"العبث بالدولة"... أقوم مسالك التطبيع
tunigate post cover
رأي

"العبث بالدولة"... أقوم مسالك التطبيع

“قيس سعيّد الذي أوصلته مقولة (التطبيع خيانة عظمى) إلى سدّة الحكم، اعتبر تطبيع الإمارات مع الكيان الصهيوني مسألة اختيارات“..الباحث التونسي فوزي الصدقاوي يكتب عن “عبث الدولة” ونوايا التطبيع
2022-06-20 19:50

فوزي الصدقاوي

كان  بول كامبون الوزير المقيم بتونس سنة 1882 قد أصدر قرارا، ذا مفعول رجعي ينصّ على استمرار العمل  بقائمة من الأوامر سبق أن أصدرها الباي لكن تلك القائمة لا تتضمّن « أيّة إشارة إلى دستور 1861 ولا إلى عهد الأمانالصّادر في 9 سبتمبر 1857» وهو ما يعني إبطال أي مفعول لهذين النّصين باعتبارهما مرجعا قانونيا للدولةالتونسية.

الأوامر العليّة، هي المراجع التشريعية الوحيدة، التي كانت تساس بها البلاد، لكن تلك الأوامر، في الواقع، هي نصوص يقترحها المقيم العام، ويمضي عليها الباي ويوشّحها بأختامه، حتى دون علم مسبق بمحتوى تلك الأوامر،(1) لتصدر لاحقا في الرائد الرسمي التونسي.  فيكفي فرنسا حاكم تونسي يكون في الظاهر على رأس السلطة، لتحكم البلاد.   

منذ نهاية القرن التاسع عشر، كانت إعادة تصميم البلاد التونسية ضمن الخارطة الأوروبية، وتحت الإدارة الفرنسية، سياسة أوروبية متعارفا عليها، لها جذور تاريخية، وقد ظلّ الاهتمام بإبقاء التحكّم في مركز القرار  بالبلاد من أعلى، بما يسهّـــــل السيطرة عليها من أسفل،نهجا متبعا ضمن تلك السياسة .

في الأصل كانت تلك نصيحة الكاردينال دي لا فيجري سنة 1881 : ( إنني لا أتردد في القول إنّنا نكون قد وقعنا في خطإ سياسي إذا انزلقنا لأيّ سبب من الأسباب في سياسة إلحاق الإيالة التونسية ويجب على فرنسا ألا ترتكب مثل هذه الهفوة  بل من واجبها أن تقتصر على حماية حقيقية تمنحها سلطة ضرورية تعدّ بها للمستقبل، وتسمح لها بالتستّر وبعدم إثارة العصبية العربية وذلك بإبقاء حاكم مسلم يكون في الظاهر على رأس البلاد.)( 2)، وحين أصبح الأمر سانحا، كتب بول كابون ممثل الحكومة الفرنسية، في فيفري 1882 إثـــــر تعيينه رسميا وزيرا مقيما في تونس ليُؤكّد أنّ خطته كانت تتمثل في : (….إنشاء وزارة للباي شيئا فشيئا مع فرنسيين وحكم البلاد التونسية من أعلى إلى أسفل( 3).

في الحالة التونسية الراهنة، فرنسا كانت أكثر  الدول الأوروبية انزعاجا من الثورة التونسية، حتى أنّها استعدّت في ديسمبر 2010 لتزويد نظام بن علي بالسلاح والذخيرة، حين عجز بن علي عن صدّ شوارع الغضب الليلية.

 كانت ”فرنسا الاستعمارية” (4) جاهزة لتقدم خدماتها من أجل حماية دائمة لوكلائها، فالثورة، من منظور فرنسا، تعني إفلات السلطة في تونس من قبضة وكلائها، كما تعني أن مصالحها ومصالح شركاتها الاستثمارية ذات الامتيازات الحصرية والخاصة صارت مهددة، وتعني أيضا زعزعة مراكز نفوذ القوى السياسية والمالية التي تؤلف في مجموعها كتلة “حزب فرانسا” في تونس.

ومن مسافة لا تبدو بعيدة عن تونس، كانت دولة الكيان الصهيوني، التي رسّخت منذ خمسينات القرن الماضي، لقاءات واتصالات سرية عبر قنوات تواصل غير معلنة، مع شخصيات سياسية وموظّفين سامين(5)، قد وجدت نفسها أمام ثورة شباب،يرفع قادتها مع مطالبهمالاجتماعية، شعار “الشعب يريد تحرير فلسطين”، ويمنح الثورة في اعتصامات القصبة نشيدا منحوتا من الزجل الفلسطيني المقاوم،( محلا القعدة ع الميّة و محلا الربيع ***محلا الثورة التونسية تضم الجميع).

 ثم إنّ دولة الكيان الصهيوني ستدرك المآلات القصوى لهذه الثورة، عندما تفتح الحكومة التونسية في جانفي 2012، طريق الضيافة، لرموز المقاومة وقادتها السياسيين من غزة، مستقبلة إياهم بمقر الحكومة بالقصبة وبقصر الرئاسة بقرطاج، وهي لحظة بدت فيها الدولة التونسية في عيون الغرب، لأول مرة منذ الاستقلال، كما لو أنّها ”دولة مارقة”، بينما هي تعبّر باستقبالها الوفدالرسمي من غزّة، عن انتمائها العربي وانتصارها للمقاومة وتبنيها القضايا العربية.

أمّا قيس سعيّد الذي أوصلته مقولة (التطبيع خيانة عظمى) إلى سدّة الحكم في رئاسيات- تونس 2019، فقد اعتبر تطبيع دولة الإمارات مع الكيان الصهيوني مسألة (اختيارات، لكونها دولة…حرّة أمام شعوبها)، غير عابئ بما يعنيه هذا الموقف من تشديد الحصار على الشعب الفلسطيني.

وحين زار وفد حركة حماس صحبة الناطق الرسمي باسمها سامي أبو زهري، تونس في ماي – جوان 2021، لم يحض باستقبال قيس سعيّد في قصر قرطاج، واكتفى الوفد الفلسطيني بإجراء لقاءات  مع قياداتسياسية وشعبية، ولم تُمنح الجنسية التونسية، لزوجة الشهيد المهندس محمد الزواري، رغم المساعيالحثيثة التي بذلتها.

أمّا وكلاء الاستعمار  في تونس من “حزب فرانسا”، وهم اليوم أيضا وكلاء الصهيونية، فيعلمون جيّدا أن مسك البلاد من جديد بعد أن حررتها الثورة من قبضة الاستبداد، لا يكون واقعا ممكنا إلا في ظل نظام رئاسي.

 فالنظام الرئاسي يجبر الناس على انتخاب الرئيس مباشرة عن طريق الاقتراع العام ويمنحه صلاحية تشكيل حكومة تُنفّذ برنامجه السياسي وتكون مسؤولة أمامه، فهو نظام يُركّز السلطة التنفيذية بين يدي الرئيس وحده ويمنحه صلاحيات واسعة، وهنا تحديدا يسكن شيطان الانقلاب، الذي تحيّن المناسبة الملائمة، بعد أن نضجت الفرصة وحان قطافها، يوم 25 جويلية 2021.

بعد ما أصبح الأمر كــلّه في يد قيس سعّد وبعد إلغاء الدستور وتصفية السلطة الأصلية والهيئات الوسيطة التعديلية والرقابية وملاحقة الأحزاب وقياداتها ومصادمة منظمات المجتمع المدني الجماهيرية والعريقة. وبعد محاكمة خصومه السياسيين وملاحقة الصحافيين وتدجين وسائل الإعلام ومخاتلة التونسيين والانقلاب على إرادته. وفي اللحظات التي يوشك أن يكون نصّ دستور الجمهورية الجديدة جاهزا (6)، وفيما يتردد أن مسألتينأساسيتين سيحدثهما هذا النصّ : 1- النظام الرئاسي، و2- إلغاء المادة الأولى: الإسلام دين الدولة أو تعديل صيغتها، يستمر كثيرٌ من قادة الرأي في تونس في وصف سلسلة القرارات التي اتخذها الانقلاب، منذ 25 جويلية 2021 بأنّها ”عبث بالدولة”.

إذا كان “العبث بالدولة”، طوال “لحظة الاستثناء”، نعتٌ ملازم لتلك القرارات الرئاسية، فإنّه يتعيّن فهم “العبث” على أنّه جزء من خطة تمويه وأداة أساسية للتلبيس على ما يراد تمريره بالمخاتلة. فكما تدار الحروب بالخديعة والمراوغة، فإنّه يُعمد، إذا ضُيّعت المروءة، إلى إدارة السياسة، بالوسائل نفسها. ولا يصح عندها، فهم “العبث بالدولة” في علاقة بتقييم عشريةالانتقال الديمقراطي المتعثّر، وإنّما الأصح،أن نضع مشروع صفقةالقرن في الاعتبار، وهو الذي يتقدم نحو شمال إفريقيا وصار له في المملكة المغربية موطئ قدم، لاسيما وأنّ المهمّات الاستشارية للانقلاب، تضطلع بها الدول نفسها التي تشكّل محور التطبيع العربي والمدعومة من دولة الكيان الصهيوني، والمستظلة بفرنسا الاستعمارية.

من حيثيات هذا السياق، يصبح يقيننا قطعيا، بأن الانقلاب ظلّ على طريق فكّ الارتباط مع المنظومة المؤسساتية والدستورية لـ 14 جانفي، ليُـــبـــررَ وضع قواعد اختراقيمنحه قوة ”دستورية”  تيسّر  لفرنسا الاستعمارية، وأد الديمقراطية في تونس نهائيا، واستعادة الدولة في قبضتها وبالتوازي مع ذلك سيكون “العبث” لاحقا قد صنع مسالك لتسرّب التطبيع مع الكيان الصهيوني من أعلى إلى أسفل.

**********************************

1- الحنّاشي (عبد اللطيف)، المراقبة والمعاقبة بالبلاد التونسية، الإبعاد السياسي أنموذجا 1881-1955،(في جدلية الاضطهاد والمقاومة، كلية الآداب والعلوم الانسانية – صفاقس، مارس 2003، ص 63.

2 – المحجوبي(علي): إنتصاب الحماية الفرنسية بتونس،سلسلة ما يجب أن تعرف عن، تعريب عمر بن ضو وحليمة قرقوري وعلي المحجوبي، طبعة 1986،سراس للنشر، تونس، ص 75 و76.

3 – Paul Cambon, correspondance 1870-1924, Lettre à son épouse le 21 février1882, t1, Paris, Grasset, 1940, p. 156

4 – يتوجّب التمييز بين فرنسا الدولة الاستعمارية، وفرنسا الشعبية بتياراتها وقواها التحررية.

5- منذ الخمسينات من القرن الماضي، كان بورقيبة والهادي نويرة ومحمد المصمودي وعدد من القياديين الدستوريين، قد أجروا إتصالات مع الدولة الصهيونية من خلال سفرائها في باريس،أما الهادي نويرة  فقد حاور مراسل هآرتس، وأبدى إستعدادا للعمل على أن يجعل القادة العرب يجنحون إلى السلام، مقابل أن تدعم الدولة الصهيونية قضية استقلال تونس في المحافل الدولية، أمّا بورقيبة فقد كانت له هو نفسه علاقة بالمؤتمر اليهودي العالمي منذ سنة 1954، وقد طلب من ممثل الكيان الصهيوني بالأمم المتحدة دعم القضية التونسية في الاستقلال.

6 – يصرّح أمين محفوظ (أستاذ القانون الدستوري) أن نصّ ”دستور الجمهورية الجديدة” سيكون جاهزا في 20 جوان 2022، الأيام القليلة القادمة من كتابة هذا المقال، بما يعني أن إعداده من قبل اللجنة الاستشارية لصياغة دستور الجمهورية الثانية، إستغرق نحو أسبوعين، مُنح خلالها المستشارون، 3 أيام  لتقديم ورقات حول تصوّراتهم عن تونس للأربعين سنة قادمة).

تطبيع#
تونس#
فوزي الصدقاوي#
قيس سعيد#

عناوين أخرى