عزمي بشارة أنّ خصوصيّة الحداثة ارتبطت بشرط الاكتشافات العلمية والتحولات الفكرية التي قادت النخبة إلى تغيير موقفها من الدين بينما هيّأت التحوّلات الاجتماعية العميقة بيئة ملائمة لتحقيق تلك الاكتشافات، والشرطان في رأي فيرنون برات (Vernon Pratt) ساعدا على التطورّ الفكري ونمو العقلانية في أوساط النخبة. ولا يعود أمر هذه التحوّلات، برأي السادير مكنتاير (Alasdair MacIntyre)، إلى ضعف الايمان ولا إلى تراجع سلطة الكنيسة، وإنّما يعود أساسا إلى أن الناس فقدوا الاتفاق الاجتماعي للعيش المشترك المُــنشئ للسلطة الأخلاقية التي يحتكم إليها الجميع.
لقد أسهم التطوّر العلمي في ظلّ التفاعل مع الطبيعة، في تغيير تفكير العلماء ووعي الناس، ثمّ الانتقال بالتفكير من التأمل والاستنباط العقلي، إلى البحث التجريبي، كما ساهم تطوّر العلم في نشوء وسائل المواصلات وأدوات الإنتاج، التي أدت بدورها إلى إعادة تصميم العلاقات الاجتماعيّة وتجديد البيئة الاجتماعيّة، وتشكيل عقلانيّة تفهم المتغييرات في إطار ترابطها السببي. وهي لحظة اعتبرها عزمي بشارة، بداية استخدام الحداثة لمصطلح “الطبيعة” و”الطبيعي”، على نطاق واسع، في وصف واقع موضوعي وفي استيعاب فعل إنساني قابل للتحليل والتفسير وفق قواعد انتظام الطبيعة وقوانينها. ولا يخرج عن ذلك، فهم الدين والسلوك الديني، من حيث هو أحدى مظاهر العيش الطبيعية.
مع بداية القرن السابع عشر وحيث تتحوّل الحياة الفكرية إلى المركز المزدهر لدولة الملكية المطلقة في باريس، وحيث الحلقات الفكرية والثقافية التي مرّ بها ديكارت وهوبس، وتأثر بها سبينوزا في بلاده. وفي المرحلة عينها التي عاش فيها باسكال، كانت تظهر عناصر أولى لإجابات عن التحديات التي طرحتها الأنسنة والنهضة والإصلاح خاصة في ما يتعلق بعدم اليقين الديني.
فماران میرسین (Marin Mersenne) طرح مسألة اليقين الرياضي والديني في خضم أزمة الريبية التي عصفت بالفكر الأوروبي في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر. لكنه يرى أن ثمة أمورا في حياة البشر لا يطاولها الشك، مثل البدهيات الرياضية، ويلاحظ بشارة أن المزاج الذي أنتجه العلم الحديث في تلك المرحلة، نجده في فلسفة هيوم، مؤكدا أنّه لا يجب الاعتقاد بوجود ما يقع خلف مدركاتنا الحسيّة، فذلك خارج حدود المعرفة. وهذا ما مهّد لـدراسة الدين ذاته علميا. ومهّد لاحقا لتطوّر المواقف الأيديولوجيّة العلمانيّة.
ففي ظل حالة الفوضى وعدم الأمان، اقترح هوبس تحقيق السلام الديني عبر فرض إرادة السيادة، وبينما زادت الحروب الدينيّة من جاذبيّة فكرة الدولة وضرورتها، ذهب هوبس إلى التنظـير لفكرة الدولة المطلقة، وتَفسير الدين الطبيعي باعتباره ظاهرة ناجمة عن الخوف من الظواهر الطبيعيّة، مثلما أن الدولة يَدفع إلى إنشائها الخوف الذي تمكّن من الناس، فالخوف يدفع إلى التعايش مع الظواهر الغريبة وغير المفهومة بأنسنتها، وبفهمها والتعايش معها. وهذا هو الدين الطبيعي (Natural Religion)، أما الصنف الآخر من الدين، حسب هوبس، فهو الدين الموجب (Positive Religion) الذي تضع الدولة مبادئه. وينسجم مع مفهوم السيادة الشامل عنده.
فصاحب السيادة يحدد ما يُوعَظ به، وهو من يقرر المعاير ويُحدّد بموجبه التفسير الصحيح للعقيدة، أو فهم مراد الله، وهكذا يكون هوبس قد نسف الوسيط الوحيد الممكن بين دين الوحي والعقل الذي يقوم بتفسير العجائب بعقلانية باعتبارها ظواهر طبيعية، وحكايات تُروى للبسطاء. وفي المستوى السياسي، يعتقد هوبس أن صاحب السيادة هو من يجب أن يقرر العقيدة الدينية ويفرضها، وأن الحروب الأهلية تنشب عندما تفشل المجتمعات، فإذا كان مصدر الخلافات الدينية مصالح دنيوية فالأوْلى -وفق هوبس- أن تَحسم المؤسسة الدنيوية (الدولة)، تلك الخلافات. فالدولة بوصفها صاحبة السيادة هي من تضع المعايير العامة للخير والشر التي تحدّد قواعد القانون ونظام السياسة.
لقد تحوّل مفهوم الطبيعة في الفكر التنويري إلى مجال الأخلاق والدين، تحت تأثير الفلسفة الرواقية وفكر النهضة الأوروبية، من كونه واقعا قائما خارجيا عن الفعل الانساني، وجزءا من الطبيعة، لتصبح حالة تقاس عليها وتعيّر بها. بحيث ينتقل مفهوم القانون الطبيعي والأخلاق الطبيعيّة والدين الطبيعي، من تفسير للدين إلى بديل منه (جان جاك روسو (1778-1712).
كان نقد الدين يتم من قبل مؤرخين وباحثين متدينين غالبا، فعلمنة التفكير في المجال الديني ذاته، بدأ بتحديد مجال الدراسة، وبمحاولة فهمه بوصفه ظاهرة، وكانت البداية عند هؤلاء الباحثين تستهدف نقد الأسطورة لتناقضها مع الدين السويّ، ثم جرى بعد ذلك نقد الأساطير التي تتضمنها النصوص الدينيّة ذاتها. وعليه فقد بُنِيَ موقف الحداثة الأوروبية من الدين على أساس يجعل القصص التاريخية تُفسّر وتُأوّل بصورة مقبولة وفق تصوّر يقطع فيه العقل مع الخرافة، لكن تطوّر المعرفة العلمية مع القبول بمركزيّة الشمس في نظريّة كوبرنيكوس، ونشوء التاريخ النقدي للتوراة وجرأة المنهج العلمي، جعل العلم، بدل الدين، معيار الحقيقة وأداتها. لكن من جهة بيير بايل (Pierre Bayle) (1647–1706)، اعتبر أن المسيحية التي يُـفترض أنّها تعلّم الناس الفضيلة ومحاربة الشهوات في السر والعلن، لم تنجح في منع الناس من ارتكاب الشرور في المجتمعات، وهو يتخذ موقفا معارضا، من إلغاء لويس الرابع عشر مرسوم نانت في عام 1685، معتبرا جوهر الدين يكمن في ما يصدر عنه من معنى السلام، لكن الديانات التوحيديّة برأيه، تحمل بذور الحرب والقتال، لذلك لا يَعتقد أن الدين يصلح للكيان السياسي، وأنّ الديانات التوحيديّة هذه، ليست بديلا من القوانين والسياسات الصحيحة. وأنّه لا الإلحاد يقود إلى فساد الأخلاق، ولا الدين يقود إلى فساد الأخلاق بصفتهما هذه، وإنّما الأمر يعود لاعتبارت كثيرة.
صنع بيير بايل نقلة أساسية نحو فكر التنوير، بمحاولته الإجابة عن تحديات كثيرة خلّفها مفكرو القرن الثامن عشر وراءهم. ولأهميّة أطروحات بيير بايل، يتساءل بشارة، كيف لم يصنّف هذا الفيلسوف كمفصل تاريخي لبداية عصر التنوير؟ لا يعد استخدام لفظ العلمانيّة، أو مفهومه، أمرا مهما، لكون العمليّة الفكريّة التي أنتجت الممارسة ذاتها، والوضعيّة التاريخية والسياسية والاجتماعيّة التي تشكّل المفهوم في سياقها، هو الذي يجب اعتباره في حركة التغيير التاريخية، فالعمليّة الفكريّة اكتسبت قدرا من الشحنات المعياريّة وحمولة من الدلالات والمعاني السياسية والاجتماعية التي أسست لنمط من علاقة الدولة بالمؤسسة الدينيّة تقطع مع الماضي من جهة وتؤسس لمفهوم الحداثة بوصفها واحدة من الثمار المهمة للصيرورة التاريخية في عمليّة العَلمَنة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)- د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الدين والتدين، الجــزء الثاني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، 2015.


أضف تعليقا