محمد بشير ساسي
قبل شهرين تقريبا، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش صيحة فزع في افتتاح مؤتمر الدول الموقّعة على معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية، حين حذّر من أنّ العالم تفصلُه خطوة واحدة غير محسوبة عن حرب نووية مدمّرة.
وفي 2019، سبقه لاسينا زيربو الذي كان يشغل منصب المدير التنفيذي لدى منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، حيث دقّ آنذاك ناقوس الخطر، مصرّحا بأنّ المجتمع الإنساني يواجه الوضعية التي كان فيها يوم تمّ قصف ناغازاكي وهيروشيما عام 1945.
أهم الأخبار الآن:
كبسة زر
فكرة الصراع النووي أضحت اليوم موضع نقاش، بل ملفا حارقا يُثقل كاهل البشرية المهدّدة بالمخاطر البيئية والأمراض والمجاعات.
ومع كل التوتّرات السياسية والنزاعات والحروب، تثور المخاوف من لحظة تهوّر يفقد خلالها أحد الخصوم بوصلة الحكمة، ويتّخذ قرارا يكبّد البشرية خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات بسبب كبسة زر.
فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا قبل أكثر من 7 أشهر، حذّر مراقبون من وقوع مواجهة عسكرية بين روسيا ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تقود في المحصّلة إلى استخدام السلاح النووي.
وربما خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي لوّح خلاله باستخدام السلاح النووي في حال تعرّض الأراضي الروسية للتهديد، وكذلك تصريحات سابقة لمسؤولين روس بالإضافة إلى “خطة التعبئة” الجزئية، جعل آذان جيرانهم الأوكرانيين والغرب عموما صاغية أكثر من ذي قبل.
وحتى الإدارة الأمريكية أصبحت الآن أكثر قلقا بشأن احتمال استخدام موسكو أسلحة الدمار الشامل أكثر ممّا كانت عليه في بداية الصراع، كما بدأ الحديث في واشنطن عن سيناريوهات ما بعد الضربة النووية المحتملة.
ويرى خبراء أنّ الرسالة التي أراد بوتين إيصالها وعلى الغرب فهمها، هي أنّ الحرب صراع حياة أو موت بالنسبة إليه، عندها يحتاج الغرب إلى التغلّب على الثقة والقوة اللّتين منحتهما الأسلحة النووية لروسيا.
مقامرة خطيرة
صحيح أنّه على الأرض أعادت موسكو التوسّع في فضائها التقليدي، مستهدفة جغرافيا جارتها أوكرانيا بضمّ أربع مناطق (دونيتسك، خيرسون، لوغانسك، وزاباروجيا) إلى جانب انتزاع شبه جزيرة القرم في 2014، غير أنّ هذا لا يعني من الناحية الجيواستراتيجية تحقيق موسكو مبتغاها النهائي من الحرب، المتمثّل في إبعاد أعدائها الغربيين عن حدودها وفرض شروطها على الطاولة.
أما إذا واصل الغرب الإصرار على تقديم مساعدات عسكرية ولوجستية ومخابراتية هائلة إلى كييف، فإنّ هذه المقامرة تنطوي على خطر بالغ في الصّراع ضدّ دولة عظمى تمثّل القوة النووية الأولى في العالم مع مخزون بأكثر من 5 آلاف و977 رأسا حربيا، وفق تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام لعام 2022.
فتفجير كالّذي تعرّض له جسر القرم ومن قبله خطّ أنابيب نورد ستريم، يصفه خبراء عسكريون بمثابة جرح غائر لكبرياء الدب الروسي، من شأنه أن يحرّك في وجدان “حاكم الكرملين” العقيدة النووية، وثمّة حديث سيناريوهات عديدة مُمكِنة لاستخدام روسيا الأسلحة النووية في حال واصل الغرب مسلسل الاستفزازات:
– تفجير فوق البحر الأسود، لا يتسبَّب في وقوع ضحايا، لكنّه يُظهِر العزم على تخطِّي العتبة النووية.
– توجيه ضربة للإطاحة بالقيادة الأوكرانية، في محاولة لقتل الرئيس فولوديمير زيلنسكي ومستشاريه في خنادقهم المُحصَّنة تحت الأرض.
– شنّ هجوم نووي على هدف عسكري أوكراني، ربما يكون قاعدة جوية أو مستودع مؤن، ولا يتسبَّب في إلحاق الأذى بالمدنيين.
– تدمير مدينة أوكرانية، بحيث يتسبَّب في وقوع أعداد كبيرة من الضحايا في صفوف المدنيين ويبُثّ الرعب للتعجيل باستسلام سريع، وهو الهدف نفسه الذي حرَّك الهجوم النووي الأمريكي على مدينتَيْ هيروشيما وناغازاكي في الحرب العالمية الثانية.
جبهات مشحونة
سيناريوهات مرعبة دفعت عديد الأصوات إلى مطالبة بنبرة عالية الولايات المتحدة وحلفائها باستخدام أيّ نفوذ لإحضار روسيا وأوكرانيا إلى طاولة المفاوضات في أقرب وقت ممكن، لإزالة خطر وقوع كارثة نووية مثلما حصل في أزمة الصواريخ الكوبية بين روسيا والولايات المتحدة في الستينات، التي انتهت إلى مساومة قضت بسحب موسكو صواريخها من كوبا وسحب واشنطن صواريخها من تركيا.
لا شكّ في أنّ تفادي سيناريو التصعيد باستخدام الأسلحة النووية بشكل انتقامي، سيهدّئ من الأجواء المشحونة على عدة جبهات بالعالم تدور في فلك توتّرات مباشرة مع واشنطن.
ففي مقال نشرته مجلّة “ناشونال إنترست” الأمريكية، يؤكّد أحد الخبراء في الشؤون الدفاعية جنوح القارة الآسيوية وتحديدا شرقها نحو مزيد تطوير ترسانتها النووية. وفي ظل التهديدات المتزايدة من قبل كوريا الشمالية والصين، سيضطر حلفاء الولايات المتحدة (اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان) إلى امتلاك أسلحة نووية للدفاع عن نفسها.
شبحا بيونغ يانغ وبكين
كشف تقرير عسكري أمريكي صدر في الآونة الأخيرة، أنّ كوريا الشمالية التي تواصل اختبار صواريخ بعيدة المدى، لديها ما يصل إلى 60 قنبلة نووية و5 آلاف طن من الأسلحة الكيماوية. كما رجّح التقرير قدرة بيونغ يانغ على امتلاك 100 قنبلة نووية بحلول نهاية العام الجاري.
الصين الجبهة الآسيوية الثانية مرشّحة لمزيد من التوتّر في علاقة بتايوان التي تحوّلت من جزيرة صينية إلى عدوّ لدود لبكين، بسبب التدخّلات الأمريكية والزيارات الاستفزازية لمسؤولين رفيعي المستوى، وتعهّد واشنطن الرسمي بالدفاع عن تايوان ولو تطلّب ذلك تحريك أسطولها السابع الرابض في مياه المحيط الهادي.
الصين التي تعتبر قضية التوحيد مع تايوان حتمية تاريخية وحقّا وجوديا لن تتراجع عنه البتّة،دفعاها إلى الردّ بمناورات عسكرية استعراضية في محيط الجزيرة، الأمر الذي يعكس مؤشّرا خطيرا، وفق تقييمات محلّلين بالتوازي مع الحرب الروسية في أوكرانيا.
فالحديث هنا عن تحرّك دولة عظمى تحتلّ المرتبة الثالثة عالميا، من حيث عدد الرؤوس الحربية النووية التي تتراوح بين 200 و350 رأسا حربيا. وما يزيد الأمر توجّسا بين صنّاع القرار في الولايات المتحدة وحتى تايوان نفسها، توقعّات وزارة الدفاع الأمريكية في أحدث تقرير سنوي أنّ المعدّل المتسارع للتوسّع النووي الصيني، قد يمكّن بكين من امتلاك ما يصل إلى 700 رأس حربي بحلول العام 2027. ومن المحتمل أن تعتزم الصين امتلاك 1000 رأس حربي على الأقل بحلول العام 2030.
الحكمة أو التهوّر
بصورة عامة، يتجّه العالم رويدا رويدا نحو عصر جديد من إعادة التسلّح النووي ونحو خطر حدوث تصعيد في أعلى مستوياته حاليا، بعد سنوات من محاولة الالتزام بنهج نزع السلاح النووي وتراجع حجم ترساناته.
فآخر تقرير صادر عن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام “سيبري”، يفيد أنّه من المتوقّع أن تزداد الترسانات النووية للدول خلال العقد المقبل. كما أوضح التقرير أّنّه خلال عام 2022، تمّ نشر ما يقدّر بـ3 آلاف و732 رأسا حربيا مع الصواريخ والطائرات، بينها 2000 مملوكة لروسيا أو الولايات المتحدة “تم وضعها في حالة تأهّب عملياتيّة عالية”.
وتمتلك روسيا والولايات المتحدة معًا أكثر من 90% من جميع الأسلحة النووية. بينما تقوم الدول السبع الأخرى المسلّحة نوويّا إما بتطوير أسلحتها أو بنشر أنظمة أسلحة جديدة، أو إعلان عزمها القيام بذلك، حسب تقرير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام .
لا يخفى على أحد الأضرار الجسيمة التي تسبّبها الأسلحة النووية، باعتبارها أخطر الأسلحة على وجه الأرض، وذلك لما لها من قدرة تدميرية عالية، ولأّنّ بإمكانها قتل ملايين الأشخاص في دقائق معدودة، وتعريض البيئة الطبيعية لأخطار تلوّث شديد تستمرّ لعقود طويلة.
هنا على العالم أن يقرّر بنفسه، إمّا أن يستمع إلى صوت الحكمة والالتزام بالاّتفاقيـات الدولية للحدّ من انتشار الأسلحة النوويـة أو الانحراف صوب عقيدتي التهوّر والجنون، عندها سيكتب لنفسه نهاية كارثية.



أضف تعليقا